هدى الكناني - العراق

ذاكرة عطر ونصان آخران

ذاكرة عطر

حين أهم باحتضان ذاكرتي، أفرغ محتوياتها وأفردها كما تفرد الملابس الباريسيّة غالية الثمن. أقلبها، أعطرّها، أشمها وأتناولها قطعة بعد أخرى، لأرتديها وأغفو تحت دثار ليليّ توّشمه نجوم وترّصعه أقمار، لأعيشها حلما تلو آخر، كسجين حلمه الخلاص، وجائع حلمه رغيف خبز، وعاقر حلمها طفل جميل. أنا احلم أن أحتضن ظلك وأعاقر خمرة اللقاء، وليشتعل الجسد عطرا كحريق يستعر في قارورة عطر، وكحلم نام واستيقظ على حلم.

قراءة بأنامل القلب

حين تقرأ كل ما همسته وباحت به أوراقي، لن ترى حروفا رصّت على ورق، بل خيالات تتراقص على لهيب شمعة، تنفض دموع جسد متعب أذابته الآهات. تلّمسها بأنامل قلبك حرفا بعد آخر، تذوقها بحرارة شوق، ستجدني أودعتها خيطا أثيريا من رحيق الروح، و عطرا أغفيته تحت حرف حاء، ودمعة أخفيتها تحت باء، فالحب كتابة بحبر الروح على تضاريس قلب، أنت طمرته تحت سطور زمان ونسيان. وإذ تفعل ذلك، ستدرك كم أنت خاسر، إذ تركتني أموت بردا وفي عروقك يتفجر بركان ثائر، حينها ستدرك كم أنت خاسر.

وتبقى ماردا في قمقم روحي

هل عليّ إصدار مرسوم يمنعك من الإبحار في دماء قلبي الإقليمية؟ كيف لي أن أمنعك من التسلل إلى دورتي الدموية كقرصان بحريّ مغامر، أفرد القلوع وأبحر عبر شراييني وأوردتي متوغلا إلى أعماق روحي، احتل قلبي وأرسى سفينته على مرفأه، مستقرا هناك، رافعا رايات انتصاراته في معاركه الدموية. أنت قرصان لم يخرق قانون دولة أو حكومة ما، كي تنفى أو تعاقب أو يطالب بك، بل قرصان قلبي، سارق روحي، معلنا تمردك على كل قوانيني التي شرعتها كي لا أحب.

كنت قد اختلقت حبك على أوراقي، كي لا ابقى حرفا وحيدا في أبجدية الحياة، بلا معنى ولا كنه لوجوده، علّني بذلك أوصل حرفي بحرفك لنكوّن حرف جر يجرنا إلى عالم ثان، إلى حكاية، بل إلى حكايات، فإذا بك حقيقة تغزو كل تفاصيل أيامي، بل مارد يتربّص تحت الجفون، ما أن أسدلهما لأغفو حتى تنتفض بكل عنفوانك، لتتحرر من قمقمك وتتردّد أصداء همهماتك وهمساتك في أرجاء الروح، سابحا في دمي عكس دورتي الدموية مستنزفا كل ذرة أوكسجين فيها، لتشعل الحرائق أينما حللت، وتخّط على شغاف القلب، قاوميني إذا شئت. أنّى لقلبي المحترق حبا مقاومة أسد افترس ضباع وحدته وذئاب مراراته؟


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3178432

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC