عبد الحفيظ بن جلولي – الجزائر

رؤيا القص/قصّ الفكرة

رؤيا القص/قصّ الفكرة عند القاص الجزائري بشير عمري

عبد الحفيظ بن جلولي=1=

تشكّل القصّة القصيرة ظاهرة استثنائية في حياة المبدعين، حيث هناك من بدأ قاصا ثمّ تحوّل إلى الرّواية، معتبرا ذلك تطوّرا تصاعديا في مساره الإبداعي، بينما هناك من القصّاصين من حاول مقاربة الرّواية لكن قراءاته الإحاطية جعلت منه فاعلا وفيّا للقصة القصيرة من حيث إنّها تتطلب التّطوير، ليس من باب التخلي عنها إلى شكل تعبيري داخل الأنماط السّردية الرّائجة، وإنّما تطوير طرق التّعامل مع هذا الجنس الأدبي الهام.

ضمن هذه الرّؤية الثانية تدخل التّجربة القصصية للقاص الجزائري بشير عمري، الذي أعاد قراءة المشهد السّردي، فقرّر أن يظلّ وفيّا لجنس القصّة القصيرة، مدركا أهمّية القراءة في تنمية الرّغبة القصصية النّابعة من تكثيف سردي يمتح من الفكر والوجدان.

=2=

منذ مجموعته الأولى "ريح آخر اللّيل"، التي تعتبر من عطر البواكير، وصولا إلى مجموعته الثّانية "سائل العمر" التي نشرت في ترجمتها إلى اللغة الفرنسية، يلمح الدّارس لهذا القاص هويّته السّردية الممعنة في التّجريب وتحطيم أسوار السّرد التقليدي الذي يحايث الحكي على حساب الفكرة، حيث ينظر بشير عمري بعمق إلى حركة الواقع ملتقطا المفردات المهملة أو الهامشية في وقائع سيرورة المعيش لينجز منها بهاء سرديا ممتعا، كما هو الحال في قصّة "عمّن كانت تغلق الأبواب"، التي يجعل فيها موضوعة الحب تتموضع بالتّوازي اختلافا مع أطرافه، أي الحبيبين البيولوجيين، فيقيم التّماثل بين الحبيبين وبَابيْ بيتيهما اللذين يشكلان في تقابلهما موقفا غزليا، ينفتح على اللقاء نهارا، وينغلق على الفراق ليلا، وبالتالي تحيل العملية السّردية على نوع من الأنسنة لعناصر الواقع، بما فيها الجمادات، وبالتّالي يتفجّر المكان في القصة من فكرة التشظي الوحداتي لمفاعيل الحركة في الواقع/المكان، والتي مآلها إلى القلوب التي تآكلت نبضاتها فخمد بريق التلاقي في حامليها، وأُهمل المكان في خضم الواقع المتحوّل بسرعة رهيبة.

=3=

في قصّة "أنيس وزهرة نيس" يستمرّ بشير عمري في إنجاز هيكل المتاهة السّردية التي تحاصر الممرّات كلها لتضع العلامة المميّزة عند كل انعطافة سردية، يشكل النص على المستوى الفنّي في إنتاجية المعنى على هامش موضوعة الزّهرة وعلاقة المجتمع بها كقيمة جمالية، ذلك الإحساس المغيّب والغائب في علاقة المتلقي بالجمال، فهو ابتداء يقرن البحث عن زهرة نيس بالجدار.

يقول السّارد: "لكنّي لم أشأ أن أشغله بتوافه الأمور كالسّؤال عن الزّهور والورود التي هجرت حقول الزرع".

يتكلم هنا السارد عن والده، ويثبّت موضوعة الزّهور كمبحوث عنه، شمله الغياب عن واجهة الواقع، وبإحالة الزّهر على هامش "التّوافه"، يكون السّارد قد عثر على الاتجاه العام الذي يحكم العلاقة مع القيم الجمالية داخل مجتمعات استهلاكية، وهو ما يجعل القرينة السردية التالية: "وكتمت مشاعري فأنا كنت كلما ازددت سنتمترا طولا ازدادت الحوائط أمامي بعشر أمثالها" تحيل على الفاصل النّفسي الذي يعيق عملية التّواصل مع الجمال.

=4=

يضع نص "أنيس وزهرة نيس" العلاقة بين المجتمع والورود داخل إطار ما تفرضه الأبوية، التي ترى في المجتمع بأشخاصه قاصرا لا يجب أن يتعدّى إلى الأسئلة المؤرّقة، ولهذا كفّ السّارد عن السّؤال، وهو ما يحيل بالضرورة على عدم إقبال الحركة المجتمعية على اكتشاف الذوق في الجمال. يقول السّارد:

"المدن لا تضاء بشموس نهاراتها ولا بمصابيح شوارعها الليلية، بل بمقدار ما تفيض به عليها زهور حدائقها من نور ألوانها، لأنّ الشّمس تغرب بنورها والمصابيح ينقطع تياراتها، بينما الورود تزداد توهجا فينا".

فعلاقة الورد داخلية لا شأن لها بمظاهر الأشياء، وهو ما يعلق هذه العلاقة على الإحساس بالجمال. وبالعودة إلى البيئة الحاضنة نكتشف أهمّية الظاهر في تحديد الذّوق الذي ينحو صوب الرّغبة في الأشياء والتي تحدّدها المنفعة، لكنّ الورود "تزداد توهجا فينا" وبالتالي تبني الداخل متجاوزة الخارج، وهو ما يمنح الإشكالية الجمالية بعدها المجتمعي والفردي، فالحائط قد يحمل الدلالة القوية في البنية الكليانية المعيقة، وقد يتأسّس كشرط فردي قائم، يعبّر عن أزمة التذوّق الجمالي الذي غيّبته العلاقة النّفعية.

=5=

تستثمر الرّواية في إغراء الموجود المادّي، حينما تطرح أسئلتها المؤرّقة:

"هل توجد زهور سوداء؟"

"نعم توجد؟"

"وكيف يضيء السواد نورا؟"

ولكي تبرّر القصّة منطقية السّرد، تعمد إلى البناء بالتّوازي لإشكالية الفكرة، حيث تقرن الوردة السّوداء بوهجها الوجداني بالكاديلاك السّوداء ذات المآل الإستهلاكي والتفاخري بالدّرجة الأولى، أي المبني على الظاهر؟ يقول السّارد:

"مرّة كنت أنا ونسيم ابن جيران في طريقنا إلى المدرسة فانفتح الباب لتدخل الكاديلاك السوداء ذات الزجاج المطلي هو الآخر بالسواد".

يتأسس طبقا للقرينة السردية الفصل بين القيمة الجمالية والقيمة الكمالية على مستوى التلقي، فالسّواد ليس معيبا في ذاته إلا إذا اقترن داخل الذات وفي عمقها النّفسي بما يحيل على العطالة الإنسانية والتّغافل عن القيمة، فالسّواد يضيء نورا في الزّهرة، لأنّه يتعالق مع الجوّاني، أو ما يشكل قيمة ذاتية، بينما يعتم في تعالقه بالكاديلاك لأنّه قيمة خارجة عن هوامش الذّات مرتّبة ضمن استهلاكية المسعى وإنتاجية الآخر، لهذا، ولانفقاد القيمة الجمالية داخل سجن العوائق المجتمعية والفردية ينتهي السّرد بسؤال الغياب:
"وماذا عن زهرة نيس؟"

=6=

تجدر الإشارة إلى أن الحس النّقدي الذي يتمتع به القاص بشير عمري يعتبر عاملا حاسما في ترتيب شؤون اشتغاله القصصي، حيث يقول إنه في البداية كان يهتم بالحكاية وترتيب مفاعيلها الحركية، بينما، وبعد حين، تبيّن له من قراءاته أن التّكثيف يعني الرّؤية وضبط اللغة بما يعني إيحاءيتها وفكرويتها، لأنّه كاتب يهتمّ بالرّؤيا والتّحليل، وهو ما انعكس إيجابا على الإشتغال بالقصّة القصيرة.

= = = =

للاطلاع على قصة "أنيس وزهرة نيس" انظر/ي العدد السابق (90).


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 2894446

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC