نورة عبد المهدي صلاح - فلسطين

نصوص قصيرة

نورة صلاحمن ذاكرة الاسم

منذ البداية لاسمه حضور عميق بالروح، أهديته اسمه محفورا على ميدالية خشبية، يلمسها كأنه يلمسني، يقرأ اسمه كأنما يقرأني، يتحسس نتوء الحفر على قطعة الخشب الغضة، ما زالت رائحة الحرق واضحة وقوية، أوصيه ألا يضيعها فاسمه يسلم علي وعليه وعلى دنيا غيبتنا.

خفية أفتح هاتفي وأنظر لاسمه ضمن قائمة جهات الاتصال، أقرأ رسائله الصباحية والمسائية. ألقي عليه تحية الصباح "صباحك سكر، صباحك أنقى وأطهر"، وقبل أن أنام أطيل حواري معه، لا أعرف متى نمت، وإن صحوت بمنتصف الليل أسأل نفسي من نام أولا أنا أم هو؟

آه لو عرف كم من الفراغ ترك! وكم من الألم خلد! يطحن رأسي السؤال الدائم له: ألا تستطيع أن تفعل شيء أعود فيه إليك كأننا ما افترقنا؛ كأننا ما قهرنا؛ كأننا ما بكينا وأذنبنا، كأن الخطايا هربت ولم تُكتب بصفائح أعمالنا سوى "كانا اسمين يحملان طيبة القلب والروح".

من ذاكرة الصورة

لليوم أقف أمام صورة درويش وهو يعقد أصابعه أمام ذقنه ناظرا للبعيد، أعتقد أن هذه صورتك الحقيقة التي اعتدت على رؤيتها والتي تشبهك فعلا، أجلس أمام الشاشة وأعقد أصابعي بنفس الطريقة وأنظر لتلك النقطة التي كثيرا ما كنت تقول لي عنها، أنظر لنقطة لا أعرف متى تلمع ومتى تنطفئ، تماما هذا اللمعان هو وجهك مرة يضيء ومرة ينطفئ.

من ذاكرة الصوت

بعض البشر يتركون بصمة صوتية في الذاكرة، مهما حاولنا طمس حضورهم فينا، لا يمكن أن نلغيهم، من توطن صوتهم فينا يبقى كاحتلال دائم، حتى لو ثقل السمع، يبقى صوتهم دافئا نقيا رغم كل الوجع الذي فيه.

من ذاكرة الجسد

ما لا يعرفه أني حفظت لغة جسده وهو يتحدث. على سبيل المثال تهتز يده اليسرى ذات الامتلاء والبياض قائلا عبارته المشهورة "مش مهم". أنا أقول ذات الكلمة مع ذات الحركة مع اختلاف بسيط: يدي نحيلة وضعيفة لا توحي بالقوة التي فيه. ها أنا أقولها وبداخلي ضعف كبير، ليس مهما أبدا هذا الغياب الآسن، وها أنت تقول لي بذات قوتك الآسرة ليس مهما كم نغيب، المهم أن لا نضعف بالعودة إلى حب كان بيننا وليدا.

عزلة

في عزلتي أفتح صفحة الـ "ويرد" لأكتب فيها الكثير من الكلمات، شيء منها يحمل معنى ومضمونا وبضع معان ركيكة عائمة فوق السطور.

أفتح صفحة الرسام لأخربش وألصق وأنسخ، دوائر ومربعات، أعبث بصوري أضيف عليها الكثير من الزينة، أو أنزع عنها كل جمال، لا أعرف أهذه أنا أم أن مسخا قد أصابها ولعنة قد شوهتها؟

ما لا تعرفه أني أمضي الوقت أكتب اسمك وأمحوه مئات المرات، ما لا تعرفه أن دموعي تسيل دون شعور مني، توقظني برودتها على خدي فأمسحها قبل أن يباغتني أحد بالسؤال عنها.

أكتب على قصاصات المكتب الكثير من الأشياء، أدسها بجيبي وأمضي خوفا من أن يقرأها أحد أو أن يطلع على ما فيها من شغف، أقرأ ما سرقته منك من كلمات في عزلتي. أغمض عيني عليه وفي الصباح أعود أقرأه كأنه وردٌ يومي.

في عزلتي هربت من كل الدنيا لألقاك بحريتي دون أن أضيف لك حزنا بكلماتي، أو أقسو عليك بكثرة العتاب، في عزلتي عزلت الدنيا كلها وبقيت أنت سيد الحضور وسيد الكلمات.

غربة

أمارس غربتي في هذه الحياة، بكامل الأناقة أمضي في درب الوهم، أمسك دمعي بطرف منديل، وإن سئلت عن سبب احمرار الجفن أجيب أن الهواء يجرحني كثيرا، وإن سئلت عن سر انطفاء العيون أقول ليل الشتاء طويل والسهر فيه جميل حول المدفأة والكانون، بينما لا مدفأة تجمعني بأحد، ولا كانون أشم رائحة الفحم المحترق.

أمارس البكاء لأستمتع بحرارة الدمعة تخرج حتى تصل ذقني وتتجمد بردا، تماما كتدفق الحب من القلوب يخرج دافئا وفي نهايته يتجمد مع الوقت.

أمارس غربتي وكأني أعيش السعادة بكاملها، والحزن بكامله، أعيش التفاؤل واليأس بكامله، أعيش كل المشاعر بآن واحد وبنسق واحد، كل شيء متساوِ لا يحمل الجديد. هكذا أصبحت أعيش.

راق لي أن أبتعد لفترة عن الكم الهائل من الدمار، خرجت من قوقعة الذكرى لأطرق أبواب أخرى لا أجدني فيها، طحنت كل ذكرى تعيدني إليه، ولادتي الجديدة كانت قيصرية متعبة، ابتدعت طرقا لاحتضان الفراغ بروحي، قبلت نفسي أمام المرأة، أمسكت معصمي ومشيت مع نفسي كثيرا، أحدث نفسي وأبادل نفسي عبارات حب ورجاء أن يكون نهاري طيبا ونقيا بي.

وفي لُجة العمل أرسل لنفسي رسالة أني أحبني واشتاقني وافتقدني، واعشقني وأتمنى لي نهارا أكثر روعة، وبنهايته ألقي بحقيبتي ظهرا في سيارتي المنهكة من الوقوف مثلي، أبتسم فقد أرسلت لنفسي رسالة أقول لي فيها انتبهي على نفسك.

عندما أصل أبتسم لنفسي وأقول حمد الله على سلامتي، أفتح صفحة خالية بيضاء نقية على جهاز الحاسوب، وأكتب عن يومي إلى نفسي، أرسلها بالبريد وأشعر بالدهشة من سرعة وصولها إلي، أقرأها وأستمتع، عزيزتي روحي وغاليتي، وفي مضمونها كثير من الحب واللهفة، وفي النهاية أحر القبلات القلبية.

وإن حل الظلام واشتدت قسوة البرد، أخبئ نفسي تحت ذراعي، أشدني إلي، واقبلني وأتقلب بين يدي نفسي، أتنفس روحي وأنام بغمرة البكاء على وحدة لفتني، وأشمع قلبي بشريط من الذكرى مر بك دون إرادة مني، أعتذر عن خيانة نفسي لأني أتخلى عنها كل ليلة لأجل أن أتذكرك وأنساها.

غياب

ها قد غبت لبرهة من الزمن، قد أغيب أكثر من ذلك وقد أغيب أقل، لا أذكر أن غيابي ساعدني على النسيان أو الشفاء، بعض الغياب وسيلة لتثبيت الذكريات بالروح، بعض الغياب رفوف نصنعها لنرتب الصور عليها ونفتح الأبواب للمتفرجين على لوحات رسمناها وأفكارٍ نقشتها أناملنا لمن كان حاضرا وغاب، لمن كان نبض الشوق فينا وصار الشوق إليه عذابا.

لا شيء يواسيني في الغياب، سوى كلمات أسرقها من ذاكرتي قد قلتها لي، آخذها وأشم رائحتها وأتذكر صوتك وأنت ترددها. وقد ألمح طيف وجهك يمر بقربي وأستعيد رائحتك التي تنشقتها بصمت في عناقي الأخير لك.

من ذاكرة الأرجوحة والجنة

(1)

أجمل ما يدخل الصفاء لروحي مكان متسع وفضاء نقي، وأرجوحة تطيرني، أعفر التراب من تحت قدمي وأمضي. كلما زاد العلو قطفت نجمة وهبطت، قطفت فكرة وهبطت، قطفت قبله وهبطت، في المرة الأخيرة التي ركبت فيها أرجوحتي عندما حملتني بين يديك قطفتني غيمة من السماء وهربتني إلى الفضاء لأنفجر هناك وحدي، بينما أنت كنت تتابع سيرك كأنك حملت أحدا غيري ومضيت.

(2)

اخترت جنتي فكانت ورقة بيضاء وقعت، تذيلها بعبارة أبسط ما فيها أعمق ما فيها: جنة الدنيا حب القلب، وجنة الآخرة العمل، فما أقسى أن تتحول جنة القلب إلى دمار بانطفاء الحب فيه، وأن تتحول جنة الآخرة عمل بلا عاطفة! وما أقسى خسارتي لهما في آن واحد!


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3251505

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC