مجلة عود الند الثقافية. الناشر: عدلي الهواري :: adli hawwari ::

عمان الشرقية: شطر المدينة الذي لم يغادر القرية

خالد سامح - الأردن

 

الصور من التقاط الكاتب أيضا، وقد أقيم معرض لصوره في عمان في شهر أيار/مايو 2010. لمشاهدة صور عمان بحجم كبير، اضغط بالمؤشر (الماوس) على الصورة الصغيرة في النص.

 

خالد سامح، الأردن"حد علمك بعمّان قرية؟" ترسخت تلك المقولة في ذاكرة العمّانيين وأدبياتهم حتى أصبحت مثلا شعبيا متداولا، نلجأ اليه عندما نلوم شخص لإغفاله تطور الزمان والمكان والأحداث التي تدور من حولنا.

والمثل في تاريخ العرب عبارة عن حكمة أو تشبيه يسعفنا في ايجاد مقاربة ما أو إسقاط على واقعة معينه، دون أن نقصد ذلك المثل بمعناه الحرفي، وانما نكتفي بمدلولاته البلاغية ذات الهدف والمعنى الواضح.

لكن المثل المشار اليه، الذي يكاد استخدامه أن يقتصر على أهالي عمّان سيما كبار السن منهم، هو أقرب إلى الحقيقة في صورها وتجلياتها الاجتماعية والإنسانية والعمرانية المختلفة، فالانتقال من المدينة الحديثة او ما يعرف بــ"عمان الغربية" إلى المدينة العتيقة، أي "عمان الشرقية"، وبصورة خاصة صحن المدينة الذي يضم الجبال والأحياء المحيطة بمجرى السيل والمدرج الروماني، يشبه إلى حد معين الانتقال من زمن إلى آخر. أقول إلى "حد معين"، لأن شرق المدينة الذي يحافظ على صورته القروية البسيطة غزته أيضا بعض مظاهر الحداثة والعولمة والازدهار على كافة الصعد.

ولقليلي الالمام باللهجة الأردنية يمكن تفسير مفردات المثل كالتالي: "حد علمك" صيغة تستخدم عند مخاطبة الشخص، وتفيد معنى أن معلوماتك قديمة جدا وتوقفت عند زمن مضى عليه الكثير، وهو في المثل الزمن الذي كانت عمّان فيه قرية، أي قبل تسعين عاما.

مدينة أنشأت على عجل

لقطة لمنطقة في عمان الغربية، تصوير خالد سامح لو قام أي سائح أو مصور فوتوغرافي في جولة بين شطري العاصمة فسيخرج بالكثير من المفارقات والمشاهد التي تعكس الاختلاف الكبير بين شرق المدينة وغربها، ذلك أن هذا الاختلاف والتمايز الواضح يبدأ بايقاع الحياة الانسانية، ولا ينتهي عند خصائص العمران والتخطيط المدني والهندسي والمستوى الاجتماعي والمعيشي للسكان، بالاضافة إلى العادات والتقاليد والقيم التي تحكم قاطني أحياء طرفي المدينة.

ذلك البون والاختلاف لا يعتبر ظاهرة عمّانية، فمعظم المدن العربية والأجنبية تتميز بتعدد، وربما تنافر، الأنماط الحياتية والعمرانية بين أحياءها القديمة والحديثة، ومنها القاهرة وبيروت وبغداد وغيرها من المدن العريقة.

لقطة لعمان الشرقية من منطقة القلعة، تصوير خالد سامح لكن المختلف في عمان يرتبط بنشأة تلك المدينة وأصلها القروي وطابعها الريفي الذي يتلمسه الزائر في أكثر من محطة وعلى أكثر من مستوى، فعمان الشرقية هي الأصل والبدايات، وهي تلك القرية التي نشأت على ضفاف السيل ورأس العين منتصف القرن التاسع عشر، عندما استقرت بها العشائر والعائلات الشركسية المهاجرة من القوقاز، لتمتد فيما بعد إلى الجبال المحيطة والمحاذية للسيل والمدرج الروماني وسبيل الحوريات والرجم الملفوف وغيرها من المعالم التي تركتها حضارات قديمة استقرت في المنطقة.

لم تكن أحياء مثل الشميساني وعبدون والصويفية وتلاع العلي وأم أذينة وغيرها من المناطق الغربية قد ظهرت. وعمان الغربية حتى نهاية الستينيات لم تكن سوى جبل عمان حتى الدوار الثالث، والباقي هو الأحياء الشرقية أو صحن المدينة الذي يحيط به جبل القلعة وجبل اللويبدة وجبل التاج والأشرفية والجوفة وماركا.

غالب هلسا، الأردنإن تتبع نشأة المدينة والتأريخ للعمران والتخطيط الهندسي فيها، لا سيما بعد اتخاذه مة لامارة شرق الأردن عام 1921، يحيلنا إلى ما قاله الراحل غالب هلسا في روايته "سلطانة" من أن عمان مدينة أنشأت على عجل. بالتأكيد أن هلسا الذي عاصر عمان ببداية الخمسينيات قصد عمان الشرقية، تلك التي انتشرت على الجبال بصورة عشوائية، وبنيت دون المرور بمراحل مدروسة، تماما مثلما نشأت كل القرى في الأردن، لا بل ربما كان بعض تلك القرى والبلدات أكثر تطورا ومدنية من العاصمة.

وعمّان التي أنشأت على عجل هي ذاتها عمان الشرقية التي لا زالت حتى يومنا هذا وفية لروح القرية وأجواءها الفطرية والانسانية الحميمة، بالرغم من كل تقلبات الزمن وما حملته العقود من تحولات وتقلبات طالت المكان والزمان وسلوك البشر.

عمّان الشرقية: مشاهد وانطباعات

لقطة لعمان الشرقية من منطقة القلعة، تصوير خالد سامح لو حاولنا المقارنة بين شرق عمان وغربها فسنصل بالتأكيد إلى العديد من الحقائق والاستنتاجات، حيث يكشف التوثيق الفوتوغرافي الاختلاف الكبير في النمط العمراني، فالأبراج التي تضم كبرى الشركات والفنادق والمجمعات التجارية (المولات) باتت تحتل مساحات كبيرة من عمان الغربية. أما عمان الشرقية فيكاد البناء يقتصر فيها على المنازل والأحياء السكنية البعيدة عن مظاهر الأبهة والترف، وهي مبنية على الأغلب من الطوب. كما أن سكان الأحياء الشرقية لا يفضلون أشجار ونباتات الزينة، تلك التي تحيط بفلل وقصور الأحياء الغربية، فهم كما أهل القرى يختارون دائما الأشجار المثمرة، ومنها أشجار التين واللوز والتوت وغيرها.

وشوارع عمان الشرقية ضيقة، يجلس على أرصفتها قبيل الغروب كبار السن والعجائز. ويتخذ الأطفال منها ملاعب لكرة القدم. ولا عجب أن ترى قطعان ماشية تمر بين الحين والآخر، يقودها راع يعتلي ظهر حمار في مشهد سوريالي. وتلك الشوارع أيضا تحتضن الكثير من مفردات ومظاهر الحضارة الحديثة في ذات الوقت ومنها مقاهي الانترنت ومحال بيع الأجهزة الخلوية وغيرها.

وبنات عمّان الشرقية مختلفات أيضا، فنسبة المحجبات منهن أعلى بكثير من بنات عمان الغربية. وهذا ما نلحظه في القرى الأردنية أيضا، حيث من العيب أن تصل الفتاة إلى سن البلوغ دون أن تتحجب.

في مواسم الأمطار والثلوج تغرق شوارع عمان الشرقية بالوحل. وعندما ينبت الربيع على سفوح جبالها تشق أقدام القاصدين وسط البلد طرقا ملتوية وسط الأعشاب.

لقطة لمنطقة سكنية في عمان الشرقية، تصوير خالد سامح ومساجد عمان الشرقية ذات نمط قروي أيضا، وتفتقر للزخرفة والتزويق المعماري الذي يميز مساجد الأحياء الغربية. كما أن المصلين فيها يعرفون بعضهم البعض، ويميزون أي مصل قادم من خارج الحي.

في عمان الشرقية لا زال للعلاقات الانسانية الحميمة متسع، فالجارات يستعرن من بعضهن البعض أواني الطبيخ وأطباق الطعام والملح والفللفل والبهارات، إلى آخره، تماما مثلما يحدث في الريف. كما أن طقوس الاحتفال بالمناسبات الاجتماعية لا زالت تقليدية، فبعض العائلات تقيم الأعراس والولائم في فضاء الشارع، أو على أسطح المنازل، كما أن الخيم (الصيوانات) وبيوت الشعر تنصب للعزاء.

يشعر الزائر أو المتتبع لنمط الحياة الاجتماعية في عمان الشرقية بحميمية العلاقات ودفئها في الأعياد، بعكس أحياء عمان الغربية التي تبقى صامتة وساكنة طيلة أيام العيد، فلا أراجيح خشبية تهزها صرخات الأطفال وضحكاتهم، ولا مراهقين يختالون في الشوارع مستعرضين أناقتهم أمام الجنس الآخر.

وفي عمان الشرقية فقط تعرف أن هنالك هواية اسمها "كش الحمام" وأن الطائرات الورقية لا زال بامكانها أن تحلق في فضاء أزرق.

في القرى وعمان الشرقية يمكن لك أن توقف طالبا ذاهبا إلى مدرسته ماشيا لتسأله عن منزل فلان أو بقالة علان، وهو بالتأكيد سيهديك إلى هدفك أفضل من أي خريطة الكترونية حديثة. أما في عمان الغربية فمن الصعب أن ترى أصلا فتى صغيرا يعود من مدرسته ماشيا.

وفي عمان الشرقية الكثير الكثير من الصور والمشاهدات التي لا تلتقطها العين الا في القرى. لذا اذا وصلت فقط إلى عمان الغربية يمكنك أن تقول لأحدهم "حد علمك بعمان قرية؟" أما في شرق المدينة فلا داعي لذلك المثل.

صور لأحد المناطق السكينية في عمان الشرقية

اضغط على الصورة بالمؤشر لمشاهدتها بحجم أكبر

لقطة لمنطقة سكنية في عمان الشرقية، تصوير خالد سامح

طالع لخالد سامح أيضا:
قصة قصيرة في العدد 32، وأخرى في العدد 33.

نموذج الرسائل مغلق
 
 
إرسال مادة للنشر تنبيه لخطأ في الصفحة إبلاغ صديق/ة طباعة النص فقط
مجلة عود الند الثقافية. الناشر: عدلي الهواري :: adli hawwari ::

خيارات إضافية للراغبين في استخدام فيس بوك والمواقع المماثلة

|

 
مجلة عود الند الثقافية. الناشر: عدلي الهواري :: adli hawwari ::
الـغـــلاف
عن مبدع الغلاف

أنــس الآلــوســـي

كـلـمـــة ثانية (عدلي الهواري)
مواعيد للعدد القادم
عود الند في الصحافة
أين نصي؟
حـفـنـة أخـبـار
رحيل المفكر محمد الجابري
بلدية رام الله تكرم
حـنا ميخائيل (أبو عمر)
النصوص بنسق بي دي اف
دعوة للفنانين التشكيليين
بـحـــث

تحليل سيميائي لرواية إبراهيم الكوني (التبر)

مـليكة سعدي
نـصــوص
فتى الأحلام
إبــراهـيــم يــوســـف
الإخـــــــــــلاص
آلاء مـحـمـــد
عمان الشرقية: شطر المدينة
الذي لم يغادر القرية
نص وصور
خالد سامح

عود الند: أربع سنوات

تجربتي مع عود الند

ياسمينة صالح
آمال سلامة
جعفر أمان
سليم الموسى
هدى الدهان
نادية أبو زاهر
محمد بدر حمدان
غالية خوجة
إبراهيم يوسف
ربا الناصر
نذير جعفر
ظلال العقلة
سمية الشوابكة
عبد المجيد العابد
فريدة بن موسى
علي الطائي
كريمة كربية
آلاء محمد
في الصحافة: أرشيف
أخبار أعداد عود الند
كما نشرت في الصحف
بنسق بي دي اف
مصدر مفيد للبحوث الجامعية
التعليقات
كتابة تعليق عام
قراءة التعليقات
معلومات إضافية
سياسة النشر
ابـحـث في عـود الـنـد
القائمة البريدية المميزة
أرشيف الأعداد السابقة
إعادة نشر المواد المنشورة في عود الند يتطلب الحصول على موافقة مشتركة من المجلة والمؤلف/ة