عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 
أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 60-120 » السنة 8: 84-95 » العدد 95 » امرأة لكل المناسبات

غانية الوناس - الجزائر

امرأة لكل المناسبات


غانية الوناس: كاتبة جزائريةقد يكون هذا عنوانا سخيفا أو مبتذلا في بداية الحديث عنك، وأنت كما وصفوك نصف المجتمع، فأنت الأم والأخت والزوجة والصديقة والرفيقة والقريبة. لكني ما رأيت وصفا أدق من هذا، ولا أفضل من هذا كي ألج به إلى عالمك، لأجول فيه لبعض الوقت، وهو ذاته عالمي، أنا التي أنتمي إلى صفك وصف اللواتي يسمونهن النساء.

كم تبدو عميقة كلمة امرأة، وكم تبدو ساحرة لمجرد النطق بها، ولَكَم تجذب قائلها وسامعها على حد سواء، ولكم هي مغرية أشد الإغراء لكثيرين ممن قلوبهم مريضة، لا يرون فيك سوى جسدك وضفائرك وأنوثتك، لا يدركون من كل ما تحملين داخلك سوى ملامح الوجه وشكل الجسم، ونوع العطر الذي تضعين، والثياب التي ترتدين.

لكم مؤسف أن تكوني أنت بكل ما تملكين من روح وكيان وأحاسيس ومشاعر وأحلام، وأشياء أخرى كثيرة جدا في أعماقك، دون أن يستطيع الرجال إدراكها، فقط لأن بعضهم وأعني ما أعني بهذه الكلمة، ليس بمقدور حسهم الذكوري العالي جدا أن يبصروا أبعد من شكلك الذي يرضي بعضا من غرور غرائزهم.

بالمقابل يا سيدتي، ربما كنت أنت وأنا ومن هن جميعا ضمن انتمائنا الكامل لعالم النساء وولائنا التام له عن سبق اقتناع وإيمان، نشترك بشكل أو بآخر في هذا الخطأ الملقى حمله وثقله وعبئه كله على كاهل الرجال.

نحن ومن حيث لا ندري، وإن لسنا جميعا متشابهات تماما، نكون ربما بالغنا في أمور عدة، وأخطأنا في تبيان صورتنا الحقيقية أمامهم، واستهلكنا طاقتنا فيما أبعدنا عن الظهور الواجب إبرازه حقا، وتغاضينا ربما عن جوهر الأمور ما أوصلنا إلى هذه الحالة اليوم.

باتت الواحدة منا لا ترى نفسها إلا كما يرغب الآخرون أن يروها، مجرد صورة جميلة، كما لو كانت عارضة أزياء تتفنن في لفت انتباه الجميع دون أن تكون راضية عن ذلك تمام الرضا، أو حتى مقتنعة بصواب ما تفعله، لاهثة في كل هذا وراء شعارات إثبات الذات ووضع حد لسيطرة الجنس الآخر وتحديا لهم.

وباتت تنسى كل ما بداخلها من أشياء أعمق بكثير من مجرد الشكل الذي يرضي الرجال، وباتت تنسى دورها كامرأة تملك صفة نصف المجتمع بحق، وليس مجرد صور عارية في مجلات الموضة التافهة تلك، أو تماثيل حقيرة في محلات الزينة والديكور، أو ملصقات مبتذلة للإعلانات والإشهار في الشوارع، أو طريقة جيدة وسريعة لكسب المال. والأخطر من كل هذا أن تكون مجرد لعبة مسلية للمرضى من الرجال الذين لا يدركون رجولتهم الحقيقية إلا فوق السرير، على حساب امرأة جميلة.

ربما أخطأت من حيث لا تدرين بأن سمحت لنفسك أن تبلغي بجرأتك ما يقحمك في عوالم لم تخلقي لها أبدا، عوالم ليست ضمن تكوينك الخلقي والإنساني والنفسي والفيزيولوجي كامرأة، وأنت المشرفة المكرمة من الله كأعظم ما تكون عليه مرتبة إنسان على وجه الأرض.

إنه الفرق ما بين عزة يمنحنا إياها الله بعزه وجلاله، وما بين مرتبة واهمة تمنحنا إياها حضارة زائفة، وثقافة مستوردة تدعي لنفسها الفضل في وصول المرأة إلى ما وصلت إليه.

قد تكون المرأة في عصرنا هذا قد بلغت مراتب متقدمة وعالية جدا في سلم النجاح على أكثر من صعيد، هذا أمر لا يمكن تجاهله أو إنكاره أبدا، وهو يحسب للنساء طبعا، لكن بالمقابل إن قارنا هذا كله بما خسرته المرأة من كيانها ووجودها وطبيعتها كامرأة بمعناها الحقيقي، فدون شك تكون قد خسرت الكثير مقابل ما حصلت عليه من وهم التحضر والمساواة.

لربما خدعوك فقالوا عن كل ذلك تحضرا، وانسلاخا عن التخلف والرجعية، وتحقيقا لمفهوم المساواة المضحك جدا، وندية حقيقية لعالم الرجال. فانتبهي لنفسك واحذري يا سيدتي، وأنا التي إذ أنصحك انصح نفسي فيك.

احذري أن تصبحي في آخر المطاف حبرا لأقلام الرجال، أو غزلا وقحا في ألسنتهم، أو عطرا مفضلا ومحببا لهم، أو مجرد شكل جميل ينتقى بعناية فائقة بغرض الزينة، أو دمية سخيفة يتسلون بها في أوقات فراغهم، أو مجرد نزوة عابرة في مذكرات أيامهم.

احذري يا سيدتي، أن تصبحي بعد كل هذا الجهد الجهيد، وبعد كل هذا التعب الذي استهلك منك ومني عمرا وتضحية وتنازلات كثيرة، مجرد امرأة مكيفة ومجهزة لكل مناسبات الرجال.

D 25 نيسان (أبريل) 2014     A غانية الوناس     C 5 تعليقات

5 مشاركة منتدى

  • غانية الوناس – الجزائر

    إذا تحولت الامتيازات من طائفة إلى أخرى أو من جنس إلى آخر، يتغير موقعها ويبقى الامتياز على حاله. هل انتهينا من عقدة التعصب للذكورة، لنسقط مرة أخرى في حفرة التعصب للأنوثة..!؟ الحقيقة ليست هنا ولم تكن يوما هناك.

    من جهتي سأرضى بالقسمة المنصفة والعدل، ولتكن حبة المسك إلى جانب المرأة. حتى المجتمعات التي حررتِ المرأة في اقتصادها لم تنهِ بعد من متاعبها.

    عموماٌ من الرجال من قدَّسَ امرأة ولو كانت العبادة تجوز لغير الله.. لعبدها، حينما لم تتخلَ عن ثوب الحداد على ابنها حتى وافاها الأجل بعد ثلاثين عاما.. تبا لهذا الزمن يا سيدتي. في عدد مقبل سأخبرك عن صفاء عبد الباقي، فأرجو أن تتذكري الاسم جيداً. خالص مودتي واحترامي.


  • أ/غانية الوناس تحية طيبة ذكرني نصك الطيب النقي بنصوص الكاتبات الرائدات مثل ملك حفني ناصف (باحثة البادية)التكامل الإنساني يقتضي تجاوز هذه الثنائية ويغتني ويسمو بالمعرفة والارتقاء إلى جدارة الانسان بحمل أمانة السماء لإعمار الأرض بالخير والحق والجمال سلمت أناملك .


  • أ/ غانية ..المرأة نصف المجتمع وتلد نصفه الآخر إذن فهي المجتمع بأسره ..والمجتمع عامر بالأمثلة الصالحة وهى كثيرة والأمثلة الطالحة وهى المسلط عليها الأضواء وتفرض نفسها على الفضائيات .. والرجل رغم انجذابه اللحظي أو الوقتي لمثل هذه العينة عندما يفكر بالارتباط وإقامة حياة أسرية يعود إلى الأصول والجذور ومعايير اختياره تتبدل لمن ستحمل أسمه وستصبح أمًا لأولاده وفى النهاية لا يصح إلا الصحيح ..شكرًا لطرحك القيم وأسلوبك الراقي ..تحياتي وتقديري


  • أستاذة غانية
    نص جميل جدا
    ويحمل الكثير من الأفكار
    تعليقي فقط على اتهام الرجل الذي ينظر إلى شكل المرأة دون إدراك عقلها و كيانها وأحاسيسها ومشاعرها بأن في قلبه مرض، أو لديه حس ذكوري عالي.
    أعتقد وهذا رأي أن ذلك موجود في كل الرجال، أليس من طبيعة الإنسان حب النظر إلى الجمال؟ المرأة مخلوق جميل رقيق وناعم ومختلف تماما عنه، فنظرته تلك وإعجابه بها شيء فطري. هذا يفسر لم فرض الحجاب على المرأة ولم يفرض على الرجل. عند المرأة الوضع مختلف، فأكثر الرجال وسامة وجمالا في عين المرأة، يفقد جاذبيته إن ظهر في كلامه ما يوحي بسذاجته وقلة عقله.

    تحيتي


  • أستاذة غانية .. المرأة ام الرجل واخته وابنته كما ذكرت .. تملك فيه الكثير وربما اكثر من النصف .. بإمكان الام ان تربي ولدها ان المراة ليست سلعة تحدد قيمتها بجمالها .. فللاسف للام دور كبير فيما تعانيه المرأة اليوم في المجتمع بغرس المنظور الذكوري له وتعظيمه لديه منذ كان طفلا .. وربما ممارسته على اخوته البنات باعتباره راجلهم .. ويسمح له بممارسة تحكمات ولاخواته بتقبلها ليس لشيئا سوى لانه اخوهم الذكر.. هذا لا يمنع ان هناك رجال كثر في مجتمعاتنا يحترمون المرأة ويقدرونها .. شكرا لنصك الرائع