نورة عبد المهدي صلاح - فلسطين

براءة الحياة ونصوص أخرى

نورة صلاحبراءة الحياة

نتهم الحياة كثيراً بأنها تؤذينا، تعذبنا وتقسو علينا، نحمل لها غلاً في قلوبنا، كلما وقعنا أطلقنا لعنتنا عليها، اليوم أعلن براءة الحياة التي لم ينصفها أحدٌ من قبل، نحن السباقين في ابتداع أشكال الأذية بفنون متعددة، ما بين الحسد والغيرة، والنميمة والشتيمة، والسب واللعن والقذف والتشهير، ولأني منصفه أعطيت الحياة حريتها في السير بعيداً عني حتى لا تبقى أسيرة عالمي التعيس.

نصيحة

أحدهم قال لي يوماً: اعتقدت أن الحياة قد جعلتك تدركين أن الكثير من المشاعر ما هي إلا عثرات عليك أن تقفزي من فوقها.

اليوم أعاد لي جملته المعهودة قائلاً: عليك الإدراك أن الكثير من المشاعر ما هي إلا فخاخ توقع بك، فاحفري خندقاً واحتمي به.

مؤسف أنه ما زال يقول وما زلت أقع كل مرة، سواء قفزت أو زحفت.

اعتراف

لا أجيد الرقص، ولا قراءة الحكايات ليلاً، لا أجيد العزف أو الغناء، ولا أعرف تهليلة للصغار قبل النوم، لا أجيد رسم الإحساس بالألوان، أو تحرير فراشة التصقت على جدار حديث الطلاء، لا أجيد منح الحياة لها بعد تهتك أجنحتها الهشة، لا أطول السماء لأقطف نجمة أو أغير قدر، لكني أجيد ما أكتبه وما أريده من الكلمات أن يكون.

ألوان

بكامل الإرادة خلعت حزنها جانباً وارتدت ثوبها التركوازي، ركبت السيارة وقطعت مسافة الألم إليه حيث النتيجة بين الخمري الذي لبسته بلقائها الباكي قبل أشهر والتركواز واحدة، انعكس الخمري لعيونها بحرقة فبكت، انعكس التركواز لعيونها ليمتص دموعها في حضرته، الأول موجع والثاني محزن، الأول باك والثاني حارق، الأول قاتم المعالم، الثاني بمعالم أكثر إيماء للغياب، الأول كان مكسوراً والثاني كان أكثر توجعا، بغض النظر عن اللونين النتيجة واحدة، خيبة جديدة بلون وتاريخ جديد.

وداع

ودعني على طاولة دائرية، شرب الماء من المزهرية الوحيدة عليها، تغذى على الإزهار التي فيها، غادر دون أن يلتفت إلى المكان، ومن فمه يقطر دم أخضر.

أذكر يومها أن الشمس وعدتني أن تستقر بقلبي بعد أن هجرتني، اطمأننت لوعدها وأيقنت أنك ستحترق للأبد إن عدت تنبض فيه.

أختام

بلدي لا يعيش بلا أختام، أختام كبيرة، أختام صغيرة، دائرية مربعة وبيضاوية، زرقاء أو كحليه، لا فرق أبداً بينها، بالنهاية قانونية الشيء بمقدار ما لديك من توصية لتفعل ما تريده بختم أو بدونه.

رزق

رزقت بطفلين منه: بنت عيني أسميتها الدمع، وابن قلبي أسميته الحب. كلاهما بداخلي أعيش لهما لتحيي ثمرة حبي لك، أرعاهما لأجلك فهما أحب ما رزقتني منك.

بحث وتنقيب

في إحدى زوايا الروح، سقط سقف الأمل نتيجة خلل في مكونات البناء، الركام ما زال بالمكان، والأنقاض على نفس الحال، التنقيب عن الأمل ما زال قائما حياً كان أم ميتاً.

ورق اللعب

ما زلت تغازل أوراق اللعب الباهتة، تلك لن تعطيك دفئاً ولا أماناً، ستتمزق الأوراق يوماً، وتتركك وحيداً كما فعلت بي الآن.

دوامة الورق

كل الرسائل التي كتبتها إليك جمعتها أمامي وصنعت منها سفناً ورقية، ألقيتها واحدة تلو أخرى في صفيحة ماء صدأه عثرت عليها بالجوار، تدافعت الرسائل بفعل إصراري على خوضها تجربة الغرق في دائرة الضيق. غرقت السفينة الأولى، الثانية، التاسعة ... المئة، ومن بعدها لم أعد أرى ماءً أو سفناً، لم أعد أرى غير ازدحام مظلم في دائرة صدئة مثله تماما.

مفارقة

(1)

قال لي: ضحكتك الجنة، وعبوس وجهك النار، ما كسبت من كلامه الجنة ولا نجوت من النار!

(2)

حصان جميل مقيد إلى جدار عنيد، كلاهما اعتاد الأخر، الحصان أصبح عنيداً والجدار أصبح أكثر جموحاً للحرية.

(3)

حبٌ منزوع الدسم، لا يسمن جسدي الهزيل، ولا يرويني حناناً كنت عطشى إليه.

(4)

عندما يصبح في القلب شاغر لا أحد يتقدم بإخلاص ليهب الفراغ فضاء جديد، وعندما يملأه حبيب ما ويكتفي به يصبح الكل راغب فيه.

(5)

دعاني لشرب فنجان قهوة في شارع الثورة، كان طعمها حاذقاً، لونها داكن، أثار حديثه الثوري كل أفكاري، وتشعبت الحماسة بين الرشفة الأولى والأخيرة، انتهيت من فنجان قهوتي، وانتهت الثورة بآخر رشفة.

(6)

غنت للعبتها، رقصت حولها، زينت خدها بأحمر خجلها، رسمت بالورد شفاهها. اسمها طفلة.

عصمت شعرها للخلف، ذبلت عيونها، نفضت عرق طفولتها، ونامت تعاني من آلام ظهرها. صار اسمها امرأة.

متى يتوقف الزمن لنكون حيث نرغب أن نكون؟

(7)

يصيبني الكدر والخوف معا، من كل غائب يعود فجأة، ومن كل منقطع عني يأتي بلا موعد، وسبب عودتهم يدور حول "رأيتك بحلمي فعدت".


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3367762

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC