عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 
أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 60-120 » السنة 6: 60-71 » العدد 61 » تأنيث السرد أو لعبة التنبيه في "سيراميك"

عبد الحفيظ بن جلولي - الجزائر

تأنيث السرد أو لعبة التنبيه في "سيراميك"


(*) "سيراميك": عنوان مجموعة قصصية للقاصة السورية أمان السيّد

عبد الحفيظ بن جلوليتشتغل المجموعة القصصية "سيراميك" على ترتيب مفاهيمية الأنثى كإرادة سردية ممتحَنَة في وضعها المستكين، لهذا تأخذ السردية تأنيثها ليس من المقاربات المتاحة في التقابل مع الذكورة، ولكن في تصنيفها المتعلق بأشياء الأنثى المؤثِّرة والمفجّرة لوجوديتها المجروحة كانفصال، يعتمد في انبثاقه على التواصل الأنطولوجي مع الآخر، وهو ما تقدّمه المجموعة من خلال الوحدة السردية في نص "انكسار": "ليتك تدري ما كان أصعب بعدك عنّي بعد تلك اللحظات بالذات. ليتك تدري حين سلختني عن ذراعيك كيف تمدّد العفن فوق جسدي." (ص 8)، وهو ما يتوافق مع إصرار سيمون دو بوفوار "على أنّ تعريف المرأة وهويّتها تنبع دائما من ارتباط المرأة بالرّجل فتصبح المرأة آخر يتّسم بالسلبية بينما يكون الرّجل ذاتا سمتها الهيمنة والرّفعة والأهمّية"(1).

ومن خلال آخرية الرّجل المفترضة المهيمِنة، تبرز اشكالات التنافر في العلاقة بين الرّجل والمرأة في مستوياتها الأشد امتثالا لتأكيد الوجود الأنثوي في تعالقاته الفكرية، انطلاقا من الكوجيتو الديكارتي "أنا أفكر إذا أنا موجود" حيث الاستدلال على الأنا الوجودي بالوجود الفكري.

الغيرية/الآخر المشبوه:

تفتتح أمان السيد المجموعة القصصية بعتبة غير مصنّفة، بمعنى ليست إهداء، ولعل عدم التصنيف يعكس مدى القلق في ترتيب النص لنسج سردية الأنثى المواجِهة. تتمثل العتبة في نص شعري يستلهم الليل كموضوعة تُحرِّر مناجاة كما يسمّيها الناقد الجزائري السّعيد بوطاجين، وليس منولوجا؛ هذه المناجاة تضع العلامتين السرديتين الأنا الأنثوي والليل في مقابلة توليدية لخيبة أنثوية حينما تنفتح على نفي الأذن عن الليل، بمعنى انتفاء السّكون، وهو ما يجعل المقاربات بين المرأة والليل قائمة عند "الوحدة الدلالية" (2) المتمثلة في السكون، لكنّ الليل يتعدّى السّكون إلى الاشتباه على أساس أنه فضاء للسّكون ومثير للغموض، والحركة داخله تفجّر الاشتباه، ومن هنا تتماثل وجودية المرأة المشبوهة من خلال مستوى السّكون في تكوينها النّفسي، وغموضها الذي يجعلها عرضة للاتّهام على أساس الضعف، وهو ما يدور في قصص المجموعة من حيث حضور المرأة المظلومة والخائفة:

"تعرف أنها تعقد بينها وبين جسدها اتفاقيات عنيفة تعاهده فيها على القوة والتصدي ترجو روحها ألا تكشفها أمامه" (ص 7).

أمان السيدتؤسس هذه الوحدة السردية لعلاقتين في واقع سردية التأنيث، أوّلهما العلاقة مع الجسد المميَّزة سردا بالعنف، وهو ما يحيل الجسد على الفضاء الجمالي الذي تكسِّر به عنف الآخر الذكوري، والاتفاق مع الجسد قد يتعدى الجمالي إلى استلهام الموقف الوجودي في انتصاراته للواقع الأنثوي، وهو ما تعبِّر عنه المرأة بالمقولة الدّارجة في الوعي الأنثوي: "أريد أن أحقق ذاتي"، يكون تحقيق الذات في مواجهة الرّجل الذي ترى فيه آخرا مهيمنا.

تتمثل العلاقة الثانية في التواصل السجالي مع الذكورة، حيث تستبين موقفها من خلال التمايز الوجودي عن الرجل.

العنوان وفضاءات السّرد:

يتأسّس العنوان كونه مُعلّقا على سقف النص، كما يقول جاك دريدا، كموضوع ينسج علاقة مع محاور السّرد في حدوده الممكنة، وعنوان "سيراميك" يتدفّق من موقعه الإشرافي كعلامة ترتبط عضويا بالمجموعة القصصية عن طريق النص المُدمَج في المجموعة والذي يحمل ذات العنوان، وهو ما تتَّبعه مجمل المجاميع القصصية، إلا أن العلاقة تتركّز أكثر من خلال الوحدة السردية في نص "سيراميك":
"تستسلم الغزالة السّائبة لهوى ما له مثيل. وحين ’هو’ يقدم لها فروض العشق فوق لوحة من ’السيراميك’ الأبيض يهمس لشفتيها، وهو يمد راحته باللوحة الطرية: وهذه هديتي إليك" (ص 78).

تشتمل الوحدة السردية على حقل دلالي للجمال: "الغزالة، العشق واللوحة الطرية"، وهو ما يتوافق مع فضاء الأنثى السّكوني، وصفة الغزالة تتحقق سرديا في ذات الأنثى، بينما العشق واللوحة الطرية موضوعتان منفصلتان عنها لكنهما يتأسّسان في مسار الأيلولة إليها عن طريق الحبيب، وهو ما تحدِّد به سردية الأنثى المَعْبَر إلى الرّجل، وبالتالي يشتبك العنوان مع النصوص في علاقته الوظيفية بموضوعة الجمال الذي يتحدّد كمفهوم تجريدي في بوتقة الأنثى.

معمار النص/هندسة المعنى:

اشتغلت القصدية النصية في المجموعة القصصية "سيراميك" ـ رغم إن قصدية النص يصعب الإمساك بها ـ على تثوير سكونية المرأة وانهضام مشروعيتها من خلال الهيمنة الذكورية، فالمرأة في النصوص مشروع مجهض، ونصوص المجموعة تقارب المرأة، ما عدا نص وحيد هو "اقتناص"، هذا النص الذي يتفجر كبؤرة تعبِّر عن أزمة أنثوية تهاجر من المعمار الوجودي للمرأة إلى المعمار النصي، حيث انسراق الحلم من المرأة تعكسه الهيمنة الذكورية، وهو ما ترتِّبه الدالة النصية في انطراحها المعماري، حيث يبدو نص "اقتناص" الوارد في منتصف المجموعة وكأنّه نواة توليدية لتموّجات المعنى في دلالاته المعبِّرة عن الحلم المسروق، أي أن المعنى في "اقتناص"، وهو النص الوحيد الذي لا يقارب موضوعة المرأة، يتوزّع على باقي النصوص التي تحيطه، وبهذا المعمار النصي في تشبيك الحكاية التي هي أنثى، "ولعل مثال ألف ليلة وليلة أصدق الأدلة على أن الحكاية اكتشاف أنثوي" (3)، تكون الناصة أمان السيد استطاعت أن تكشف عن معمار نصي يحايث المعمار الوجودي للمرأة في انهماكاته الأنثوية.
إن نص الأنثى في مفهومه الأقرب التصاقا بعالم المرأة المهموم، والمندغم في عالم الذكورة كخيلولة جمالية لا تعدو كونها ترفيها تستدعيه ـ الذكورة ـ ساعة تحتاج إليه، قلت إن نص الأنثى في "سيراميك"، استطاع أن يجلّي السرد من ضبابيته الذكورية ليمنح "لوحة طرية" بتعبير المجموعة للمتلقي، يتحرّر فيها السرد من هيمنة البطل الرجل إلى سطوة الجمالية الأنثوية من خلال استرداد متعة السرد المسروقة، "ذلك أن الرواية قد سرقت من المرأة حتى صارت متعة السرد متعة ذكورية" (4)، كما ترى لورا ميلفي.

فجائعية السرد/حلم الانبثاق:

غلاف سيراميكتتربّع الناصة في مجموعة "سيراميك" ما بين إواليتي الفجيعة والحلم، فمعظم النصوص تكرّس مظهرا فجائعيا لواقع أنثوي، تشعره المرأة وتكتبه المبدعة، ولهذا كان السّجال بين المرأة وآخرها حادا في ما يتعلق بفسحة الوجود العارف في العالم، على أساس أن المرأة حُيِّدت لصالح الكتابة الذكورية التي فحَّلت الأنثى حين تصل مرتبة البوح العارف، ولعل السّردية الأنثوية تتأسّس كرد فعل تاريخي تستعيده المرأة باستشعارها لحظة الانتصار على الذكورة بل وقهرها عن طريق النص، إنها اللحظة الألف ليلية المجيدة في حركة التحرّر الأنثوي العربي التي تبتعد قرونا عن فرح اللحظة الأوربية المنتصرة في محافل سيمون دو بوفوار أو في تحدّيات فرنسواز ساغان الفرنسيتين، حيث شهرزاد استطاعت أن تُنقذ حياة النّساء اللواتي كن سيقدّمن ككبش فداء لنزوة شهريار الذي أحسّ بمساس أنثوي لكبرياءه الذكوري، فعمدت شهرزاد إلى مقاومة "الرّجل (شهريار) بسلاح اللغة، فحوّلته إلى (مستمع) وهي (مبدعة) وأدخلته في لعبة المجاز وشبكته في نص مفتوح. وتاه الرّجل في هذا السّحر الجديد" (5)، وأغري بالنص إلى درجة أنه أصبح منقادا تماما لرغبة الأنثى، حين كانت شهرزاد ترتّب فطامه النصي عند معادلة زمنية تتوازن عند إطلالة الفجر.

إن سردية الأنثى ليست كلاما مفرغا من المعنى، أو أفكارا خارج السياق، إنها لحظة تاريخية تستعيدها الأنثى العارفة لترتيب احداثيات المعلم البياني لوجود أنثوي سردي، ولعل قصص "سيراميك" تدخل ضمن اللعبة الشهرزادية، أو ما أسمّيه اللعبة التنبيهية التي تلفت النظر إلى سردية التأنيث، وفق مخطط يتقصّد اقتحام الرّؤية الذكورية من خلال بداهة الفعل الأنثوي المنكسر في مساره، لكنّه الحامل لجمالية "الإنتاجية النصية" (6)، فالفجيعة التي تُظلِّل النّصوص، إلى غاية أن السّرد لا يني يقدّم حقلا دلاليا مأساويا لها: "البلهاء، المطلَّقة، انكسار"، تخفت عند نصّي "رومانس" و"سيراميك"، المفعمين بإشراقات أنثوية باهرة، وأفق التلقي يستقبل الكلمتين بلفظهما الأصيل معرّبتين غير مترجمتين، مما يفتح الأفق الدلالي على التعالق النصي مع تجربة الأنثى في الفضاء الثقافي المختلف، وهو ما يفيد تجربة سردية التأنيث في الانتقال عبر الزمكان لتفجير بؤر الوجودية الفاعلة في العالم.

ينتهي مسار السّرد عند نص "علبة البيبسي"، وتحت العنوان إهداء صغير: "إلى نايا.. فراشة حمص"، و’نايا’ حسب الحدث القصصي طفلة تتعرّض لمأساة فظيعة، إلا أن النص يدخل في كتلته ضمن قصدية ترتِّب لانبعاث أنثوي من عمق المأساة، فالنّصوص تتمحور معرفيا حول عناصر متتالية:

الفجيعة. ــــــــ معظم النصوص.

الحلم. ــــــــ نصي رومانس وسيراميك.

الطفولة. ــــــــ نص علبة البيبسي.

يظهر هذا التسلسل حسب قراءة في المجموعة تتّكئ على محاولة الحفر في موضوعة المأساة الأنثوية التي تهيمن على القصص، ويبدو من خلال العناصر التي تتمحور حولها النصوص والتي تنتهي بالطفولة، أن السّرد يحاول تركيز الدلالة حول سردية التأنيث المصرّة على النضال الوجودي من أجل ترسيم الموقع الأنثوي على خارطة الحركة الإنسانية في توسّماتها السردية الأشد حضورا، ولعل مفهوم الطفولة بانفتاحاته الوجودية على المشاكسة والنّزق، وانفتاحاته الزّمنية على البداية، إنما يؤسس لفعل الأمل الذي هو حسب سارتر: "طريقة ما في اكتناه الغاية التي يرى الإنسان أنه قادر على تحقيقها"(7).

==========

هوامش:

(*) أمان السيد، سيراميك، قصص، دار نشر كلمة، مصر، ط1 / 2010.

(1) د. م. الرويلي، د. سعد البازعي، دليل الناقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، ص 330، ط/3، 2002.

(2) جوليا كريستيفا، علم النص، تر فريد الزاهي، دار توبقال، ص77.

(3) عبد الله الغذامي، تأنيث القصيدة، المركز الثقافي العربي، ص91، ط1/1999.

(4) م ن، ص93.

(5) د. محمد عبد الرحمن يونس، الاستبداد السلطوي والفساد الجنسي في ألف ليلة وليلة، الدار العربية للعلوم، ص181، ط1/2007.

(6) جوليا كريستيفا، علم النص، م س، ص41.

(7) د. خليل أحمد خليل، السارترية، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ص40، ط2/1982.

غلاف سيراميك

D 25 حزيران (يونيو) 2011     A عبد الحفيظ بن جلولي     C 11 تعليقات

1 مشاركة منتدى

  • دراسة متميزة كعادتك الاستاذ الناقد عبد الحفيظ بن جلول تباغتنا بثراء نتاجك النقدي وجدية وحدة مبضعك النقدي المتين الذي يتخرق المتون ويجتث منها سرائر وأسرار الكنوز التي ألقا بها لا وعي الكاتب .. تحية أيضا إلى الكاتبة المتميزة أمان السيد وما تقدمه نصوص ابداعية راقية..


    • شكرا أستاذي العزيز بشير ، شكرا على المرور، شكرا للكلمات التي لا تصدر الا غن ذات مبدعة تعرف للقلم حقه وللفكر امانته.
      شكرا أيها المتواضع دوما.
      تلميذك عبد الحفيظ.

    • نص نقدي يتسم بالعمق في التحليل. ولكنني ما زالت اسأل عن سبب تركيز الناقد علي قضية المرأة والسرد الانثوي؟ وهل سياتي الزمن الذي ندرس فيه سمات أدب الرجل بمقابل أدب المرأة ؟ والي متي سيوشم أدب المرأة دوما بوشم قضية حقوق المرأة ؟!

    • الأستاذة سعاد العنزي المحترمة:
      تحية طيبة،،
      أولا شكرا على المرور، وأحب ان ألفت نظرك أيتها الأستاذة الكريمة الى أن القراءة النّقدية ليست موقفا إيديولوجيا، تبحث عن مثالب النص وفقط، بل القراءة النّّقدية تستلزم المصاحبة والمؤانسة والمدارسة، بمعنى إنها تتطلب الإنصات الى نبض النص ومن ثم اكتشاف جانب من جوانبه التي تحتمل إمكانيات التأويل والقراءات المحتملة حسب القرائن النصية المتوفرة، ولن يكون ذلك إلا عن طريق القراءة الأولى أو المَسْحية ثم القراءة الثانية أو النقدية. فالموقف من النص ليس حكميا بقدر ما هو جماليا يخضع لآليات الإستئناس الى النص والقرب منه والتنقيب عن جمالياته، وقد يكون وفق القرائن المتوفرة التركيز على جانب من الجوانب المتاحة انطلاقا من اختزان النص للمادة التي يتكئ عليها نظر القارئ، والتي هي في حالة النص الحاضر جانب سردية التأنيث لأن حسب نظري الغالب على النصوص هو قضية المرأة. وقد تُسأل القاصة في سبب ذلك. أما في ما يتعلق بالسرد الأنثوي فهناك فرق بين سردية التأنيث والسرد الأنثوي، فالأولى جمالية إبداعية تمتلك نسق خصوصياتها الكتابية، أما الثانية فهي علاقة تقابلية متولدة عن الرؤية النسوية.
      بالنسبة لي لا يوجد أدب رجل وأدب المرأة، إلا بالقدر الذي يتطرق إليه النص من الخوض في العلاقات الأنثوية أو الذكورية.
      لم يعد يا أستاذة النص هو ذلك المجال السّجالي بين الذكورة والأنوثة، وتعلقه باظهار حق المرأة، على الاقل في الكتابة الحداثية، لأن التداخل في الحقول الأدبية واشتغالات جماليات الكتابة منحت أبعادا تفجيرية للنص تعتمد أساسا على اللغة وشعرية المنحى السّردي، ولعل رواية ذاكرة الجسد تمنح النموذج المثالي لذلك.
      دمت مميزة أستاذة سعاد، وللعلم لقد اطلعت على كتابك صور العنف السياسي في الرواية الجزائرية.
      شكرا سيّدتي على إثارة هكذا نقاش.
      تحياتي واحترامي.

    • الناقد عبد الحفيظ بن جلولي
      السلام عليكم،"تانيث السرد....في سيراميك"دراسة متميزة ،نتمنى أن تتوسع الدراسة لتشمل اعمالا اخرى. لك خالص تقديري
      حسين فيلالي

    • أستاذي حسين المحترم :
      تحية طيبة،،
      شكرا على الكلمات الرقيقة، كما تعلم أستاذي إن العملية النقدية جمالية ذوقية بالدرجة الأولى، كما تعلمت منكم، لذلك ريثما يحصل الذوق، إن شاء الله سوف نغرف من عمق اليم النصي.
      شكرا أستاذي..

    • الأخ الناقد عبدالحفيظ بن جلولي المحترم :
      نعم أن اتقاطع معك مع أغلب ماقلت، فالقراءة النقدية دوما تكون التركيز على العنصر المهيمن على العمل الأدبي، وقد تسأل المبدعة في سبب تركيزها علي تلك المواضيع، ولكن الناقد كذاك له دورا في العملية النقدية، إذا كانت الكاتبات النساء يكتبن نصا أنثويا عن قصد التسلق على جدران الوضعية القلقة التي تعيشها المرأة، ووجدن من النقاد ما يهتم بطروحاتها فبالتأكيد ستزداد هذه الموجه. أنا مع الأدب الذي يكشف قهر الإنسان مادام هذا الإنسان بالفعل مقهورا ، وكم أتمنى أن تتبنى هذه القضايا من الرجل والمرأه على حد السواء، كما أود أن أرى أعمالا أخرى تكشف إشكاليات الرجل بصرورة موضوعية من كلا الطرفين، و أنا عندما أطرح مثل هذه الأسئلة، لا يشترط بالضرورة إني أوجهها لشخصك الكريم تحديدا أو القاصة، ولكن هي أسئلة فكرية تطرح بشكل عام مادامت قائمة التعليقات مفتوحة، وهذا بعضا من ملاحظاتي التي شاركت فيها في ندوة رواية المرأة العربية، وإن وددت الاطلاع على البحث أرسلته لك:
      (من خلال ما سبق ألا يحق للباحثة أن تؤكد على إدراكها على اقتران الأدب النسائي بمفهوم القهر والعوامل التي تعرقل مسيرة المرأة لدفع عجلة الحضارة والتنمية والإبداع, مثلها مثل الرجل, ليكونا شريكين في صنع الحضارة. لأن قصدية الخصوصية الفنية, لا تعود إلى كون منشئ النص رجلا أو امرأة, بل يعود إلى الموهبة, والثقافة والاطلاع, وطبيعة التصور والصياغة لديه والأسلوب الخاص بفرد دون الآخر.
      وألا يحق لنا أيضا, متضامنين مع د.شيرين أبو النجا(10) أن نسأل عن وجود أدب رجالي, يعكس أفكار ولغة وأسلوب الرجل في أدبه وإبداعاته, مقابلا لمصطلح الأدب النسائي, أم إن الأدب الذي يقدمه الرجل هو المطلق, والذي يتمتع بديمومة واستمرارية, لا تحتاج إلى تفكيك وحداتها المكونة لها, وألا يحق لنا أن نقرأ محمد شكري في الخبز الحافي, لنعرف ونتعرف على خصوصية أدب الرجل.
      الباحثة ترى إن مصطلح الأدب النسائي, سينقضي مع انقضاء العنف والتغييب لدور المرأة في المجتمع والحياة السياسية, وانتهاء الظروف الاجتماعية التي تحيط المرأة, معرقلة إياها من المضي بسيرورة الحياة , باتحاد الرجل والمرأة في تشكيل الفكر الإنساني البناء.)

      على كل لي مقال في الأسبوع القادم متكون من عدة إضاءات ، إحداها ستكون قضية إشكالية علاقة المرأة والرجل
      في الكويت، وهي تنتج عن ضرورة ماسة في التصوير لها، ليس لانه كتب بواسطة كاتبة أو كاتب،.
      شكرا على قراءتك للكتاب، ورأيك الجاد به، فهي من مصادر إعتزازي..
      دمت مبدعا
      سعاد

    • الأستاذة سعاد العنزي المحترمة:
      تحية طيبة،،
      أحترم فيك هذه الرّوح العالية في النّقاش، كما أود بل، يشرّفني ويسعدني الإطلاع على موضوعك، أرجو ان أتحصل عليه عبر الإيميل: abdelhafid_bendjello@yahoo.fr.
      إن لب الإشكال الذي تطرحينه هو القراءة الفكرية في التداخل الرؤيوي لدى الرّجل والمرأة بعيدا عن التصنيفات التي درج النّقد على وضعها، كمحاولة لهيكلة الأطر الجمالية لإبداعين مختلفين، إبداع ذكوري وآخر نسوي، وأنا معك حينما ترين الإتجاه الى قراءة الإبداع دون خلفية تفريقية، لأن الأدب في الأخير هو محصلة تفاعل الذات الكاتبة مع الواقع ومحاولة نقل الواقع الى الفن، وكما يقول بول ريكور:
      أليس ما يعاش هو الذي يروى، على أساس أن الرّواية هي قراءة تأويلية في واقع الأنا الفردي أو الجماعي، ولا يختلف في ذلك الرّجل عن المرأة، لكن ألا ترين معي أستاذتي الكريمة أن استقبال العالم يختلف وفق العناصر التكوينية لكل من عوالم الرجل والمرأة، خارج ما نعتقده أنه خصوصية ذكورية أو أنثوية، بمعنى أن الأدب هو مرحلة المرآة بتعبير جاك لاكان، التي نكتشف من خلالها نضجنا ومزايا قراءاتنا على جدار الذاكرة والواقع من زوايا مختلفة، وهو ما كنت أشرت اليه في مقدّمة القراءة: "تشتغل المجموعة القصصية "سيراميك" على ترتيب مفاهيمية الأنثى كإرادة سردية ممتحَنَة في وضعها المستكين، لهذا تأخذ السردية تأنيثها ليس من المقاربات المتاحة في التقابل مع الذكورة، ولكن في تصنيفها المتعلق بأشياء الأنثى المؤثِّرة والمفجّرة لوجوديتها المجروحة كانفصال، يعتمد في انبثاقه على التواصل الأنطولوجي مع الآخر.."، فالتأنيث في الدراسة متعلق نقديا بالسردية، كما تتسردن كل الموضوعات في أفق النص، فالإشتغال على موضوعة التأنيث ليس مردّه الى إبراز خصوصيات الأدب النَّسَوي في اختلافه الجوهري عن الأدب الذكوري، لأن هذه الأطروحة تقودنا منهجيا الى إشكالية أخرى، مفادها، هل دوما نستطيع أن نميّز ما بين نصّين حذف كاتبيهما وعلقا على مضمونيتيهما؟ أكاد أجزم في هذه الحالة أن الإبداع لا يتجزأ، فهو واحد سواء في مصدره الذكوري أو الأنثوي.
      يبقى ما يمكن ان نتناوله على المستوى الفكري. هناك حقا ما يثار حول هذه القضية، لأنّها عميقة الجذور، والبحث فيها يبدو لي انه يرسو على قواعد متعددة، تمتح من رؤية تضادية يرى فيها الطرف الذي عانى تاريخيا من إقصاء وتهميش في مجتمعات ذكورية سابقة لعصر الأنوار والديموقراطيات الحديثة ومفاهيم المجتمع المدني الذي يرتب مستويات الوجود حسب المواطنة، حينها يصبح تلقي العالم من خلال السقوف القانونية والمجتمعية والذاتية التي يتيحها فضاء الحرية للجميع.
      إن الإشكاليات التي خلقت هذه الإزدواجية في الرّّؤية لأدبين منشأهما إنساني بالدرجة الأولى، تقع في جانب منها على عاتق الحركة النَّسوية التي تزعّمتها كل من رفيقة درب سارتر سيمون دو بوفوار والأديبة النّسوية فرنسواز ساغان، هاتين الأديبتين اللتين فجّرتا عالم النسوية بخصوصياته المنتجة لصداميات متعددة، لعلها في عمقها النّفسي تتجلى في الندّية التي كانت تقابل بها سيمون دو بوفوار عالم سارتر الفكري والفلسفي الضخم.
      إنطراح الإشكال في عالم الفكر لا يبرر وأنا معك في هذا التفرقة بين الإبداعيتين الأنثوية والذكورية ألا ما اقتضته الضرورة البحثية أو النّقدية.
      دمت مبدعة وناقدة ودامت لك الأفراح والمسرات.
      تحياتي وتقديري.

    • الأخ الفاضل عبد الحفيظ بن جلولي
      شكرا على هذه الإضاءات المفصلية في موضوع الأدب النسائي، أو ما تخطه الأنثى للتعبير عن واقعها. نعم، أنا أوافقك بما تقوله بشكل عام، ولكن قد أغايرك قليلا في قضية إن من يعبر عن التجربة المعاشة، لا بد أن يكون عايشها، أو أفضل أن يكون ممن عايش التجربة، هو اعتبره كلام صحيح نسبيا ، ولكن ألا ترى إن القضية تكمن في مدى حساسية المبدع أو المبدعة في لمس مواطن الخلل في هذا العالم ومعالجتها، عندما كتبت ليلى العثمان أعمالها: "وسمية تخرج من البحر" و "المرأة والقطة" كشفت في العملين واقع المرأة مقموعة في المجتمع الشرقي الأبوي، كما كشفت في العمل الآخر الرجل مقموعا من المرأة. وما أوضح الكشف عن حالة الرجل والمرأة في كلا العملين. والأمثلة كثيرة عن كتاب رجال تناولوا قضايا المرأة بعيوون ناقدة للوضعية لتي تعيش فيها المرأة. أنا أرى إن المسألة تعود إلى فكر وتوجه المبدع ذاته في أن يختار المنبر الذي يريد أن يركز عليه.
      بالنسبة لسيمون دي بوفوار ، وأخريات تبعنها في هذا المجال، بالفعل قد أسهمن بصورة كبيرة في كشف معاناة المرأة وفي تركيز دعائم حقوقها، إلا إن البعض منهم قد ذهبن إلى آراء غريبة، ومضحكة في الوقت ذاته.
      بالتأكيد سيسعدني إطلاعك على البحث، وسأرسله الآن.
      مع خالص الشكر
      سعاد

    • الأستاذة والنّاقدة المحترمة سعاد العنزي:
      تحية طيبة،،
      أسعدني هذا التّجاوب النّقدي والذي مهما اختلفت فيه الرؤى فهو الدلالة على إن أفق المجتمع العربي الثقافي كفيل بأن يرسم مستقبل عناصر النقلة المنشودة.
      إن المنبر الثقافي يُمَكِّن العقل حقيقة من تبصُّر مناطق الإنكسار لأنّه يمنح الذات إواليتَيْ الحوار والقبول عبر ما نفتقده اليوم وهو خصيصة السّماع.
      ما وددت أن أوضحه، وهو يتطلب مني ذلك، أني لست مختلفا معك في أن الإحساس بالمعنى هو الذي يمنح المبدع القدرة على التأسيس للتجربة النصية، إنطلاقا من اشتغاله على اللغة. فعندما ركّزتُ على مقولة ريكور في أن ما يعاش هو ذاته ما يروى. معنى الفكرة يتّجه الى عموم التجربة وليس الى خصوص الدلالة، حيث وكما أشرتِ في تجربة المبدعة المتألقة ليلى العثمان، فإن الذي رتّبته قصصيا هو ما يجري في الواقع، لأن مادة المبدع هو الواقع لكن مضافا اليه الفن عبر وسيط المتخيل، وهو ما يميّز المبدع عن الصحفي مثلا.
      شكرا أستاذتي الفاضلة على ان منحتني فرصة للحوار والسماع.
      شكرا لمجلة عود الند وللأستاذ عدلي الهواري على منحنا فرصة للقاء مع أشقاء الرّوح والإبداع.
      تحيّاتي واحترامي.
      عبد الحفيظ.

    • الأستاذ والناقد المحترم عبدالحفيظ بن جلولي أدامك الله وحفظك،،
      بالفعل أنا سعدت بهذا الحوار الذي أثمر نتيجة ، بالنسبة لي ، نضرة وخلاقة، وهي ثقافة الحوار وقبول الآخر المختلف، فكم أفرح عندما أرى من هو مختلف عني يقبل أن ينصت لأفكاري، كما أسعد كثيرا عندما أسمع صهيل أفكار آخري المختلف عني، وحبذا لو كانوا أخر. كم أعشق ثقافة الاختلاف والتباين والتعايش في دائرة هذا الاختلافات،، ولو كانت تأصلت ثقافة الاختلاف في مجتمعاتنا لما كانت الغالبية تنفر من سماع أصوات تخالفها..
      بالفعل الحوار شيق، و هنيئا لك بذاكرتك المعرفية الزخمة...
      وشكرا لعود الند التي جمعتنا في أفق حضاري مفتوح...
      مع صادق الود،،
      سعاد