عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 
أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 60-120 » السنة 9: 96-107 » العدد 97 » هي: نصوص قصيرة

إيمان يونس - مصر

هي: نصوص قصيرة


إيمان يونسفنانة

ورقة بيضاء، فرشاة، لون أسود. كل أدواتها في التعبير عن لوحاتها الكاريكاتورية. ساخرة ضاحكة أحيانا، وناقدة لاذعة في أحيان أخرى. ولأنها فنانة جزء من المجتمع والمجتمع جزء منها تتأثر به ويؤثر فيها، لم تستطع أن تنفصل عن قضاياه، اجتماعية كانت أو سياسية.

وكانت تعبر بجرأة من خلال ريشتها عن كل القضايا الشائكة، وتترك رسوماتها تبوح وتصرخ بدون كلمات، ولم تخش في الحق لومة لائم.

تواردت الأنباء عن تورط مسؤول كبير في أكبر قضية فساد. ما كان منها إلا رسمته خلف القضبان. في صباح اليوم التالي صورتها نُشرت بنفس المكان وهى خلف القضبان ولا زالت هناك.

كاتبة

تقرأ بنهم وشغف، تحتفظ ببعض العبارات التي تعجبها في خزانة خاصة برأسها، تكتب أفكارها الوليدة بأوراق صغيرة منمقة تعود إليها لاحقا بعد أن تكتمل الرؤية المجمعة لها في قصة أو رواية.

تبحث عن كل جديد وتميل للسبق بالتجديد، وإثارة الجدل حولها تسعدها وترضى غرورها، وأخذت من الأسطورة تلك المرآة السحرية التي تصحبها معها أينما ذهبت وحلت لتعكس لها كتاباتها وإبداعاتها مما جعلها تتمادى في المزيد من شطحاتها حتى إنها كتبت رواية كاملة بطريقة عكسية نهايتها هي الإهداء وبدايتها هي كلمة النهاية.

ولأنها لم تكن وحدها من وهبها الله موهبة الكتابة أظهرت مرآتها كُثرا غيرها لهن براع يرسم بالقلم ويكتب بالفرشاة، لم تصدق مرآتها فهشمتها وتناثرت شذورها، جثت على ركبتيها لتلملم بقايا غرورها .

زوجة

احتفلت بعيد ميلادها الأربعين وهى في منتهى السكينة والارتياح، لقد كان هذا الرقم يطاردها مثل أفعى سامة ويذكرها بأنها تأخرت في الزواج، أصغت لنصيحة من حولها وقَبِلت أنصاف الحلول من الفرص المتاحة لها وتغاضت عن الفوارق الاجتماعية والعلمية، عَمِلت بمقولة الأجداد "نحن نشترى الرجال".

كان همها أن تضع خاتم الزواج في أصبعها قبل هذا اليوم، أن تتغير حالتها الاجتماعية من آنسة أو الأصح عانسة إلى زوجة، لذا أنفقت ببذخ حتى تنال مرادها وكأنها تشترى اللقب من مزاد عام وتقيم له حفلا تتباهى به أمام المجتمع.

بعد أشهر من زواجها أُصيبت بإحباط أنثوى من شدة الشح العاطفي، وتألمت من الجرح الحميمي، غريزة الأمومة تلح عليها، تهرب من مواجهة ذاتها: إنها زوجة ولكن بلا مودة ولا رحمة. زوجة مع وقف التنفيذ.

طبيبة

أوشكت على الانتهاء من تدوين ملاحظاتها للمريضة التي غادرت حجرة الكشف، تنبهت لطرقات خفيفة على الباب للمريضة التالية، ما أن دخلت إلى الغرفة إلا وفاح عطرها في الأرجاء، انتعشت بعد ساعات من الإنصات والتدوين للمرضى والمريضات، سيدة أنيقة المظهر، تجيد إظهار إمكانياتها الجسدية والمادية معا، وبدأت شكواها قائلة:

رغم ما أبذله من جهدِ للاعتناء بمظهري ورشاقتي وأجدده باستمرار مسايرة للموضة تارة ومنساقة وراء ميولي تارة أخرى، إلا أني أشعر أني كم مهمل، مجرد جزء من ديكور البيت، مجرد زوجة على الورق وأمام المجتمع و... و...

شعرت الطبيبة إنها تنسل الخنجر من صدرها لترشقه في ذاكرتها من جديد ولم تجد غير تجربتها لتداويها بها من الجلسة الأولى. غادرتها بعد أن تركتها حائرة من الذى عالج من؟

أنثى

وجهها ليس فيه جمال المقاييس المعروفة، أما عيناها ففيهما السحر والعجب، والسر لونهما كالعسل المصفى محاط بلون أخضر داكن، أهدابها طويلة تكاد تتشابك من فرط طولها.

مدت يدها لتصافح العريس المنتظر، بتثاقل وتكلف ساذج ينفرج ثغرها: "تشرفنا"، تصلح من وضع الفراء حول عنقها متعمدة إظهار خاتمها الماسي، تضع ساقا على ساق وكأنها تشهر كل أسلحتها الأنثوية تباعا لتحظى بالقبول.

رمقها بنظرة حانية من مخمصِ قدميها المحشورتين في حذاء أنيق ذي كعب لا يقل عن عشرةِ سنتيمترات إلى شعرها اللامع بلونه المستمد من دجى الليل وقال: "الشرف لي" وأخد كفها في راحته وطبع عليه قبلة سريعة، أشعلت الحمرة في وجنتيها،

أدرك أنفه عطر الخجل الذى فاح منها، انفرجت شفتاها بابتسامة هادئة وأهدته نظرة ساحرة فتقبلها ومضت ساعات المقابلة دون أن تشعر بملل، خرجت منها مظفرة بالنجاح.

مطربة

تربت في أحضان الموسيقى العربية، ترعرعت على النغم الأصيل ودربت صوتها على التنقل من مقام إلى مقام صعودا مع السلم الموسيقى متمنية أن يصعد بها إلى سلم المجد والشهرة، محافظة على نفسها وإحساسها بالكلمات في آن واحدِ متيقنة من أنا صدق أداءها سيصل إلى قلوب الناس،

وعقب حفلة التخرج هاتفها مدير أكبر شركة إنتاج التي تمتلك عدة قنوات فضائية، ارتبكت من شدة فرحتها وذهبت في الموعد المحدد للقاء، قابلها بحفاوة وأشعرها إنها نجمة تمشى على الأرض،

مدح عذوبة صوتها وصدق إحساسها، وقبل أن يعرض عليها تفاصيل تعاقدها مع شركته أعطاها ألبومين من الصور، الأول لأصوات نسائية مميزة ولكن غبن عن الساحة الفنية الراهنة وفى سرها تقول كل واحدة فيهن تملك حنجرة ماسية وقامة فنية هن بالنسبة لنا القدوة والمدرسة التي تعلمنا منها، والألبوم الثاني لمن يتصدرن الساحة الآن،

فهمت مغزى الألبومين وكأنه يخيرها، ملمحا أن فرصة التعاقد مع شركة مثل شركته لا تأتى كل يوم وأنهى معها المقابلة قاطعا حيرتها وحازما، وبنظرة اخترقت جسدها: أراك غدا تكون الإجراءات الروتينية للعقد انتهت، ويتم توقيعك عليه.

عادت إليه بعد أن ارتدت ثوب الأغراء، وقّعت العقد هنأها على ذكائها ومظهرها الجديد، وبدأ التحضير لأول أغانيها المصورة التي تصاحب تسجيل أول ألبوماتها الغنائية .

وبعد أشهر من العمل المتواصل، حلمها أصبح حقيقة وأغانيها المصورة تذاع تباعا على قنوات الشركة المنتجة. وانتقلت إلى القنوات الفضائية الأخرى.

عبر النشرات الفنية أُعلن أن صفحتها عبر التواصل الاجتماعي حصدت مليون معجب خلال أول ثمان وأربعين ساعة من إذاعة أغانيها.

حلقت في السماء من فرط سعادتها، ودفعها فضولها لقراءة تعليقات معجبيها لمزيد من التواصل معهم.

صُدمت أن الغالبية العظمى للتعليقات تتحدث عن فساتينها المثيرة وتصف مفاتنها وتناسوا صوتها، كلمات أغانيها وألحانها، أفاقت وهى تردد: "لا. لا. لا".

D 26 حزيران (يونيو) 2014     A إيمان يونس     C 10 تعليقات

5 مشاركة منتدى

  • مجموعة قصص صغيرةلمجموعة من فيها كل عقد الحياة نقلتنا الكاتبة ببراعة الى تسلسل مشوق لنوعيات مختلفة من النساء ولكل واحدة منهن قصة مختصرة من المطربة التي تمر بمحن الشهرة وبيع للذا حتى تصل وبالنهاية تكتشف الفشل _ الى الطبيبة النفسية المليئة بعقد الحياة تقف امامها احدى المرضى لتكشف لها حقيقة واقعها _ الى الانثى التي تنتظر التصريح الكامل لانوثتها بليلة الخطوبة حين تنتشي بسعادة لرضى الخطيب لها __ الى المراة التي اضاعت سنين الشباب من العمر لتلحق به وتنقذ ما يمكن انقاذه من العمر الباقي وتلحق قطار الزواج والذ صدمها بعد اشهر من الفرح بالحياة الزوجية وعرفت ان ما ضاع لن يعوض ابدا __ الى الكاتبة والغرور الذي يطيح بصاحبه عندما لا ترى في مراتها الا صورة لنفسها وغرور الانا __ الى الجراة التي يمتلها الانسان في التعبير بحرية عن افكاره ومعتقداته وخاصة الفنان فالكل يصادر تحت خط الرقابة __ مجمعة فيها الكثير من


    • غاليتى أ / سهير ..عندما أجد تعليق لك على كتاباتى أتأنى فى القراءة وﻻ أكتفي من القراءة من مرة واحدة ﻹنى أقرأ لمبدعة واعية ومتعمقة مرة ،و لناقدة محللة ذات نظرة ثاقبة مرة أخرى والمبدعةالناقدة حروفها من نور تضىء ما أكتب و تجعلني أعيد أكتشاف مواطن القوة القائم عليها سردى ..مودتى لك ﻻ تغيب ودائماً وأبداً اﻻحترام والتقدير لرأيك وقلمك

  • قصص جميلة جدا باسلوب سهل سلس خال من الزوائد والتعقيدات المملة هدا دليل على تمكن المبدعة من الفن القصصي .
    محبتي واحترامي اك


  • اعتماد التعقل في مسألة ضميرية كان سيعجبهم لو تكلمت الريشة على هذا الغرار ، كان مطلوب منها الانقضاض على المباديء الفطرية في صياغة احساسها، ليتوائم مع تبرير الفساد، ولكنها فنانه لم ترضى لأصابعها الانغماس في اللوث والانصياع للخوف وسياسة التعتيم
    ولكن، انها سنة الكون والاحتكام لدروس الحياةالبليغة، حيث علمتنا ان لكل شيء ثمن اثناء البدء في اجترار الفساد على كافة المستويات. وخلف عتمة القضبان قبضت سوءتهم بلمسة فنية حرة اسميتها الثمن ،وتلك اللمسة هي اصداء النور الذي ينير بصيرتها في لياليهم كالحة السوادوالسوء .
    قصص متقنة فيها الافادة ناجزة الكاتبة ايمان يونس شكرا لك ..


  • ايمان يونس
    سيدتي
    اؤيد الست سهير من سوريا في نظرتها لما كتبت
    وازيد عليه، إن نصوصك المتعددة وكأن مجموعة من النسوة جمعتهن صدفة أوغير صدفة في مكان وبدأت كل واحدة منهن بسرد قصتها، وهذا هو حال النسوة في كل العالم لا في بلادنا العربية فقط وإن اختلفت التفاصيل فالخطوط العريضة لملامح قصصهن نفسها .
    بالتوفيق
    هدى الكناني


    • عزيزتى هدى .. اعتذر بشدة لتأخرى في الرد على تعليقك نظرًا لظروف طقوس شهر رمضان الكريم ..سعدت أن حروفى عانقت عيونك وإضافتك في محلها من مبدعة لها براع مميز ..دُمتِ ودامت طلتك العزيزة دائمًا وابدًا لكِ منى كل التقدير والاحترام

  • أبدعت حقاً .. وما أجمل الفنانة أعتقد أن حالها حال الكثيرين الآن ..