عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 

جليلة الخليع - المغرب

زمرة أوهام


جليلة الخليعوهم مزمن

وقلت مجددا لا وقت لدي. تستعيد الأزمان من حقيبتي المعلقة على حائط الذكرى، وتعيد لي قارورة عطري ووردة.

كم مر من الوقت على تشفيري لمستلزماتي الماضية؟ لكتاباتي المختمرة في العطر؟ لتطريزي لحرفين مبهمين؟ لمشاويري الملتفة على عنق الحلم ؟ للشرود الصادم لصخب اللحظات؟ للمرآة التي أغازل فيها نظراتي بابتسامة؟ للكلام الذي أبوح به سرا في تجمهرات الصمت؟

آسفة، فقد بلغت من الحزن عتيا، وهرمت كل الأشياء بداخلي، وغابت. لا تعنيني هذه الحالة، لست أهلا لها، أنا في دوامة مشاعر وعمر مقبل على الأفول. أطل على الماضي من نافذة الحسرة، وأغتاب سذاجتي عند هطول زخات الندم.

كل يوم أستجمع ما تبقى مني، وأدفنه في تعامد الحروف، وفي ثورة اللغة. أستقبل الآتي بقلب مقفل، وأمر على ظلي حافية مني، غير آبهة لموكب الأحلام التي طفت في مساراتها، غير متطلعة لكف الأماني التي كنت أستجمعها للدعاء.

الكل أقبل على السقوط، أشجاري أومأت بالاصفرار. للموت عندي إطلالات متعددة، فلا تكن الورقة الخاسرة للعبة أبعدت تفاصيلها من رقعة الأوهام التربيعية.

آسفة مجددا. أستدعي هروبي في مسافاتي التي توصلني إليك، وأقبض على قدمي الريح حتى لا تردني لموطئ الحنين، فأعتكف بمحراب الوهم.

رشحة وهم

هي لحظات الصمت العميق العقيم، حتى أكتبك فوق خطوطي المائلة نحو الغروب، الراسية في مرافئي التي ابتعدت فيها الأماني إلى حيث لا عودة لشواطئي التي عبدتها رملا وماء وسبحت فيها بكامل أنفاسي.

ها أنا أمد لك يد الصفح، حتى تعفو عن قراراتي التي كانت مجازفة مني للعواطف الغافلة، لأحلامي المكسوة بالبياض، لخطواتي التي عاثت في الأرض وهما فوهما، لتفتح أبواب الباطل على مصراعيها فيستوطنها السواد ذنبا .

أعدم الآن آثامي في حضوري وغيابك، بل في غيابي وحضورك المزهو بالوهم، فأغلق علي باب البوح، لأذكرك بصمت؛ وأكتبك بصمت؛ وأرسمك بالألوان الخافتة؛ فأراك وحدي بعيدة عن عيونك المتلصصة لأحاسيسي التي دفنتها فيك وأقبرتها في العلبة السوداء من ذاكرتي.

وهم قباني

يخبرني أني تحفته = = وأساوي آلاف النجـــمـات

وبأني كنز وبأنــي = = أجمل ما شاهد من لوحات

وكأن نزار شوش على شاشة المرأة العربية، فباتت هذه البصمة القبانية سمة الرجل في متخيل الأنثى.

إن اتبعنا خطوط هذه المعادلة، سنغالط أنفسنا، سنعيش الوهم في أكثر من لحظة، ونظل بتغريدات الحب المزعوم، فنفقد التوازن الموزع على ضفتي الحياة.

ليس كل ما قيل يعنيها بالدرجة الأولى. ليست هي في لوحته الأولى. هي صور متعددة لموناليزا مستحدثة وليس (لدافينشي) أية علاقة بها.

هي ليلى بجنون معقد، برسم هنا وأطلال هناك ولم يكن قيس قد مر بها يوما، أو ذكر ليلاه فيها.

لن تكوني حقا ليلى، فليلاته قد أودعها ذاكرة القمر، وكل ليلة يستضيء بنور جديد، تخفت فيها تلك الظلمة الموحشة، فيجدد بها جلدة الحياة، حتى يستطعم نكهة أخرى في تفاصيل أنثى بمقاسات خياله، بنهمه الشعري في تفصيل قصيدة. فتكون العارضة لطاقة الحروف في ملتقى الأضواء.

أكانت محظوظة أم مجنيا عليها؟ هل استحقت الفستان والصورة والأضواء؟ هل التهمت الشهرة في صفوة الوهم؟ هل عبرت الضفة الأخرى لتكون حقا بمستوى الإمارة التي سلمها مفاتيحها؟

أسئلة تستدعي إجابات غير مقنعة، هي لعبة في دوامة اللحظات الغادرة، في دائرة الصمت المبهم، في طواف الروتين بمسالك الحياة الباردة.

ومع ذلك تظل مهووسة بأسطوانة أودعها سحر كلامه، وشدو نبضه، إن كان النبض قد اتبع إيقاعات أغان قديمة يجدد بها العزف على وتر يستهويه النقر كلما جفت نوتات المشاعر، ليستمطر الأحاسيس المخزونة في سحابات زائفة.

هي جنة مخضرة بالوهم، مزهرة بباقات القصائد المزروعة هنا وهناك، لكنها تشتم فيها عمدا عطرها، بالرغم من أن قارورة العطر قد نفذت، وما زالت الزجاجة تحتفظ فقط بضبابية التكاثف.

D 25 تشرين الثاني (نوفمبر) 2014     A جليلة الخليع     C 6 تعليقات

3 مشاركة منتدى

  • أ/ جليلة الخليع
    من جميلِ ما سمعتُ وقرأت..؟

    "لُمَّني مِنْ وحشةِ العُمْرِ
    كما لمَّتِ النّسْمَةُ عِطرَ النّرجسِ"

    لكي لا يتكرر فعل (دفن) في ذات العبارة.. فلِمَ لَمْ تستخدمي مثلاً فعل (وارى) عوضا عن (أقبر)..؟ ما دامت معظم نصوصك جميلة..!؟ معطرة بحلو الكلام.

    "كم مرَّ من الوقت على تشفيري لمستلزماتي الماضية".. ما يعنيني من التعبير- هذه المفردة التي راقني استخدامها فعلاً- لم لا..؟ عندما تكون معظم اللغات الحية تستقطب مفردات جديدة..؟ والفرنسية واحدة من أغنى اللغات، التي أدخلت إليها الكثير من هذه المفردات، وبعضها كانت مصادره عربية.
    هل ننتظر في النص المقبل مفردات مبتكرة أخرى..؟


    • الأستاذ القدير ابراهيم قاسم يوسف ، يظل البوح يسير بنا إلى الداخل ، حيث الجراح العميقة، الى الآهات التي تشد على يد المفردة تمنحها تفاصيلها ، وتختم على تأشيراتها للعبور إلى الصفحة المقابلة التي تظل بملكية القارئ.
      تتسرب مفرادات منا سهوا ، ولا ننتبه لاستنساخها الا بعد فوات الأوان.
      شكرا على ملاحظاتك القيمة التي تثري العملية الأدبية ، وتنمي فينا التجديد المستمر ، حتى تبدو الكتابة بشكل أفضل.
      محظوظة جدا عندما يكون قراء نصوصي بمستوى ثقافتك العالية ، وبذوقك الأدبي الرفيع.
      شكرا ألفا سيدي.
      وكل الود والتقدير.

  • نصوص جميلة حقاً انسابت إلى روحي فقرأتها مرارا.
    لكِ كل التحايا عزيزتي.


  • جليلة الخليع / المغرب
    يا ارستقراطية الحرف والهوى
    في زمن نحرت فيه المشاعر الراقية وقدم الحب اضحية تحت اقدام الرغبات المبتذلة ,
    أعشق حرفك الذي يئن لأن يسمو فوق شبهات الرغبة,
    بالتوفيق غاليتي