منال الكندي - اليمن

الله أحن

أضاعها بعد أن قرر أن يكون جزءا من لعبة الذبح، ورماها في الشارع بعيدا عن عشها الذي تصورت أنه مصدر أمانها بعد فقدانها أعز من لديها والأكثر حنانا عليها في الدنيا. لم يرحم تمزق قلبها، وشارك بكل خيانة وكذب في اللعبة.

لم يتذكر أنها قطعة منه، وأنها أفنت سنوات عمرها من أجل إسعادهم. كانوا وجعا لها، وكان هو سكينا انغرز بدون رحمة في قلبها، يرسم خارطة لجروح مدفونة وأخرى حية.

لم تتذكر يوما أنها أحست به كأب وذي عقل وفكر ومعرفة أو قلب حنون.

عاد ليبحث عنها ولم تفهم سبب بحثه: أهو للاطمئنان أم ليعرف مكانها فينتظر حتى تموت ليرجع ما تبقى لديها من ماديات لم يستطع أخذها منها قبل رميها في الشارع؟

هو من قرر خروجها من حياته، لكنها أصبحت في عينيه دمعة تذرف دما، وتحرقه ألما على فراقها.

دقات قلب تدق وجعا على ضياعها من بين يديه. شوكة في حلقه تنغص حياته على تشتتها ووحدتها وغربتها.

كانت ملكه، ولم ترض إلا أن تكون ملكا له، فهو من تحمل اسمه، ويجري دمه في عروقها منذ أن كانت نطفة في الرحم الذي احتواها.

لم تجد في مراحل حياتها معه طريقا واحدا يصل إلى عقله.

لم يفهمها، رغم انبهاره وخوفه من عقلها الصغير، عقلها الذي لم يستوعب ظلمه، وكل محاولاته لذبحها وضياعها، واختياره البقاء مع الغباء والدناءة البشرية.

خرجت من حياته. تساءلت: لماذا يبحث عنها وقد أصبحت سرابا؟

فتاة وحيدةهي تلك الوردة التي زرعها، ولكن لم يحصد سوى شوكها لأنه لم يفهم همس الورود، ولم يرفق بها، وقطفها من جذورها ورماها أرضا لتدوسها أقدامه وتهشم روحها.

ابحث. ابحث. لن تجد سوى شوك ينغرز في قلبك وجعا وألما، لتوقن بأن الميت لا يعود، ومن سلبت روحه وعزته لا يبقى منه سوى شبح يطاردك في حياتك، وينتظرك يوم الوقوف بين يدي العادل الذي لا ينام، فالله ليس بظلام للعبيد ولكن هم أنفسهم يظلمون.

تساءلت كثيرا: هل أنا ابنته حقا؟

نثرت حياتها تحت قدميه حبا واحتراما، فلم تجد سوى التشتت والضياع على يديه.

كان يدعي أنها وردة حبيبته، ونور عينيه، ونصف عمره؛ حبيبته التي جعلت وردته تشع نورا وفرحا لتفرحه، لتضيء طريقه. لكنه اختار دار الفناء بمفاهيمها الفانية ليطفئ نورها.

خرجت ولملمت أشتات روحها لتزرع نفسها بعيدا عن أرضه، رغم غربتها ووحشتها ووحدتها، حاملة كلمات الحبيبة لها وهي تتلمس وجهها وتفضي لها سراً بأن وردتها الصغيرة ستكون وحيدة.

لكن الله أحن عليها من ذلك الرحم الذي احتواها، وأحن عليها من عبيده جميعا.

لملمت أشياءها الصغيرة، وتاهت في غياهب الدنيا، لعلها تجد من يمسح نداها ويروي عروقها أملا وحبا.


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3366039

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC