هدى الكناني - العراق

صمت الذكريات


هدى الكنانيمنذ ذلك اليوم الذي تركتُ نظراتي المتعثرة، حائرة تجوس المكان شبرا شبرا بحثا عنك؛ متأبطة إحساسي، مرافقة حدسي، واثقة حتى السذاجة أنك ستأتي.

استجوب الأنفاس نفسا نفسا بحثا عن عطر أنفاسك، أُسكن نظراتي في كل مكان، علّها تظفر بظلك مركونا خلف بناية أو شجرة أو جدار وما ظفرت به، حينها أذعن القلب استسلاما وأيقن أنك لن تأتي.

خلعت ذكرياتنا وأودعتها أمكنة تنفست ضحكاتنا وغذَت أصواتنا خطوات زرعناها الأمل والأغاني. ولملمت شعث نظراتي المزروعة توها وتوقا لرؤياك. منذ ذلك اليوم، تصالحت مع خيباتي، تعايشت مع هزيمتي، وارتديت وجعي حد الخنوع، وطفقت أحوك من الشعر أردية، علّها تطرد برد أيام نحسات قادمات.

وقعت معاهدة صامتة مع خيبة أخرى، زوج؛ اتركه لحريمه ويدع لي أنوثتي، تنتحر على أبواب قصص وروايات.

أتسلل خلسة إلى صمت ذكرياتٍ، بُحَ صوتها وهي تطبب جرح قلب يئن ويلملم أوراق عمري كما تُلَمْلَم أوراق الخريف لأكتبك وأخلدك فيها كائنا حبريا يسكن أوراقي ودهاليز روح تعبث بها فوضى أحاسيس، وإن جَهَلْت ما أنجبته لك من نثر وقصائد.

يا قدح شراب بارد بيد صائم، يشتهيه حد الاحتضار قبل الإفطار بلحظات وحين يحين موعد الإفطار، يكتفي بشربة ماء.

الآن عدت لتطلب مني فضَ معاهدة مع وصيّ على أيامي، أستنفد ينابيع شبابي وكل قوارير عطري. يكفيني أني ألوذ به كمن يلوذ بسنديانة عجوز في غابة موحشة، اتقاء لجحافل برد الحواس، حتى وإن كانت شجرة تسكنها الغربان، فقد غسلت يقيني بعودتك بألف قالب صابون وألف قارورة مطهر.

تتحدث وأصغي لأسترجع أبيات قصيدة لنزار قباني :

للمرة العشرين كررتها: هل في حياتي رجل آخر؟ نعم. نعم. فهل تتصورني مقبرة ليس لها زائر؟ ما أكثر الرجال يا سيدي! لا روضة إلا لها طائر.

وتكمل القصيدة مسارها في قنوات قلبي وأنت تحاول عبثا أقناعه بصدقك.

تحبني: ليتك ما قلتها. هذا حديث غامر عابر، هل كنت إلا مقعدا مهملا يضمه أثاثك الفاخر؟

نعم، ما عدت أرتمي مسرعة في أحضانك المتخمة مكرا، ولن أعلن استسلامي في حربي معك كما حدث في يوم، واجهتك فيه وأنا عزلاء، إلا من قلب طفق يحوك من أنينه رداء شعريا ليواري عُريه.

أنظر في عينيك وتصر القصيدة أن تكمل مسيرتها في فكري لِتَجْلِد أنوثتي وقلبي بسياط غدرك، حارقة ذكرياتي لتصيّرها رمادا مشؤوما وهشيما، وَتوأَد آخر دمعة وليدة الحرمان.

كانت لك الجنات مفتوحة ثمارها وعشبها الناظر

واليوم لا نار ولا جنة؛ هذا جزاء الكفر يا كافر

نعم ما عدت أنتظر مرور قطار، غادرت سكته إلى الجهة المعاكسة. وما عدت أتطلع مدققة في الوجوه والأشياء، منتظرة شيئا ما أو شخصا ما.

وحين مر في خاطري المقطع الأخير، تحجّر رمش العين غصة وقطّع أوردة القلب.

لو كنت إنسانا معي مرة ما كان هذا الرجل الآخر.

لقد فَوْلَذَني هجرك، صالحني مع خيبتي؛ وها أندا أخاصم رجائي منك حد الغثيان.

D 25 كانون الأول (ديسمبر) 2014     A هدى الكناني     C 18 تعليقات

9 مشاركة منتدى

  • حين يغدو المكر والغدر شيمة، وحين تسقط ورقة التوت التي تُخفي العورات، من الطبيعي التسلل "خلسة إلى صمت" الذكريات وإكراهها على البوح، والعبور إلى ضفة النجاة عبر التصالح مع الذات والخيبات، والاعتصام بالكبرياء... لعل ما مضى هو الرسالة الخفية الجلية التي شف عنها الخطاب السردي الذي انفعل بالذكريات وتفاعل معها، قبل السعي إلى الفعل فيها وتغيير مسارها، فجاء غاضبا، وهامسا، وثائرا... ومرة أخرى أجدني أمام عطاء يعقد قرانا بين الشعر والنثر عبر الاستعارات التشخيصية في مثل قولك: "تنفست ضحكاتنا"، وقولك: "وارتديت وجعي"، وعبر جمالية الصورة البيانية في مثل قولك: "يا قدح شراب بارد بيد صائم، يشتهيه حد الاحتضار قبل الإفطار بلحظات، وحين يحين موعد الإفطار، يكتفي بشربة ماء". بصدق، كان النص ممتعا ورائقا... فلك كل التقدير والاحترام.


    • الاستاذ محمد علي حيدر/ المغرب
      الاستاذالفاضل
      ليتك تدري كم كان خوفي وسعادتي بذلك النقد والتحليل الذي اثريت به نص قلم متواضع ضج بانين البوح. لكانك ياسيدي أهديتني في ليلة الميلاد امنية مرشوشة بتراب النجوم الماسي على غيمة من زهر البنفسج ملفوفة بشرائط قوس قزح .
      أسعدني وقلدتني قلادة المسؤولية التي تجعلني اعيد النظر في كتاباتي الف مرة كي لا اتنازل عما حباني اياه نقدك.
      لك مني سلة مليئة بفاكهة امنيات مليئة بالامن والسلام والصحة.
      دام مرورك .
      هدى الكناني

  • ماأروع تلك الكلمات التي صدرت من إحساسك المرهف المعبر الملئ بالمشاعر الصادقه التي امتزجت بأنين وأوجاع هذا الزمان ،فدمتي ودامت كتاباتك الرائعه .


  • عنوان رائع رائع احببت الحبكة جداً .. تحياتي


  • صَمَتُّ؛ وما هذي بأوِّلِ مرةٍ.. أرَدتُ خلاصاً..؟ فأضناني العذابا..!
    أبلغ الكلام؛ ما يأتي من الصمت والحيرة يا صديقتي.
    "أستجوب الأنفاس".. هذا زفير تنهدٍ؛ أرقُّ وألطف من فراش الحقول
    ترفقي بروحك وترفقي بالقلم بين أناملك.. وترفقي بنا يا هدى


  • أ/العزيزة هدى الكناني تمتلكين طاقة شعرية هائلة في نصوصك ,ولكنك قادرة على أن تنطلقي من إسار البوح الوجداني إلى أفق جديد ,وأنت قادرة على ذلك وعذرا إذا أسأت فلأني ألمح في هذا البوح المتدفق كالحمم المنصهرة معادن نادرة.


    • هدى ابو غنيمة/ الاردن
      استاذتي العزيزة
      كلماتك هي ذلك الشلال الهادر من النقد الايجابي الذي يعطينا عزما لنحلق في سماء الادب لا لنسقط في دهاليز واقع مر حد اغتيال الجمال
      سلم قلمك وقلبك الهادر بكل معاني الطيبة والحنان.
      دوما مرورك يثري كلمات قلم متواضع،كقلمي
      سيدتي

  • يا أستاذة هدى الكناني،
    لا يستطيع احد أن ينكر قدرتك على تعبير صادق وخاصة والحالة بوح حقيقي، ونكبرك على قدرتك على الإمساك بزمام لغتك عفوا او قصدا، لكن عندك تطرفان، تطرف في حدة التعبير عند القسوة والرد، وتطرف في برودة الاعتراف، والمثال على هذا قلت في نصك:
    الآن عدت لتطلب مني فضَ معاهدة مع وصيّ على أيامي، أستنفد ينابيع شبابي وكل قوارير عطري. يكفيني أني ألوذ به كمن يلوذ بسنديانة عجوز في غابة موحشة، اتقاء لجحافل برد الحواس، حتى وإن كانت شجرة تسكنها الغربان،.
    هنا يكتشف القارئ عدم توازن النص لكون كاتبته مبعثرة بين العشق القديم، وقد وصفته في ضعف في أول النص، وجحود غير متكافئ للإنسان الذي تعيش معه برضاها، وزمن الخوف والضعف ولى، ومع هذا وبعد عمر طويل تصفه بطلة الحكاية وصيا على ايامها، مع اعترافها بأنه سنديانة قوية صلبة تلوذ بها حين تحس بضعف، ويكفي انه ملاذ لها من تغول الآخر الغادر.
    وفي نهايات النص قسوة غير متكافئة مع الحدث كما اعتقد، لأن بطلة القصة تعيش عيشة مقبولة مع الآخر برضاها غير مكرهة، مع اننا نستمتع بجمال التعابير والبلاغة وقوة تأثير المفردات المنتقاة بعناية هذه المرة،
    لكن الخشية ان لا تتناسب الكتابات اللاحقة في مواضيع غير عاطفية مع هذا المستوى الراقي من التعبير المفعم ،
    وهناك مبالغات تضير النص اكثر ما تفيده، او هي بسط في القول او فضلة كلام، من مثل قولك : فقد غسلت يقيني بعودتك بألف قالب صابون وألف قارورة مطهر.


    • ابو خالد نازك ضمرة: يا سيدي ومن منا لا يحاول العيش باتزان في عالم مليء بفوضى مشاعر وتبعثر الاحاسيس بل أكثرنا إن لم نكن كلنا نناضل ونكابد للوصول الى الاتزان وهل يُعتبر جحود من البطلة وهي ما أهتزت ولا تنازلت عن تلك السنديانة العجوز. اما هل هي سعيدة وهي تتركه لحريمه ؟ انما هي تنطبق عليها اغنية كاظم الساهر اشجابرك على المر غير الأمر منه. مع ذلك تمسكت بسنديانة تملاها الغربان، رغم اغراءات ذاك الذي فاتها وكيف كانت اجابتها قاطعة ما عدت انتظر مرور قطار غادرت سكته ....الخ فقد غسلت يقيني بعودتك بألف قالب صابون وألف قارورة مطهر....الخ من منا لايصل الى مرحلة الياس والجزع حتى من اقرب الناس أخ/ت، صديق/ة، زوج/ة....الخ. أشكر كلماتك ونقدك الذي يدل على انك قاريء غير عادي احاط نصي بعناية واسهاب ، قاريء في كلماته إثراء لنصوص كاتبة في بدايةمشوارها. لك تقديري

  • العزيزة هدى.
    ينحني القلم لكِ احتراماً، لغتك بليغة قوية، واحساسك منها أقوى.
    جميلة أنتِ كنصك الرائع.
    لكِ كل المودة.


  • هذا رجل مأخوذ برغبات ضالة انتهت الى الفراغ ، لم تتعدى سواء للناظر لمحتوى النص وقارئه أو للمستشعر الذي خبر الأمر وجربه لم تتعدى استنتاجاته مؤكد أن ما حصل رشفة من مشروب بائت ، متروك في كأس حيث وجد طريقه جيئة وايابا من رعونه عقله الى نبض عنقه. رغم صدق الحب في دقات قلبها اللؤلؤي وانبعاثاته الالماس. كل عام وانت بخير الرائعة هدى الكناني وكل القراء والكتاب والقائمين على عود الند


  • وهذا الصمت فيه من الوجع ما يستمطر البوح، مشاعر متقدة أشعلت شموع الحروف ، لتنير ممرات الروح المسكونة بالغربة.
    هنا كانت كل الأحاسيس تفرز عصاراتها لتمنحنا هذا النص المدجج بالوجع المرصع بالإبداع.
    هدى الغالية، في بوحك تفاصيلي ، تعكسها مرآتك التي أرى فيها دائما ملامحي.دمت مبدعة قريبة من الروح أيتها الرائعة الحبيبة.


في العدد نفسه

تهنئة بالعام الجديد 2015

كلمة العدد 103: تقييم الشعراء والأدباء

جمالية السرد في "هكذا حكم ..." لياسين باهي

الحياة في عتمة شمسٍّ لا تغيب

أدب الرحلات بين الجغرافيا والإبداع