محسن الغالبي - السويد

طيف


محسن الغالبيمدينة يصعب كرهها؛ ويصعب حبها.

شعوران كانا يتلاقفاني إذ أمر مرور الغريب في شوارعها. يجذبني إليها الحنين، ويبعدني عنها التعب. أحببت فيها ما لا يمكن حبه، ولم أكره فيها سوى عجزي وخرس عقد لساني عن البوح بمكنون صدري.

كنت أمشي أطوي المسافات باحثا عما يصالحني بها. سألت كل الأحجار التي صادفتها في طريقي، سمعت نشيجها ولكن دونما رد.

دخلت ميادينها باحثا عن الحلاج[1]. وجدته مصلوبا أحيا من الأحياء، تعبر وجهه مسحة ما. سألته، قال لا شيء سوى الضجر، واردف قائلا : أعلم عم تبحث، ولكن ستمضي إلى سبيلك، وكما بدأت غريبا تعود غريبا[2]. ستحملها غصة في القلب هيهات يمحوها الزمان.

ستحملها غصة في القلب.

كنت أظن أني سأجد في أثار المدينة ما يصالحني بها، في ساحاتها، في الأسواق، في الطرقات، في المعابد، في الجنائن، أو في مقابرها.

كنت مخطئا ، ضائعا ، شارد الذهن، مسكونا بالوهم وبالخيال.

ولم يخطر ببالي أبدا أن الذي سيصالحني بها امرأة.

امرأة ككل النساء، وليس كمثلها امرأة. نسكافية العينين. تنام وأبقى ساهرا، أعيد على أذني عذب عباراتها. امرأة ما أن حادثتها حتى أدمنت الحديث إليها. يصيب الليل ليلي أذا هجرتني ليلة. "ويعثر دوما لساني فأهتف" [3] باسمك صامتا خشية البوح كيلا أنعت بالجنون.

امرأة بها يدخل السلم نفسي والسلام. تكتسب المدينة بها وجها آخر، وتصبح الشوارع غير الشوارع، والساحات. بها تستحيل ضوضاء المدينة موسيقى ديبوسي[4]. وينشر مولانا[5] عباءته كيما يظللنا، ويدور الناس كما الدراويش في رقصة الكون. بها تصبح المدينة وطنا. وينسى الغريب غربته.

الحلاج وحده مازال مصلوبا هناك أراه يحادثني؛ ولست أسمعه.

لم أطق هذا الذي أحمله، وحين بحت به ، قالت: مخطئ أنت، عد إلى رشدك، كأنك أصبحت شاعرا. هذي القصائد ما عاد في المدينة من يصغي إليها. شعرت حينها وكأن نغمات بيانو ديبوسي أصبحت أغلظ من سابق عهدها. وكأن العطب قد أصاب كل أوتارها. كان الصوت يخرج متقطعا ، مرتبكا ومشوشا .

وحين استدرت إلى صاحبي قال كأنها فيما تقول على حق. كن متوازنا يا صديقي، ودع أوهامك جانبا ، فلا هي بالتي ستكون لك، ولا أظن أن بمقدورك أن تصالح هذه المدينة. أما ترى أن الخراب يسري في أوصالها سراعا كالنار في الهشيم.

عدت أدراجي أتساءل مالي ولهم؟ هي تخطئني ولا يوافقني الصديق. وتضاعفت خيبتي حين شرحت صدري في البيت لأهله فأتهتموني بالطيش وبالشرود، ربما. أنا شارد فيها، وشارد منها إليها. جلّ ما أبغيه دفء العناق، ودعوة إلى غداءٍ على ضفاف دجلة لعل بساتينها تذكر مهديها[6] وتنساني.

جل ما أبحث فيك فراشتي وطنا ، فقد ضاع في وطني وطني.

أخذتني الطرقات والأزقة من حيث أدري ولا أدري، تتجاذبني ذات اليمين وذات الشمال حتى وجدتني أقف قبالة الحلاج منتصبا على صليبه. مات الذين صلبوه وظل حيا ، كإله، في جبته[7].

أدركت حينها ما أدرك الحلاج: إذ يتخلى الآخرون عنك. إذ تصير إلها .

لم أكن وحدي تماما، فقد كنت أحملها غصة في القلب.

صورة لجزء من بغداد

= = = = =

[1] الحلاج (858-922) من أعلام التصوف، أعدم في زمن المقتدر بالله العباسي بأن قطعت رجلاه ويداه وضرب عنقه واحرق جثمانه ورمي به في مياه دجلة.

[2] "بدأ الإسلام غريبا، وسيعود كما بدأ غريبا، فطوبى للغرباء"، حديث نبوي.

[3] من قصيدة تناقضات ن. ق الرائعة لنزار قباني.

[4] ديبوسي (1862-1918) مؤلف موسيقى فرنسي يعد من أشهر مؤلفي المدرسة الانطباعية.

[5] مولانا جلال الدين الرومي (1207-1273) شاعر وعالم ومتصوف صاحب المثنوي المشهور والطريقة المولوية.

[6] محمد مهدي الجواهري إذ يقول في إحدى قصائده: حييت سفحك عن بعد فحييني = = يا دجلة الخير يا أم البساتين.

[7] قال الحلاج عن نفسه: "ما في جبتي إلا الله".

D 25 نيسان (أبريل) 2015     A محسن الغالبي     C 2 تعليقات

1 مشاركة منتدى

في العدد نفسه

كلمة العدد 107: "عود الند" تكمل سنتها التاسعة

رسالة شكر

المقاومة في الأدب الجزائري أثناء الاستعمار الفرنسي

المعرفة اللسانية ومسألة تدريس اللغة العربية

عنتُ الكتابة

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  وضع الديمقراطية في الأردن 1990-2010

2.  نتائج مسابقة فلسطين الثقافية

3.  البلاغة بين النقد والأدب واللغة

4.  نتائج مسابقة حنظلة للكاريكاتير

5.  عنتُ الكتابة