د. يسري عبد الغني عبد الله - مصر

الموسيقى في أسلوب طه حسين

يسري عبد الله
يسري عبد الله

لم يكن طه حسين يمتلك اللغة وحدها، ولكنه كان يملك معها موسيقية اللغة، وهذا هو أرفع مقام يصل إليه أديب، لأن اللغة ليست ألفاظا جامدة، ولكنها حروف لها حركة وسكون، ولها سلم موسيقي خاص بها.

وقد كانت اللغة العربية في بداياتها لغة الشعر، فلما نزل القرآن الكريم أصبحت لغة القرآن، فحملت خصائص جديدة وصلت إليها بمعجزة من السماء، وعليه اهتم الدارسون للقرآن بعلوم موسيقية خرجت من كتاب الله الكريم، وهي علم مخارج الحروف، وعلم القراءات، وعلم التجويد.

وكان أعظم ما كُتِبَ في علم مخارج الحروف، وهو علم الصوتيات الذي أخذته أوروبا عن الحضارة العربية الإسلامية، أعني بذلك الفصل الأخير من كتاب (المفتاح) للسكاكي، ولم يلتفت كثيرون إلى هذه الدراسة العلمية العميقة التي بدأت بالدراسات القرآنية، وقد تحددت مخارج الحروف بأنها سبعة عشر مخرجا ترتبط بدراسة الأعضاء الصوتية، وهي : الحلق و اللسان والأسنان والشفتان.

وعرفت هذه الدراسات قبل اختراع آلات الصوت والتسجيل بمئات السنين، واهتم بها أجدادنا اهتماما عظيما، حتى ينطق القرآن الكريم في ترتيله نطقا صحيحا، يبدأ بالتدريب على نطق الحرف الواحد عن طريق معرفة مخارج هذه الحروف.

أما علم التجويد فهو إعطاء الحروف حقها، وكان أجدادنا يقولون: إن من لم يجود القرآن آثم، لأن التجويد حلية التلاوة، وزينة الأداء والقراءة، وقبل التجويد لا بد من تدريب الصوت تدريبا علميا صحيحا على نطق الحروف من مخارجها.

وقد تعرضت اللغة العربية لخلافات حول نطق بعض الحروف، وأهمها حرف الضاد الذي تنفرد به اللغة العربية بين سائر اللغات، ولذلك سميت بلغة الضاد، ولا زال بعض العرب ينطقون هذا الحرف قريبا من الظاء، وبعضهم ينطقونه قريبا من الدال، ولكن الذين ينطقونه صحيحا هم قراء القرآن من المصريين، وهذا ما أكده علماء اللغة والصوتيات في العديد من الدراسات.

وكان المستشرق باول كراوس قد أعد دراسة صوتية حول حرف الضاد في البلاد العربية، وأكد على أن الضاد المصرية هي الضاد العربية الأصيلة الصحيحة كما ينطقها قراء القرآن من المصريين على مر العصور.

إن التجويد هو علم استخدام الحروف، خاصة حروف الراء واللام والضاد والظاء، مع الدقة في نطق الهمزة التي تظهر على الألف الناطقة، وتختفي مع الألف الساكنة.

هذا الحديث كله ليس استطرادا بل سببه طه حسين، آخر من نطق في العصر الحديث بالعربية الصحيحة كما يبدو لي، وأنا لا أريد أن أقلقك بعلم القراءات، وهو العلم الثالث من علم صوتيات القرآن، لأن هذه العلوم كلها تحتاج إلى تجديد في عصرنا، بعد اختراع آلات التسجيل والميكروفونات الإلكترونية الحديثة، وإنشاء المعاهد العلمية المهتمة بالصوتيات.

والذي أعلمه أن طه حسين درس هذه العلوم في الأزهر، وحفظ فنون علم مخارج الحروف وعلم التجويد وعلم القراءات، وكان في صباه وشبابه يقرأ القرآن ويرتله ترتيلا، وقد استهواه هذا الترتيل القرآني إلى النطق العربي الفصيح.

وكما يبدو لي أن طه حسين كان من أعذب الأصوات في ترتيل القرآن، وقد قرأت وسمعت أنه كان يمتع معاصريه بتلاوة القرآن عندما كان مجاورا للأزهر في غرفته مع أخيه الشيخ أحمد حسين في (حوش عيسى) بحي الحسين في القاهرة القديمة.

وقد أصدر الشيخ أمين الخولي عددا خاصا من مجلة الأدب عن طه حسين، وأشار إلى هذه الظاهرة التي كانت تتملك الفتى الضرير، وهي ظاهرة إجادة تلاوة القرآن، بينما كان غيره من طلاب العلم في الأزهر يحفظون القرآن حفظا جيدا، ولكنهم لا يهتمون بشروط تلاوته.

هناك فارق كبير بين العالم بالقرآن، وبين قارئ القرآن، وعلماء الأزهر كانوا يحفظون القرآن ويعرفون علومه، ولكنهم لا يتصدون لتلاوته، كما أن قراء القرآن يجودون القراءة ومعظمهم ليس له نصيب في علوم القرآن، إلا قلة قليلة ممن فهموا معانيه وأدركوا بعض أسراره، وعلى قمتهم الشيخ محمد رفعت والشيخ علي محمود والشيخ محمود الحصري.

وإذا صدق ما علمناه عن إتقان طه حسين لتلاوة القرآن، وهو صادق بحكم ما سمعناه من ترنمه بالألفاظ في أحاديثه، فإننا نزعم أن أسلوب طه حسين في كتاباته يستمد موسيقاه من جواهر القرآن.

ليست موسيقى طه حسين في أسلوبه هي موسيقى الشعر الذي كان ينغّمه بأنغامه وموسيقاه حين يتحدث أو ينشد الشعر، ولكن هذه الموسيقى تستمد مقوماتها من القرآن الكريم في خارج حروفه وتجويده ومعرفة أسرار قراءاته.

كان طه حسين يقول الشعر في شبابه، ولكنه أنكر هذا الشعر وانصرف إلى النثر، لأنه أدرك منذ وقت باكر في حياته أنه ليس شاعرا، وهذه هي إحدى سمات عبقريته، وقد عرف هذه الحقيقة من معاصريه إبراهيم عبد القادر المازني الذي ترك الشعر أيضا، وأحرقه منصرفا إلى النثر يبدع فيه على طريقته، ولم يكن معاندا مثل صاحبه عباس محمود العقاد الذي قال إنه شاعر، ورشحه طه حسين لإمارة الشعر بعد شوقي.

طه حسين كان ينظم الشعر، ثم انصرف عنه ليبدع أسلوبا موسيقيا في النثر العربي، وكان رأيه أن الكلام العربي: شعر ونثر وقرآن كريم، وهو بهذه النظرية جعل القرآن أسلوبا قائما بذاته، فهو ليس بالشعر، وهو ليس بالنثر أيضا، وهذا الفهم يخالف مناهج الدراسات النقدية في كل آداب العالم التي تقسم الكلام إلى شعر ونثر، وهذا القسم الذي ليس بشعر ولا نثر، هو الكلام المعجز الذي لا يستطيع بشر أن يأتي بسورة واحدة من مثله، وهو الذي استمد منه طه حسين (الذي اتهموه بالكفر والزندقة) عبقرية التعبير الموسيقي في اللغة.

إن طه حسين كان من أعظم المرتلين للقرآن في صباه وشبابه، ولكنه لم يحترف قراءة القرآن، وهو الذي سمع وعاصر مشاهير القراء. ولو أنه احترف قراءة القرآن لأصبح قريبا من الشيخ محمد رفعت.

كان طه حسين يملك حنجرة ذهبية، وكان يملك قدرة خارقة على النطق بالحروف من مخارجها، وعلى تجويد اللفظ، وعلى امتلاك السامعين في غير القرآن، فكيف به لو كان قارئا للقرآن؟ ، وفوق ذلك كان له الحضور الذهني، والخفة والرقة، وكان مثل طيف الخيال، يمتلك مكانة، ولا أحد يمتلكه، ويقول ولا أحد يستطيع أن يراجعه إلا بعد أن يقول؛ شخصية قوية آسرة، بغير قوة ولا أسر، وهذه إحدى المنح الإلهية لمن وهبهم الله عبقرية الخلق والإبداع.

ولكن النطق الموسيقي باللفظ عند طه حسين هو القضية التي تحتاج إلى دراسة، من ناحية شخصيته المتكاملة ثقافيا وعلميا ولغويا، فإن هذا التكامل أتيح لكثيرين ممن هم أكبر منه ثقافة وعلما في مجالاتهم، ولكن الموهبة الخارقة لم تمنحهم ما مُنِحَ طه حسين من قدرة على التعبير اللفظي الموسيقي الذي خلب ألباب الناس حين تكلم، وخلب ألبابهم حيث أملى كلامه فَكُتِبَ على الورق بسطور من ذهب.

ليس بالتفكير وحده وصل طه حسين إلى قمة الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة، ولكن التعبير عنده كان موازيا للتفكير، وكان أكثر قدرة على الوصول إلى الناس، لأنه اتخذ من أسلوبه وسيلة تعبير خاصة به، يقلدها فيه بعض الكتاب، ثم أصبح أسلوبه من الأساليب الجديدة في تاريخ الأسلوب العربي، وأهم ميزات هذا الأسلوب: الموسيقية اللفظية، والتناغم في تركيب الجمل.

لقد كانت طريقة طه حسين في الإلقاء مرتبطة بالموسيقى والنغم، ويبدو ذلك جليا في جلسته أثناء المحاضرات، فقد كان يبدأ بفرك كفيه، وكأنه يستعد لشد الأوتار، ثم لا يلبث أن يرهف أذنيه، وكأنه يتسمع مصادر الأصوات في قاعة الدرس، وبعد ذلك يعتدل في جلسته، ويرفع رأسه، وتشرئب عنقه، وتبدو على وجهه انفعالات مستبشرة بلا عبوس أو تجهم، ويصبح في أحسن حالاته النفسية، حتى يخيل إليك أنه قد انفصل بكيانه عن العالم الخارجي بكل مشكلاته ومنغصاته.

كان فنانا عظيما من فناني الكلمة، يستعد لها كما يستعد المطرب العظيم للقاء جمهوره، ولكن جمهور طه حسين كان من طلاب العلم والمعرفة، ومنهم شباب في عمر الزهور، ومنهم شيوخ اشتعلت رؤوسهم شيبا.

وكما حكي لنا أستاذنا المرحوم عبد المنعم شميس: أنه في بعض سنوات الدراسة بكلية الآداب حلا لطه حسين أن يلقي محاضراته بعد المغرب في شهر رمضان، فتكاثر على المحاضرة المريدون من عشاقه، بينما الطلاب يكتبون في الكراسات ما يسمعون استعدادا للامتحان، فما كان منهم إلا أن تركوا الأقلام وجلسوا مع الجالسين يستمعون ولا يكتبون.

لقد أدركت منذ بداية تعلقي بالقراءة والكتابة أن طه حسين حين يكتب إنما ينغم الكلام تنغيما، وعرفت عبر القراءة أساليب الأساتذة الكبار والتي هي لون آخر من ألوان الأساليب، فكان الشيخ أمين الخولي ينطلق كالصاروخ الذي يشق الصخور والجبال، ولا يلبث أن يعود لينطلق من جديد، وكأنه يريد أن يزيل من الدنيا ركاما ترسب فوق عقول البشر منذ آلاف السنين، وهو يجعلك أو يجعل عقلك يتبدل ويتغير، ولا أبالغ إن قلت إن كلمة ساحرة منه تضع في رأسك عقلا جديدا لم تعرفه من قبل.

وكان أحمد أمين صاحب الأسلوبين العلمي والأدبي مثل الجاحظ، لا يلقي محاضراته إلا في الورق، فيقرأ ما كتبه في أسلوب بسيط سهل ممتنع، وهو صاحب ثقافة واسعة بلا حدود، وصاحب معرفة أكبر من معرفة الجاحظ، فلنقل: دائرة معارف في عقل أستاذ، ولكنه لم يمتلك بلاغة الجاحظ في التعبير، ولم يكن فنانا، بل كان عالما، وهو عالم عصري يهتم بالأفكار ولا يهتم بالرونق اللغوي في التعبير، بل إنه كان لا يهتم بالرونق في تذوق الحياة حتى في ملبسه، وهو آخر سلالة العلماء المتجردين للعلم فوق صفحات الكتب.

وكان عبد الوهاب عزام عاشقا متيما بالمتنبي، محبا للشعر بوجه عام، ولكنه حين يتحدث أو يكتب تغلبه اللغة، ولا يتغلب على اللغة، وهو أحد العمالقة الكبار الذين عرفوا حضارة الإسلام وعرفوا الناس بها، والأمر المدهش أن هذا الرجل علم العديد من طلابه علمي العروض والقافية، ولذلك نسيناه، لأنه كان فكرا وعقلا أكبر وأعظم من مدرس يعلم الطلاب علوما جامدة.

ومصطفى عبد الرازق كان يهمس همسا بالفلسفات في رقة شاعر متصوف غلبه على أمره سلطان العاشقين عمر بن الفارض، وعقله متوهج مع ابن سينا والفارابي وابن رشد، فكان أسلوبه هو الرقة والعذوبة، وهو الذوق والشوق، وهو العقل والحكمة.

وكان عبد الحميد العبادي أستاذ التاريخ الإسلامي في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وعميد الآداب بجامعة الإسكندرية صديقا صدوقا لطه حسين، وقد أجمع معاصروه أنه حين كنت تسمعه في قاعة المحاضرات ترهف أذنيك للبلاغة والفصاحة.

وأذكر هنا أنني قمت بكتابة دراسة عن العبادي المؤرخ الأديب الإنسان، في مطلع الثمانينات من القرن الماضي، وأتذكر أنها فازت بالمركز الثاني في مسابقة بحثية نظمتها هيئة الفنون والآداب بالإسكندرية عن أعلامها، وهذا الرجل يستحق منا التعريف به وبدوره العلمي المجهول.

أما أحمد لطفي السيد مدير جامعة القاهرة، فقد كان يجلس تحت القبة، وبيده المسبحة، ولم يكن يخرج من مكتبه إلا ليذهب إلى كلية الآداب، وكان أسلوبه في الحديث أو الكتابة هو أسلوب الكلمة القاطعة، وقد تأثر بأرسطو وفلاسفة الإسلام الذين جددوا فلسفة أرسطو، ولذلك كان صديقه الأول هو الشيخ مصطفى عبد الرازق، فكانا يتهامسان، ويخرجان معا وبينهما حديث لا نهاية له.

وسط هذه القمم الشامخة التي حدثتك عن بعضها، لمع طه حسين، وتألق أسلوبه المتفرد، وأنت تعلم أنه لقب بلقب عميد الأدب العربي بعد أن تم فصله من عمادة كلية الآداب، متحديا بذلك السلطة التي أخرجته من الجامعة مع صاحبه الدكتور عبد الرازق السنهوري عميد كلية الحقوق، وهذا الرجل حكايته حكاية هو الآخر.

غلاف الأيام لطه حسين
غلاف الأيام لطه حسين

لم يولد أسلوب طه حسين في كتاب (الأدب الجاهلي) ولا في مقالات (حديث الأربعاء)، ولكنه ترنم وتنغم منذ بدايته العبقرية في كتاب (الأيام)، ثم استمر على أمواج الكلمات حتى النهاية.

وقد استخدم طه حسين أسلوبه الموسيقي في المقالات الصحافية التي كان ينشرها في جرائد (كوكب الشرق) و(الوادي) و(البلاغ)، وهي مقالات سياسية، لم يهتم بها الذين درسوا أدب طه حسين، ولم يجمعوها، وهذا هو ما حدث مع العقاد والمازني والدكتور هيكل، فقد اعتقد الذين يبحثون في الأدب، أن المقالات السياسية لا قيمة لها، وهذا من أكبر الأخطاء في منهج الدراسات الأدبية. ولا ننسى أن مقالات الشاعر والناقد ت. س. إليوت السياسية تم جمعها ونشرها في مجلة (أوروبا) أثناء الحرب العالمية الثانية، ثم تحولت إلى كتاب باعتبارها نصوصا أدبية لشاعر عالمي عظيم.

إن طه حسين أحد الثلاثة من أصحاب الأساليب في الأدب العربي الحديث، وثانيهم عباس محمود العقاد، وثالثهم المازني، ولكل واحد منهم خصائص تستحق الدراسة. وكل واحد منهم أكد نظرية أن الأسلوب هو الرجل، ولم يكن أحدهم مقلدا لأساليب القدماء كما فعل مصطفى لطفي المنفلوطي، ولم يكن واحد منهم قليل المعرفة بأسرار العربية، بل كانوا ثلاثتهم يملكون اللغة، وليس بين كتاب العرب حتى اليوم من يزعم أنه يملك اللغة مثل طه حسين والعقاد والمازني.

أسلوب طه حسين هو أسلوب الموسيقية في التعبير، وأسلوب العقاد هو أسلوب الصراحة القاطعة، التي تربط بين الألفاظ والأفكار بحد السيف، أو بقطع حجر الجرانيت في الجبال، وأسلوب المازني هو أسلوب القاهري المهذب الماكر بعض الشيء، الذي يريد أن يضحكك فيضحك عليك.

وقد تكون أسباب الموسيقية في أسلوب طه حسين هو ما ذكرته لك من تمتعه بالحنجرة الذهبية، ومعرفته بعلوم الصوت في القرآن، وشغفه في صباه بتلاوته، وقد تضاف إليها أسباب أخرى من أهمها أنه مكفوف البصر، وأنه يملي ولا يكتب، ولكن أبا العلاء المعري كان يملي أيضا، ولم تكن في أسلوبه الموسيقية، مع أنه شاعر.

أنت معي في أن تحليل المواهب العبقرية أمر صعب، لأنها من صنع الله، وليس للإنسان فيها إلا النماء والأداء. لم يكن صوت أم كلثوم أحلى الأصوات، ولكنه كان أعظم الأصوات. ولم يكن صوت طه حسين أرق الأصوات، ولكنه كان صوتا يملك النغمة والنبرة، وأداء الحروف من مخارجها مما لم يتيسر لغيره حتى بين كبار الخطباء، وقد مكنته قدرته اللغوية على استخدام الألفاظ في تركيب عجيب يتناغم مع موسيقية صوته وأدائه.

إن علاقة الصوت بالأسلوب عند طه حسين، علاقة أساسية لأنه كان يفكر ليتكلم، لا ليكتب على الورق، ويبدو لي أن معرفة طه حسين باللغة الفرنسية وإتقانه الحديث بها في تنغيم لطيف أخاذ، كان من أسباب تفننه في اصطناع أسلوبه الموسيقي العربي، لأن اللغة الفرنسية لها نغمة عذبة، وليس فيها ما كان في العربية الجاهلية من جلاميد الصخر، ولا صلابة اللفظ والنغم حتى في المواقف التي كانت تعبر عن العشق ولذة الحياة.

لقد رقق القرآن الكريم هذه اللغة الجاهلية، ومنحها الخلود والاستمرار، ولكن بعض الكتاب والشعراء لا زالوا حتى اليوم يعودون إلى الجاهلية اللفظية، وأعتقد أن آخرهم كان الشاعر البدوي الشيخ محمد عبد المطلب في مصر، وله نظائر من شعراء البادية في أيامنا هذه.

لقد كانت مصر وهي الزبرجدة الخضراء من أعظم عوامل تدفق العربية، ورقتها، وليس طه حسين إلا النموذج الرقيق لعذوبة مصر في العصر الحديث، وموسيقية اللفظ المنغم.

وختاما أقول لك: إننا في حاجة إلى دراسة أسلوب طه حسين داخل معمل من معامل الأصوات والتي بها أحدث التقنيات التكنولوجية، حتى نعرف الذبذبات، ونقيس المسافات، ونربط بين الصوت والأسلوب البياني عند كاتب من أعظم كتاب لغتنا العربية الجميلة في كل عصورها، وبعد ذلك نستطيع دراسة الموسيقى في أسلوب طه حسين. أليس كذلك؟


موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3367762

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC