عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 
أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 60-120 » السنة 6: 60-71 » العدد 62 » موتسارت، تلك المعجزة

دنيا فاضل فيضي - العراق

موتسارت، تلك المعجزة


موتسارت، تلك المعجزة

عرض وترجمة لمقاطع من كتاب ضمن سلسة كتب ألفها ستانلي ساديه، عالم الموسيقى البريطاني المتخصص بفن موتسارت. وعرف السلسة باسم "قاموس نيو غروف"
The New Grove Dictionary

كان للموسوعة التي ألفها ستانلي ساديه صداها في الأوساط الفنية، فهي كمرجع أو قاموس الفن الموسيقي، كلوحات تعكس ألوانا وصورا ولكن بصيغة معلومات قيمة عن ألحان وتاريخ موسيقي وبكل تشعباته وتنوعاته.

موسيقى الغرب الكلاسيكية، هي التي اكتسحت بظلها الدافئ كل ما هو راق ومعبر، وعكسته ندى صباحيا وطيفا لأنماط موسيقية رائعة، كان لها اثرها في كل الثقافات العالمية وبالأخص العربية.

في مقدمة الكتاب، يسترسل ستانلييه:

"إن الحقيقة التي مفادها أن هذه الكتب ضمن سلسلتها قد تم توثيقها كقاموس، بلا شك تعطي للمؤلفين شخصية تختلف نوعا ما عن تلك الكتب المعدة على غرارها. قبل كل شيء، هذه الكتب مصممة لمواكبة ذلك الكم الهائل من المعلومات وبأسلوب يسهل من الرجوع للكتاب كمصدر".

أعمال موتسارت الموسيقية اقترنت بالاوبرات الغنائية، صارخة، ورومانسية وكلاسيكية في آن واحد. وأنا شخصيا أجد أن كتابه هذا هو معجزة بحد ذاته!

طفولة وموهبة مبكرة

في الفصل الاول، كتب ستانليهه عن موتسارت :

"هو تلك المعجزة التي سمح الله لها أن تولد في سالزبورغ في النمسا، وهي نفس كلمات والده بعد إن جاء إلى العالم الطفل العبقري موتسارت في عام 1756 ، وعمد في كاتدرائية سالزبورغ باسم جونز كريستومس ولفجانج ثيوفيلوس.

وكان موتسارت بعض الأحيان يفضل الاسم اللاتيني اماديوس، واللقب الألماني غوتلب.

وكان ترتيبه الطفل السابع والأخير لوالده ليوبولد وامه ماريا آنا. ولم يبق على قيد الحياة من الأطفال سواه والطفلة الرابعة ماريا. سكنوا في منزل في غيتريدج غاز، وهو حاليا معرض، ومتحف لموتسارت".

موتسارت ولد عبقريا بالفطرة، فحين يكون الأب مؤلفا وفيلسوفا ومفوضا اداريا للاوركسترا، حتما سيدع المجال لابنه أن يطور موهبته:

"كان الأب مدركا في الوقت نفسه مسؤوليته تجاه ابنه المتميز العبقري، لهذا انسحب من التأليف كي يدع المجال لموهبة ابنه أن تظهر. ومع ذلك، كان القليل من شهرته تتجسد في مؤلفاته والكثير منها في كتاباته التي نشرت في اوغزبيرغ عام 1756 ثم العديد من الترجمات والمنشورات الأخرى، والتي رغم أن الفضل فيها يعود الى مؤلفته الأولى (treatise) ، غير أنها تقف كواحدة من أهم الأعمال الجدلية والنظرية في أيامها.

اظهر موتسارت موهبته الموسيقية في سن جد مبكرة، ففي كتاب شقيقته الموسيقي كتب والده يذكر أنه حفظ البعض من النصوص الموسيقية حين كان في الرابعة من عمره، حيث أن مؤلفاته الجديدة المعروفة بالنمط البطيء Andante , والحركة السريعة Allegro كتبت في أول عام 1761 حين كان في الخامسة من عمره. كانت مختصرة وحذت حذو المقطوعات الصغيرة والعديد منها يعود إلى أصول ألمانيا الشمالية".

لم يجد والد موتسارت عيبا في أن يستعرض عبقرية ابنه

لقد سرد ستانلييه قصة حياة موتسارت من ولادته وحتى آخر أعماله، وكان يركز دوما على إنجازاته الموسيقية الرائعة. فعن طفولته ذكر:

"ظهر موتسارت لأول مرة على العامة في جامعة سالزبورغ، في شهر أيلول من العام 1768 حين شغل دورا في أداء مسرحي وبوجود الموسيقى من قبل أيبرلن.

وكباقي الآباء في ذلك الوقت لم يجد والد موتسارت عيبا في أن يستعرض أو يستخدم عبقرية ابنه التي وهبها الله له والمتجلاة بالموسيقى. اصطحب موتسارت وشقيقته إلى ميونخ ولثلاثة أسابيع حيث عزفا على آلة الهاربسيكورد أمام مختار بافاريا. ثم توجهت العائلة إلى فينا من اجل أن يعزف الصغيران عرضيهما أمام النبلاء، ولأداء عروض حفلات الكونسرت.

وكل هذه دونت في ملاحظات ورسائل كان يرسلها والده إلى الكونت زينزندورف – موتسارت يعزف بروعة، انه طفل يمتلك روحا مميزة، حيوي وساحر".

أما عن عبقريته المبكرة، فقد شخصها ستانلييه من خلال مدونات والده واخته آناناريا حيث يخبرنا عن مقدرته في تعقب النوتات:

"إنه يستطيع أن يعزف بأسلوب الكبار، الارتجال في أساليب مختلفة، يعزف النوتة ارتجاليا دون ان يتدرب عليها، ويعزف دون ان يرى مفاتيح العزف كان تكون مغطاة بغطاء من القماش. يضيف نوتة واطئة باللحن الأصلي ويسمي أي نوتة حال سماعها.

هناك العديد من الروايات حول فطنته المبكرة ومعظمها جاء بعد موته من قبل شقيقته وصديق للعائلة ستجاتشنر، وهو شاعر ومهرج بلاط سالزبيرغ، وعازف كمان وعازف تشيلو. إحداها تحكي عن آلة كمان ستشاتشنر وكيف أنها مدوزنة إلى ثماني مستويات أوطأ من آلة كمانه.
والأخرى انه تناول ذات يوم آلة كمان وعزف بها بعيدا عن ناظريه، رغم عدم تلقيه دروس على آلة الكمان. وكل هذه الأحداث حصلت في العام 1763 ولم يكن موتسارت يتجاوز الخامسة. ومن هنا حاول تأليف (كونسيرتو) بدأت بلطخات من النوتات غير أن والده تفحصها ووجدها صحيحة ولائقة".

أعمال لا تنسى

لم يترك المؤلف ستانلي عملا لم يذكر لموتسارت، وكانت فصول الكتاب تتأرجح مع Hلحان المؤلف ووفقا لرحلاته الموسيقية، "فصل باريس ولندن-1763" ، و"فصل فينا وإيطاليا"، و"رحلات ايطاليا-1771" وهكذا، وكان يركز على المستوى الحضاري والثقافي لتلك البلدان وتأثر عامة الناس بها.

وخلال رحلة الكتاب الشيقة كان يصر على إيجاد العلاقة ما بين موسيقى موتسارت ومؤلفين عباقرة آخرين أمثال سباستيان باخ، وكلوغ وبيشيللو وغيرهم.

عرف موتسارت باعمال اوبرا لا تنسى، اقترنت باحداث ومناسبات ما زالت قائمة حتى يومنا هذا، زواج فيكارو والذي يعد رمزا لصورة احتفالية يقتدى بها حين الشروع بالزواج لدى الغرب.

أما كونسيرتو البيانو فهي موسيقى لفيلم وتميل الى الشعرية وابرع ما يشير الى المهارة.

حب وخداع، وكل النساء سواء، تحفة فنية مؤلفة أخذت حذو الروائع الأخرى هي أوبرا (Cosi Fan Toutte ) ومن ثم اوبرا الناي السحري التي تحكى للأطفال، وقصة تامينو وبابجينو.

أما أوبرا دون جوفاني، فهي قصة دون جوان، الذي اسر قلوب النساء، وقيدهم بقيود الرومانسية والشغف الابدي وهي رائعة اخرى لموتسارت والذي كلل نجاحاته الموسيقية بسمفونية -40 (Symphony No. 40 in G Minor ) والتي غنتها فيروز.

إن "موسيقى القداس – Requiem" والتي عرفت بنمطها الحزين هي اشهر التراتيل المؤداة، هي اخر اعماله التي لم ينهها، وهي تحكي قصة حزينة لنهاية الانسان، فتنطلق العربة التي تحمل جثمان العبقري الى مثواه الاخير في ليل فينا المتشح بالحزن والسواد، والى ثرى الارض المعطاء عن عمر يناهز الثامنة والثلاثين واثر مرض ساد في فينا ذلك الوقت، عرف بالتهاب البلعوم!

وهكذا انتزع القدر هذا العبقري من عالم التأليف الموسيقي. وارثه الغني ما زال يدرس، ويقتدى به ومصدر لغز وحيرة لكثير من الموسيقيين.

موتسارت الأسطورة واحد رموز كتب التاليف، ومعجزة بحد ذاته.

سلسلة كتب نيو غروف لكتاب موتسارت، تعد مرجعا موسيقيا رائدا ليس فقط لرواد الموسيقى ومؤلفيها، بل لكل شخص هاو للموسيقى ويجد نفسه مأسورا بها، فكيف ان كان من عشاق موتسارت؟ فهو الكتاب الذي يفرض نفسه، حين تدعو الحال الى استبيان المعلومات التي تخص اصول ونمط التاليف الموسيقي، لا الحياة الشخصية فحسب.

غلاف كتاب

D 25 تموز (يوليو) 2011     A دنيا فيضي     C 5 تعليقات

3 مشاركة منتدى

  • مقال شامل ووافي ذكرني بفلم تناول حياة موتسارت ، لم يكن عبقريا في الموسيقى فقط و انما عبقري في تجاهل كل من حوله من حاولوا اعاقته بسبب عدم تقبلهم لما جاء به من تجديد و روح حداثة خرجت عن كلاسيكية الموسيقى في عهده و التي بدت مملة قياسا بموسيقاه .شكرا على التناول


  • شكرا لتناولكم مواضيع نبيلة تترك بصماتها في انفسنا وتحلق بنا في اجواء الرقي وحياة العباقرة والموهوبين وتطير بنا في سماء الموسيقى الخالدة..


  • مقال رائع وشامل ولكنه لم يستعرض أسباب الموت المبكر لموتسارت ، ولا لمعاناته الشديدة وبؤسه مع كبير حساده الموسيقار ( المتنفذ - الداهية ) "أنتونيو ساليري " ، الذي كان يعتقد حتى قبل ان يلتقي موزارت أن موسيقى أماديوس خارقة ، ولكنه كان يتمنى في أعماقه لو انه كان موهوبا مثل موزارت ليتمكن من عبادة الله من خلال التأليف الموسيقي ، ولكنه لم يفهم أبدا لما اختار الله موزارت وأودع فيه هذه الموهبة الخارقة ، وكان يعتقد ان هذا الكائن " التافه والسوقي " وصاحب الضحكة المجنونة ( التي تشبه زعيق حافة المعدن الحادة عندما تحتك بقوة على سطح زجاجي !) لا يستحق ابدا موهبته ، فلماذا اختاره الله اذن ليكون أداته ؟! حسد ساليري المتزايد تحول لوسواس قهري جامح يلازمه وينغص عليه عيشه ، مما جعله بالمحصلة "خصما للله ذاته " الذي تجلت معجزته الربانية في خلقه لموهبة موزارت ....وقد دفع هذا ساليري لملاحقة موزارت بلا هوادة وحبك المؤامرات والمكائد ضده ، ساعيا لتهميشه واقصائه بلا ضمير او وازع أخلاقي ، مما قاده للالحاد ثم اتبعه بمحاولة انتحار فاشلة ، وانتهى به الأمر للجنون .


    • تحية طيبة استاذ مهند النابلسي، وشكرا لمروركم الطيب، حقا ابدع المخرج التشيكي الاصل ميلوش فورمان والسينارست بيتر شيفر في تسليط الضوء على الخفايا العاطفية والخاصة من حياة الموسيقار موتسارت، على غرار كتاب نيوغروف، موضوع المقالة اعلاه.. الذي القى الضوء فقط على حياة الموهوب العائلية والموسيقية وخاصة جدول اعماله وفق فهرست زمني وهذا ما يميز صناع الافلام في كشف خفايا العظماء وسير حياتهم.. بل وتفوقهم على مؤلفي الكتب في بعض الاحيان. شكرا لمتابعتكم