أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 10: 108-120 » العدد 112 » خربشة على الخريطة

إبراهيم قاسم يوسف - لبنان

خربشة على الخريطة


لحفظ عروشهم وطمأنينة قلوبهم

قد سلحوا الدرزي لمقاتلة العربي

وحمّسوا الشيعي لمصارعة السني

ونشطوا الكردي لذبح البدوي

وشجعوا الأحمدي لمنازعة المسيحي

فحتى متى يصرع الأخ أخاه على صدر الأم؟

وإلى متى يتوعد الجار جاره بجانب قبر الحبيبة؟

وإلام يتباعد الصليب عن الهلال أمام عين الله؟

جبران خليل جبران

"يا ثلجُ قد هيَّجْتَ أشجاني، ذكَّرْتَني أهلي بلبنانِ". قتَلَه الحنين إلى الوطن "المعافى" حديثاً، والربيعُ الأخضر المقبل إلى بعض الديار، من عيون زوجته الأجنبية، وصبابة إيليا أبو ماضي يخاطب وطنه قائلاً له:

وطنَ النّجومِ أنا هنا = = حدّقْ، أتذكرُ من أنا؟

أنا من مياهِك قطرةٌ = = فاضتْ جداولَ من سنا

أنا من طيورك بلبلٌ = = غنّى بمجدِك فاغتنى

وصنين مارد الفضاء؛ والعاصي، والميجانا والعتابا، وهياكل بعلبك ومشمشها وقمح البقاع، وجبران ونعيمة والمطران ورشيد أيوب وشفيق المعلوف وجوزيف حرب ونقولا فياض، وصوت وديع الصافي وفيروز يدعوه إلى العودة قائلاً له:

"وهالأرض لمين منتركها؟ منتركها للدِّيب؟ منتركها للرِّيح؟ للشِّح اللي ما بيتركها؟"

تضافرت هذه المشاعر وعوامل الحنين، فآثر أهله وبلاده، على البلاد التي رعته إبان الحرب الأهلية وعلَّمته بلا مقابل، فحزم أمتعته وعاد بعد دموع غزيرة أمطرها قلبه وعيناه. وعلى أرض المطار قبَّل تراب بلاده، وصلى ركعتين حمداً للهِ على عودته إلى نعمة الأرضِ والأوطان.

بعدما أنس إلى أهله ودياره من جديد، وبعد فيض من الناس وزيارات للتهنئة بسلامة العودة توالت أياماً طويلة، باشر نشاطه من جديد هادئاً مطمئناً إلى مستقبله بعد سنوات شاقة وغربة موجعة، فترشّحَ للانتساب إلى الجامعة الوطنية لتدريس "كيميا الأحياء"، واثقا من كفاءته مستوفياً الشروط المطلوبة، أهمها شهادة نالها من أعرق وأرقى الجامعات الأجنبية، وتنويه بجهوده وأبحاثه، وخبرته الطويلة خلال سنوات اغترابه، ودرجة دكتورا حازها بكفاءة عالية، ولغات أجنبية ثلاث أتقنها أكثر من أهل البلاد.

في البداية لم يستوعب لماذا ينبغي عليه أن يتوسل شفيعاً له، يدق معه باب رئيس الجامعة والتعليم العالي، أو نافذا من أركان السلطة، ليحظى بالوظيفة ما دام يستوفي الشروط المطلوبة وأكثر، وما دامت إدارة الجامعة التي تخرج منها ثم عمل فيها لبضع سنوات، تمنت عليه أن يعيد النظر في قرار استقالته وإعفائه من الوظيفة، آملة أن يتراجع عن الاستقالة ويستأنف عمله معها؛ وقد عرضت عليه شروطاً جديدة وتعاقداً أفضل. لكنه كان قد اتخذ قراره وهكذا كان يجب عليه أن يفعل، فالعودة مسؤولية وطنيَّة وأخلاقية؛ لا يصحُّ له أن يتخلى عنها أو يفرِّطَ فيها، لتأتي منسجمة مع الربيع المقبل إلى بعض الديار.

لكن هذا الوطن الجميل، هذا الوطن المعذب الجريح، العزيز على قلوب بنيه، آثر دائماً الحاضنة التي تتيح له الانتعاش فحسب، وحاجة رئتيه من الهواء ليتنفس، وجسمه من الطعام المُقنَّن والماء "المُقَوْرَر"، بتدبير من ملوكِ طوائفه المرتهنين للخارج، وساسته المرتكبين، فأعملوا في عنقه سكيناً "صائمة" تعذب وهي تذبح. تقاسموه حصصاً طائفيَّة، فأشعلوا فيه حرباً أهلية وجيروا نتائجها لمصالحهم، ثم استولدوا أنفسهم في انتخابات باطلة. استمرأوا الفساد وتحكموا في مفاصلِ الاقتصاد، ورقاب العباد. وبدلا من أن يكون تعدد الطوائف، والعيش المشترك نعمة على البلاد، فقد تحول إلى سلسلة طويلة من اللعنات.

أتلفتْ مصالحُهم قمحَ سهوله. هدموا جباله وحَوَّلوا صخورها إلى أموال ونقود مصرفية في حساباتهم، ثم استنفدوا مياهه في غسل قتلى الحرب الأهلية الطاحنة وهم أول أسبابها ومدبِّروها. هؤلاء أنفسهم عادوا ليحكموا بلادنا من جديد. هذا الوطن لم يعد ملاذ الأحرار وموئل المتعبين. ولم يكن يوماً وطناً لجميع أبنائه بلا تمييز. ولا كان "أرزه رمزه للخلود" (1). لم يع ساسته أولاً وأبناؤه أولاً وأخيرا، فعادوا يتلاعبون بمصيره، ويراهنون مرة أخرى على الخارج، والمنافع الفردية الضيقة والغباء المُدَمِّر.

حرَّضَ الرجلُ على المظاهرات وتغيير قانون الانتخابات، وإلغاء الطائفية السياسية عملاً "باتفاق الطائف". لكن تغيير القانون كان يستدعي أولا تغيير الشارع وذهنية الناس، لكي يعوا ويميزوا بين الفوضى والمطالب المحقة، لا سيما وأن هناك دائما من يصطاد في الماء العكر، كالكثير من وسائل الأعلام ربيبة هذا النظام المستبد الفاجر.

شارك في اعتصامات ساحتي الشهداء ورياض الصلح، وفي كل مرَّة كان الشارع يتحرك للمطالبة بالإصلاح، كان ركن من أركان السلطة يدعو إلى "حوار وطني"، للالتفاف على مطالب الناس وإجهاضها في مهدها.

اصطدم الرجل بدهرٍ من الظلم والقهر والتآمر والخيبات ودخل السجن مرات. استنفد قدرته وماله على مدى سنوات في محاولات جادة للإصلاح. لم يعد الوطن في رأيه سوى بقعة سوداء وخربشة على الخريطة لا معنى لها.

غادر بلاده من جديد. غادر هذه "الدولة الافتراضية" كما قال، في وقتٍ كانتِ الندوة النيابية التي جددت لنفسها مرتين خلافا لدستور البلاد، منعقدة لمناقشة الإنجازات التي حققتها خلال توليها السلطة لأربع سنوات مضت، ومنها قانون جائر ومشبوه يقضي برفع استيفاء مخالفات السير إلى عشرة أضعاف، ليستفيد من مردودها المالي القضاة، ورجال الأمن المكلفين تطبيق القانون، دون الالتفات إلى قانون ينصف الموظفين في سلسلة رتبهم ورواتبهم، أو أقله قانون يصلح الحفر على الطرقات، ويرفع النفايات من الأحياء. النفايات التي اختلفوا على المحاصصة فيها وتقاسمها. ناهيك عن أبسط حقوق المواطنين التي فشلوا في إدارتها، كضمان الشيخوخة والطبابة المجانية، والتعليم وتأمين فرص العمل للحد من هجرة الشباب، والعناوين الحياتية الأبسط كالتيار الكهربائي والمياه. كل ذلك لم يحدث بعد عقدين من الزمن وما يزيد على انتهاء الحرب الأهلية في البلاد.

لم يركبِ الموجة فترك أرضه "للدِّيب والرِّيح، والشّح اللي ما بيتركها". تبخَّرَ من رأسه الحلم، واختفى من ذاكرته وطن الرحابنة وصباح ونصري شمس الدِّين، ومارون عبود ويونس الإبن؛ وحجل صنين ونبع الصفا، وطوى الصفحة الأخيرة من "الأرواح المتمردة وخليل الكافر"واعتبر الفساد قدراً مستحكِماً لا قدرة له على دفعه. "لم يعد يربطه بوطنه إلاَّ الحذاء"(2).

رحل خائباً مهزوماً ذليلاً كراهبة في الموصل، كانت مهددة بالموت أو الاغتصاب. لكنه أقسم أمام الجميع أن رفاته لن تعرفَ يوماً أرض الأنبياء.

= = = =

(1) مقطع من النشيد الوطني اللبناني.

(2) التعبير للشاعر السوري محمد الماغوط.

D 26 أيلول (سبتمبر) 2015     A إبراهيم يوسف     C 11 تعليقات

11 مشاركة منتدى

  • تحية طيبة أ/إبراهيم أذهلتني هذه الخربشة على الخارطة وألجمت عقلي وقلمي والبقعة السوداء في بؤرة الوعي تتسع وتمتد هل بقي للإنسان العربي خريطة ليخربش عليها؟باغتني بيتان لأعرابي عز عليه أن يفارق أرضه فقال :وكنا ألفناهاولم تك مألفا وقد يؤلف الشيءالذي ليس بالحسن.كما تؤلف الأرض التي لم يكن بهاهواء ولا ماء ولكنها وطن .أثبت أبو تمام البيتين في حماسته.اليوم ودائرة النار تتسع والرياح تهب من الجهات الأربعة لتقتلعنا من جذورنا هازئة بغاندي وأبي تمام أخشى أن لايبقى لنا مانخربش عليه سوى الفضاء الإفتراضي ,ونحن مشتتون في بلاد الغربة.كل عام وأنت ولبنان سالمان


  • الأستاذة الكريمة هدى أبو غنيمة – الأردن

    "ولي وطن آليت الا ابيعه
    والا ارى غيري له الدهر مالكا"

    الشعر يخلِّد الأوطان يا سيدتي، ومقالتك أربكتني هذا الصباح وسفحت الدموع من عيني. فما يجري من انتهاك للمقدسات وسفكٍ للدماءِ في كلِّ مكان، من الأسبابِ التي تحفزني على البكاء. لا أدري حقا ما أقول عن أرض لم تعد تطيب فيها عشرة ولا ماءٌ وهواء. لكنها لم تزل في قلبي ووجداني من أغلى وأكرم الأوطان.

    شكرا لك سيدتي الكريمة.. فإن كُتِبَتْ لنا الحياةُ عاماً آخر، وعادَ صوتُ العقلِ يحكُمُ بيننا..؟ ربما التقينا مرة أخرى في الأضحى القادم. أو نموت فلا ندرك ما عساه يبسلم هذي الجراح. كل عام وأنت بخير.


  • أستمع لأنين الوجع بأكثر من لهجة، ألم كبير يتصاعد زئبقه ليعلن الحرارة في أكثر من بعقة، هي الأحلام التي تكدست ثم نفضت السياسة وسادتها ، ليتطاير الريش دون أن يصدر صوتا للتحليق،هي العمامة التي ضيعناها بزمن الفساد المظلم ، لتصير ربطة عنق لخريطتنا العربية.
    المبدع الكبير إبراهيم قاسم يوسف، لم تكن خربشة سيدي، بل هو تشريح لجسدنا المعذب ومحاولة لاستئصال الأورام الخبيثة.
    دمت ودام إبداعك ووطنيتك.


  • ماذا أقول في حقك أستاذ إبراهيم؟
    ثمانية وعشرون حرفا لا تكفي لوصف إنسانيتك ورقي ما كتبت، ونزف القلب بين الحروف.
    دمت ولبنان بخير.


  • أ/ جليلة الخليع- المغرب

    لعله يا سيدتي ألم الخطيئة منذ بداية التكوين..؟ لم تعد تحاكمنا الصحراء العربية، وانحرفنا عن طريق فلسطين..! ضيعنا العمامة وضاع معها شرف الكوفية والعقال. كما ضاعت شهامة المتنبي وعز الخيول الأصيلة. ولم يحنِ الوقت بعد ليترجل ذلك الفارس العربي المصلوب.

    شكرا لك كلماتك الدافئة.. وكل عام وأنت بخير.


  • "بهالعيدْ بَدِّي قَدِّمِ هْدييِّ.. لا دَهَبْ ولا وْرودْ جورييِّ
    طالعْ عابالي ضمّ زهرة وقلبْ.. وقدِّمُنْ للعيد عيدييِّ"

    كل عام وانت بخير عزيزتي إيناس


  • قالوا إذا عمت خفت. لست أدري إن كان هذا صحيحا.فالوطن العربي كله في محنة يا سيدي! وقد صدق الشاعر القديم حين قال: قومي هم قتلوا أميم أخي فإذا رميت يصيبني سهمي .فأبناؤها أجناؤها يا سيد قاسم إبراهيم يوسف.
    فلبنان est un echantillon فقط . ولكن دعني أقول أن مقالك هذا طافح بالمشاعر الرقيقة وهو دليل على صدق أحاسيسك .


  • الأخ يوسف من الجزائر

    ليس من مصلحة الأنظمة المستبدة الفاسدة، أن يبلغ الكبت مداه خوفا من الانفجار وردات الفعل غير المحسوبة. لهذا نرى السلطة تلجأ إلى "تنفيس" المواطنين ببعض الإصلاحات الهزيلة. وقد علمتنا التجارب أن مثل هذه السلطة، ستجيِّر نتائج الفوضى والانفجار إذا ما وقعت، لمصلحتها لا لمصلحة الناس.

    كل ذلك بسبب القصور والوعي المتواضع لدى معظم شعوب هذه البلدان. ما دام في محتمعاتنا من لا يزال يؤمن بقراءة الطالع ويُفسح "له أو لها" مجال الأكاذيب الغبيّة والتضليل، من على الشاشات المملوكة من بعض هؤلا الحكام، وهناك للأسف من الناس من لا يزال يصدق هذه الترهات والأضاليل..! فلا ينبغي أن نأمل بالكثير من الرجاء.

    في الخلاصة.. الإصلاح مرهون بالمعرفة والوعي والعمل الصادق الدؤوب.

    شكرا لك على الاهتمام والحضور الكريم.


  • خربشة على الخريطة، هذه المرة نص جديد مختلف عما تعوّدنا عليه. نص مشبع بالألم والحسرة على لبنان. لبنان البلد الذي أحببناه بفضلك، حينما طفنا في أراضيه وتسلقنا جباله معك، واستمتعنا بآثاره وجمال طبيعته، من خلال رحلة قمتَ بها في ست ساعات، النص المنشور سابقا في عود الند، وأنت تحكي لنا عن ربوعه، وعن حضارة امتدت ألاف السنين.

    لبنان البحر والشراع والأرز والعاصي وخليل مطران وميخائل نعيمة وجبران ووديع الصافي وزكي ناصيف وكل ما فيه ومن فيه ممن امتلأت قلوبهم وضمائرهم حبآ لهذا البلد الجميل. تألمت وأحسست بالخيبة وأنا أقرأ مقالتك هذه وما آلت إليه أحوال هذا البلد المجيد. أتمنى أن يعود لبنان الجمال والعلم والفن والثقافة إلى الحاضرة من جديد، فلا يضيع هذا الأمل العزيز على قلوبنا جميعا. لنردد وإياك من جديد أن الدنيا لا زالت بخير.


  • مريم من القدس الشريف

    "ليس أرزاً، ولا جبـالاً، ومـاءً وطني الحبُّ، ليس في الحبِّ حِقدُ". أود أن أتوجه إليكِ بأصدق آيات الشكر والعاطفة الصادقة، على المتابعة الدقيقة لما أكتب. أما إذا كان لبنان قد حباه الله سحراً مميزاً وطبيعة خلابة، فإنما يعودُ الفضل فيه لخالقِ الكون، لا للسلطة الحاكمة والساسة المرتهَنين.

    لا يكفي أن يكون لبنان أرزا وجبالا عالية وسهولا واسعة وأنهارا عذبة، أو أن يكون ماضيا مجيدا ورجالات مجلِّين في الشعر والأدب والفن والتاريخ وغيره.. بل ينبغي أن يكون كياناً مستقلا بالفعل لا بالقول، يعيش شعبه حياة آمنة كريمة لا تخضع للابتزاز الداخلي أو لأي سلطة خارجية. هذا هو لبنان الذي أصبو إليه وأريده.

    مع خالص مودتي وامتناني.


  • استاذ ابراهيم يوسف
    تحياتي لك
    عندما يصبح وطن بكل حجمه التاريخي والجغرافي مجرد خربشة على الخريطةفأي مصير ينتظر الانسان فيه؟


في العدد نفسه

كلمة العدد 112: الأدباء والمخابرات

الكرّاب عبر تاريخ المغرب

القياس في المختصر ليحيى الشاوي

موضوعات شعر العقاد

بيرم وانتهاء دولة الشعر