عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 

هدى أبو غنيمة - الأردن

قـرطـان


هدى أبو غنيمةلم أكد أقطع الشارع إلى الرصيف المقابل، حتى فاجأني زعيق منبه سيارة مسرعة يقودها شاب أرعن. اندفعت إلى الرصيف بسرعة أخلت بتوازني، فتعثرت وارتطم جبيني بواجهة زجاجية لمتجر مجوهرات.

خرج صاحب المتجر ومساعده لاستطلاع الأمر، خشية أن أكون قد أصبت بجرح، ودعواني لأستريح ريثما ألتقط أنفاسي، ثم قدما لي كأس عصير كنت بحاجة إليه بعد أن كنت على قيد ثوان من الموت دهسا.

جلست أتأمل المعروضات بين رشفة وأخرى، وقد لفت انتباهي قرطان ذهبيان مرصعان بأحجار الزفير والعقيق واللؤلؤ لخارطة فلسطين. كنت قد رأيت نماذج شبيهة بهما تتأرجح في آذان نساء كثيرات أو قلادات، لكني لم أر صياغة تجلى فيها الإبداع الفني مثل هذين القرطين. أوليست أحجار الكرامة والحرية أغلى وأكرم وهي تزين أيدي صبايا وشباب فلسطين؟

لاحظ صاحب المتجر تأملي للقرطين، فقال: سيدتي هل أعجبك هذان القرطان؟ لقد اشتريتهما من معرض عالمي للمجوهرات شارك فيه صياغ مبدعون من الشرق والغرب. أستطيع أن أقدم لك خصما معقولا، رغم ارتفاع ثمنهما.

قلت وأنا أتأهب لمغادرة المكان: شكرا جزيلا لاهتمامك وحفاوتك، ربما أعود في وقت آخر.

عدت إلى سيارتي، وضعت شريطا لقصيدة أمل دنقل:

"لا تصالح، ولو وهبوك الذهب

أترى حين أفقأ عينيك، ثم أثبت مكانهما جوهرتين، هل ترى؟"

توهج في ذاكرتي قرطان ذهبيان أهديا لي ذات عيد. لم يكن قد مضى على احتلال فلسطين عقد من الزمن بينما كانت أصداء الثورات في معظم أقطار العالم العربي ضد المستعمر تشغل الناس، قلق مبهم يرين على أجواء العيد وإحساس بافتقاد الأمان يطل من عيون الصغار. لم نكن ندرك كنه ما يحدث حولنا تماما، ودفق الحياة في قلوبنا الصغيرة يؤرجحنا على أقواس قزح.

كنت قد أضعت قرطيّ الذهبيين قبل أيام من العيد، فوعدتني أمي بتعويضهما في العيد، ولم تستطع الوفاء بوعدها، فقد أجل والدي تلبية طلبي إلى عيد آخر.

وفى والديّ بوعدهما في عيد آخر، لكنني وعيت أن حبتي تراب من وطن حر ضيعه لهو الكبار أغلى من قرطين ذهبيين ضيعهما لهو الصغار.

D 25 تشرين الأول (أكتوبر) 2015     A هدى أبو غنيمة     C 9 تعليقات

5 مشاركة منتدى