نازك ضمرة - الولايات المتحدة

قــرع

خالد ضمرةأتوق لفنونها وفهمها للحياة والحب، لكنني سأكون أمينا في نقل ما سمعته منها قدر استطاعتي، خاطبتني في إعياء:

"أثق بك يا فتاي، أراك إنسانا مختلفا كثيرا عمن التصقت، وأجد نفسي عاجزة عن فهم هذا الالتصاق، فأنت آخرهم، لذا أريدك أن تكتب سيرتي مطولة إن استطعت"، وناولتني ورقة.

"سيدتي تهمني أموري وأفكاري، ومسئوليات أسرتي، والأرض، وأنت ممن يعيشون على هذه الأرض".

"ألا تعدني أن تفعل ما طلبت؟"

"سأحاول"؛ وانطفأ مصباحها وطال الغياب.

بقيت بعدها أحن إلى لمساتها، وإلى كفاءتها في العزف على أوتار أعصابي، تحلق بروحي إلى سماواتها، كنت كلما بعثرتني الهموم، تذروني الرياح لبابها، وها أنا اليوم أفرد ورقة كتبتها بنفسها، ووفاء بوعدي لها، وحسب طلبها.

مزعج وعنيد ذلك القرع، يسبب لي الكثير من الضيق، بدأت أحس بالتعب، أطلت الوقوف أمام المرآة، مرآتي أنا، أين علبتي الذهبية القديمة؟ ليست من الذهب الخالص، لكنها مطلية بلون الذهب، لا أنسى أنني اشتريتها من إيطاليا حين زرتها للمرة الثالثة، لامعة مغوية كأيام زمان، أحب مداعبتها فتحاً وإقفالاً وتأملاً، أتحسسها بحنان كلما فتحتها.

والعمر؟ كنت أظنه طويلاًّ. كثيرون يقولون لي إنني عشت كثيراً، ورأيت كثيراً، لكن؟ أما أنا؟ آآه! ذلك العمر الذي يتحدثون عنه ويصفون، برغم مرور ثمانين عاماً على ولادتي، ولنقل إنها ستون عاماً من وعيي وإدراكي لمتطلبات عقلي التي لا نهاية لها، تلك السنوات الستون لم تتح لي الوقت الكافي حتى لقول كل ما أريد، فكيف بالأفعال أو التصرفات، وكل ما يخطر بالبال؟ ولا حتى التعلم الكافي.

هذا القرع يشعرني بحصار يضيّق الخناق عليّ، فلمن أبوح؟ ولمن أعتذر؟ عن عصبيتي على الأقل، محاولة الصدق تذلني. أحسّ أنني في قفص اتهام، هل تفيدني الثقة بالنفس؟ أأصدق عقلي أم أتماهى مع مرآتي؟ ولماذا لا أطلب منها المستحيل: تكلمي؛ أنطقي أيتها المنظرة الخرساء؛ أعيدي عرض تلك المرأة المشاغبة المثيرة للجدل، إنها كلها هنا في هذا الرأس.

بثقة وأمل ظلت تخطو، تلك التي كانت لعوباً، لكنها لم تكن رخيصة، تحب روح الشباب، تجذبهم وتعذبهم، ومع هذا يواصلون محاولاتهم، بعضهم يحب السهل، وآخرون كثيرون تغريهم الصعوبات. ما أسرع الإنسان بالشك والطمع! أكان ذلك عبثاً أو طاقة فائضة كانت مختزن؟

كان لدي الكثير من تلك الطاقة لمن يستحق وما زلت، أحاول سحب الكرسي الذي يحتل أفضل المواقع في البيت، صامداً صامتا وبإصرار، وكأني أسمع نداءه متحرقا لاحتضاني، لسنوات لا أستطيع حصرها، أثبت نفسي فوقه هذه اللحظة بصعوبة بالغة، علّ جسدي على الأقل يستريح وحواسي.

لكم شهد هذا المقعد ما علا فوق ساقي، حين كنت أضع قدمي عليه، أو اقتعده، هنا، أمام مرآتي العتيدة، تعزيني ذكريات متراكمة وتعذبني، قبل أيام قلائل نسوة واجهنني بقولهن: "إنني لا أشيخ".

تغمرني هذه اللحظة أحاسيس نشوة وقوة غريبة، تقسو عظامي وتشتد مفاصلي، يتململ في جسدي عزم الشباب، وفي عضلاتي بعض من قواها القديمة، كيف الوصول إليه؟ نعم إليه؟، وأمور كثيرة أخرى تشغل بالي.

تتجول أناملي المتصلبة نوعا ما، بحركات متعثرة، تتفقد أماكن معينة، طيف قشعريرة، أوشك على الانتفاض، حتى علبتي الذهبية تنتفض، أسميها (الذهبية) حتى لو لم تكن مصنوعة من الذهب الخالص، لكنها وعلى الأقل كانت ذهبية، لأنها رافقت عمري الذهبي، حين كنت في العشرينات والثلاثينات والأربعينات وحتى الخمسينات من عمري الذي يدعون إنه طويل، تتوق لمن يفتحها، أٌقلب القلائد والهدايا والتكريمات التي منحت لي، لهذا الجسد، كان صارخاً ضاجاً بالحياة والقوة والأمل، أعجب كل من اقترب منه أو جذبه، أثارت غيرة النساء، تتناسق مع جسدي والحركات، بائسات، ورجال بؤساء.

كل الرجال، حسب اعتقادي، أكثرهم واهمون، يظنون أنهم يفهموننا، المرأة رقم صعب، معادلة لا يمكن حلها ويصعب تحليلها، قد يجد رجل أو معالج مدخلاً ما، لكنه بعيد عن معرفة التركيبة الكاملة.

كانت لي حكاية قصيرة أو طويلة مع كل من مروا هنا، حولي هنا في هذا البيت العتيد، وعلبتي ومرآتي التي أتسمر عندهما هذه اللحظة، لكم حرصت على تكاثر كنوز علبتي، لكن مرآتي وعلبتي أصبحتا عبئاً ثقيلا على روحي وعقلي، لا تنفعان في سنوات الجدب، بؤساً لك يا مرآتي، إنك بلا ذاكرة، لماذا لم تحفظي صوري وطلاتي الماضيات؟

أتجنب النظر في وجهك العابس، ايتها الصامدة المتجمدة، ما أسخف وجودك مرآتي وبرودك، قاسية في عرض التقوسات المرتبكة، أغيثيني ولو بجزء بسيط من ذلك الماضي. الهذا الحد تحرصين على حاضري؟ وما هو مستقبلك؟ ذرور من حياة في أعماقك، أرض غير مجدبة، أين تشكيلات هذا الجسد ومحاسنه لعقود ما قبل الستينات؟

أيتها المرآة الخرساء، عرفت الكثير الكثير عن تفاصيل هذا الجسد، لكنك خبيثة حسود ناكرة ماكرة، قصص لها أول لكنها بلا آخر، وأنا لا أريد لها آخر.

يتوارد إلى مسامعي قرع من كل اتجاه، إنه قرع، قرع يثير العديد من التساؤلات، أؤكد أنه كان قصيراً جداً، وماذا تعني لي الأعوام الثمانون التي عشتها حتى الآن؟ فرحت كثيراً وحزنت أكثر، لكم حلقت في سماء الإغراء، فراشة تتنقل من زهرة إلى زهرة، تقطف الرحيق البكر قبل الأخريات، لكنها مرآتي اليوم مثل الزمان تتشفى بي، تسخر مني وتشوه خلقتي.

فاشلة أنا إذن، ودليل فشلي وحدتي في هذا البيت المتخم بالتحف، جميل كل ما تقع عليه الأنظار، تحف وهدايا وفازات وأثاث وأنوار ونجف وتماثيل من مواد ثمينة أو نادرة، ثم ما فائدة كل ذلك مع خلوّ كياني من القوى التي تلزمني لتحقيق مآربي. أتمدّد وحيدة ً على الذكريات هذه اللحظة.

بكامل زينتي كنت، مدعوة في ليلة سمر وسهر، نظرت من علٍ هناك، قدم لي أحدهم زهرة، عانقت أنفي، ثم بدت ناضرة بعدها تتلألأ على هذا الصدر، أعجب بها مجنون ثمل، اقترب بأنفه وشمّها، أثنى عليها، ربما هو الذي أتى بها، قبل ثلاثين عاما، صرت تسمعين تلميحات، (ما زالت أعجوبة حتى وفي سن الخمسين) وماذا أقول وقد نوّف عمري على الثمانين؟ يتواصل القرع على الباب، أي باب؟ إنني أنتظر، مرآتي وبيتي حصار عمري ودنياي.

تمر أمامي هذه اللحظة لقائي الأول معه، رثيت لحاله المسكين، كم كان يثير شفقتي، مع أنني كنت مرتبكة، تعرّق الحييّ، ليتني أدرك سرّ رابعة العدوية ولغتها، وما عبرت به عما كانت تحسّ، أقلب محتويات علبتي كالعادة، احتار في اختيار العقد أو القرط أو المدلاة، كثيرات متزاحمات في ظلام هذه العلبة التي تخالف كينونتي، خارجها مشرق وجميل، لكن داخلها الظلام، أما هنا فخارجها ظلام وجواها ثمر ناضج وآهات أمنيات.

لجلج المسكين وتلعثم مرات عدة، يضع كتابه جانباً، ويحتضن يدي اليسرى ويقبلها طويلا، يبقيها لثوان على فمه، لاحظت مقدار حرجه الذي طال، كدت أصيح فيه: وماذا بعد؟ وما خطوتك التالية، آه إنها شفاهي الراقصة المجنونة كانت تحترق بجمر الحلم لحظتها! بعدها سماني معبودته، وصار يحسب ألف حساب للقائي، ويخترع الكثير من الحجج لاستقبالي بخطط جديدة. كم ألهبتني حرائقكِ!

حتى مع وجود أقنعة ثقيلة، يمنعني القرع أن أتطرّق إلى الآثار في أماكن أخرى.

مزعج ولئيم، لم تعد بي طاقة على احتمال هذا القرع، ومتواصل، يؤذي أذنيّ أولاً، لكنه اليباب في فكري والذاكرة، مسامير مسننة لولبيا تحفر في أعماقي، تتسارع في اختراقي مسرعة أحيانا وتتباطأ في أحيان أخرى، أو أنها دقات قلبي المضطربة، والأذى حاصل لا محالة، حتى وأصابعي المجعدة وهي تحتضن علبتي الذهبية، لا تجد العزم الكافي لفتحها، فتتراجع الرغبة عن فتحها.

كان قرعاً خفيفاً في البداية، بل برنين مموسق كأنه عزف آلات لم اخبرها من قبل، راقص أعصابي وهو يتخللني مرات متقطعة، ثم أصبحت رناته طويلة متكررة، طارق عنيد طويل، أهو خلف الباب؟ لا أريد أن يزعجني أحد وأنا في إسار المرآة، أتمنى لو أبقى هادئة، لا أريد أن يشاركني النظر أحد، أحاول الاندساس عبر أضلاع صدري، كل العالم من حولي غائب إلا هو، ذكراه، وحده، ليت العالم كله ينساني و خاصة أولئك الفضوليات، لعلي أفكر وأنام وأصحو وأعبث على هواي حتى الجنون.

يجعلني أندم أحياناً، إلا أنّه جزء من كياني، بل هو أنا كلِّي التي بدأت أخشاني أحياناً، وأفتخر بما أنجزت في أوقات أخرى، إن أتيحت لي فرصة أخرى فسأروي المزيد من الحكايات عن جنوني وعبثي، أرى في المرآة صدراً مبسطاً مترهلا، ترفع أصابعي الهزيلة شيئاً من جهتين.

أي سرّ وأي إصرار يكمن وراء هذا الرنين المتلاحق في إصرار عنيد، والمتقطع أحيانا، ليت القارع اكتفى بوضع أصبعه على كبسة الجرس في الخارج، اقترب أيها المتخاذلّ، أقترب جداً لتزعجني هنا، تقدم واسندني، لعلني أحس بتراخ وهدوء أعصاب، ما الذي يتسلط عليّ لسرقة نبضي وكنوزي، ثم التبخر على جناح نحلة، بعد أن تقرصني، أجد نفسي أتقلّى بعدها، منشغلةً في التنكر مع أعماق مرآتي، في فترة ما أردت أن أشبع راحة في عالمي بعيداً عن أعين الحاقدين والمارقين، ولكن إنى لهذا الجسد أن يرتاح؟ كنت أقول بعدي فليكن الطوفان.

آلام تجتاجني وهزال يعيقني، أضطر للانحناء ثم الاضطجاع، أركز كوعي على وسادة عالية بجانبي، أواجه مرآتي ومقعد تسريحتي، سأحاول أن أركز رأسي بين كفتيّ لأريح عيني ورأسي، إنها رقبتي الطويلة نوعا ما، كنت أسمعهم يقولون عنها (العالية)، آآه لكم زهوت بها! أتهرب الآن من النظر إلى أعصاب رقبتي البارزة، والجلد فائض من كل اتجاه، وشبه شفاف، أوعية دم جلية للعين قرب سطح الأديم، لا أنكر جهلي في نواحٍ كثيرة في الحياة. آلاف المرات فتحت علبتي وتأملتها، جربت محتوياتها، أتأمل كل حلية بها على هذا الجسد الثمانيني، الروح له، الغائب أين اختفى؟ عمري في عرف الناس طال.

يثير القرع في مفاصلي رهبة وفي شفاهي تحسساً، أندم كثيراً على فرص خسرت بها وجولات، توقفي أيتها الأفكار الهادمة الهازمة؛ مرآتي كانت تنذهل وترقص حين أتجلى لها، كانت تأسرني بسحرها الذي لا يدركه أحد سواي، امرأة المرآة تلك، غابت كعشاء الأمس، ألم أقل إن حياتي كانت قصيرة جداً ؟

لكنّ الدوي المتواصل والقرع يفرض عليّ أن أفعل أشياء أخرى غير النوم والاستسلام، لم أعد أقوى على الصمود أمام هذا القرع المزعج من كل باب، لحاح لا أقوى على احتماله، بودّي أن أفعل الكثير، فهل أهرب للأمام أو للخلف، أو أواصل الجمود أمام هذه المرآة الخرساء، لعلها تنقلني إلى حيث أريد.

أتشبث بتلك الوردة الجافة، لم يبق منها إلا رائحة خفيفة، لا يحس بها أحد سواي، لم يعد لي رغبة في مقابلة أحد سواه، لا بالترحاب ولا بلباس غير لائق كما أنا عليه الآن في حضرة مرآتي، أحسّ بحاجة لعون ما، لكنه الكبرياء، هل من يدلني كيف أنسى ذلك القرع العنيد؟


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3367762

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC