فنار عبد الغني - لبنان

المنتظــر


فنار عبد الغنيكنّا ننتظره بوجل، تجول أبصارنا بحثا عن شيء يعلمنا بدنوه منا، ننصت بكثير من الرهبة لندرك أقل حركة ترشدنا إلى حضوره.

كنّا ننتظره ولا نعلم لحضوره المتوقع وقتا. هو لا يأتي في أوقات معلومة، هو الخارق لكل المواعيد والحسابات، هو لا يجري عليه الزمان. أرهقت أبصارنا من انتظاره، لكننا بقينا ننتظره، ننتظره ونحن على يقين من أنه سيأتي بغتة ودون أن يشعرنا بحضوره.

كنّا ننتظره ونحن نخشى رؤيته ونجهل صورته وهيئته، بينما هو يدرك صورنا وهيئاتنا، ويعلم الوقت المحدد للقائنا.

إن التفكير بلقائه يثير الرهبة في النفوس. رهبة عظيمة تكبر وتتضاعف كلما شعرنا بدنوه منا. لو كنّا نعلم الشيء اليسير عن أوصافه أو عن وقت حضوره إلينا ليصطحبنا معه فرادى إلى حيث لا ندري؛ لو كنّا نعلم شيئا عن ذلك لعرفنا ربما كيف سنواجه الموقف أو على الأقل لكنّا بذلنا جهودا نفسية ومادية تمكننا من الاستعداد للمواجهة الأكثر صعوبة على قلب أي إنسان.

كنّا ننتظره فحسب. كل منّا ينتظره. كل واحد منّا يخفي أو لا يريد الاعتراف في قرارة نفسه بالحقيقة الصعبة. كل واحد منّا يحاول أن يبعد عن نفسه شبح التفكير بهذه الحقيقة: حقيقة الانتظار الأكثر قسوة على القلب. يحاول كل واحد منّا أن يشغل نفسه بالعمل المضني أو إنفاق ما تبقى من الوقت في البحث عن متع الحياة والغرق فيها، لكن قليل من الناس يواصلون التفكير بحقيقة الانتظار، فمنهم من ينتظر وكأنه يعيش مسجونا في نفق طويل مكتظ بأعداد هائلة من الناس، الذين يصطفون خلف بعضهم البعض، ولا أحد منهم يعرف الآخر، ولا يعرفون أيضا كم يزداد عددهم يوما بعد يوم، ويجهلون إلى أين ذهب من يختفي منهم؟

أمّا البعض الآخر من المنتظرين وهم الفئة الأقل عددا، فينتظرونه بصبر، وقد أعدوا العدة لانتظاره، ينتظرونه دون خوف ودون حزن، ينتظرونه بسكينة، ينتظرونه ليصطحبهم إلى حيث يحبون.

لكن المنتظر هل ينتظرنا؟ وبماذا يشعر في حال انتظاره؟

لا أعتقد أنه ينتظر أي شيء أو أي أحد، فهو دائم العمل. المنتظر يملك قائمة طويلة جدا، ربما هي أطول قائمة في الكون، قائمة كتبت فيها أسماؤنا وأماكن تواجدنا والأوقات التي يجب أن يحضر فيها إلينا لينجز مهمته. لا بد أنّه يحفظ كل القائمة جيدا، وهذا أمر مؤكد، يبرهنه عمله الذي ينفذه بدقة متناهية.

المنتظر لا يعيقه عائق، يتمتع بقوى خارقة، فهو يخترق البروج المشيدة والغواصات المحصنة والمراكب الفضائية. هو لا يصعب عليه شيء حتى أهوال الطبيعة والحوادث الكونية التي تثبت قدراته العجيبة. دائما يحضر في الوقت المحدد، وعند حضوره لا يستطيع أي أحد مهما أوتي من قوة أن يستقدم ساعة أو يستأخرها.

يحضر المنتظر ويدخل دون استئذان ودون أن يقرع الأبواب، ويتخذ مكانا عاليا، يليق بمقامه الرفيع، ويبدأ بالتحليق أمام من آتى إليه، ويشرع البصر بتتبعه وهو يحلق على مقربة منه، ويبدأ من حان موعد لقائه يحادث نفسه هل رآه حقا؟ لكنه لا يستغرق في تساؤلاته، لأن المنتظر يكون قد بدأ عمله كعادته بنزع الحياة من الساقين، وبكل هدوء تغدو الأطراف باردة كالثلج، وتختفي قوة الجسم، ويتراخى كليا، ويضيق النفس، ويسكت الدماغ ويليه القلب ويخرج النفس الأخير ويبلغ الحلقوم، وتشخص الأبصار، وتنكشف عنها الحجب، فتصبح كالحديد ،وترى المنتظر بشخصه الكريم ، لكنها تعجز عن الكلام والوصف بعد قبض المنتظر على السر المقدس.

ويبتعد المنتظر بعد أن ينجز عمله، وينتقل بسرعة تتجاوز سرعة البرق إلى اسم آخر في مكان آخر وموعد آخر، فالقائمة لديه طويلة جدا، وتنتظره أعمال لا يحصيها إلا من له الدوام.

D 24 شباط (فبراير) 2016     A فنار عبد الغني     C 14 تعليقات

10 مشاركة منتدى

  • نص رائع بل مذهل نص واقعي /رائعة يا معلمتي و الله يحسن ختامنا يا رب


  • روعه كاتبتنا الرائعة فنار والى مزيد من التألق والتميز. دمتي بخير.


  • الله يرزقنا حسن الختام كلام رائع يدخل القلب ويغمر العيون بالدموع فنحن ننتظره لنذهب معه إلى الحياة إلى الحقيقة ....أتمنى لك معلمتي الحبيبة ومثلي الأعلى المزيد من التقدم والإبداع ♡♡♡


  • عزيزتي فنار
    شكرا لبوحك من القلب. الموت أو المنتظر سيزورنا جميعا بلا استثناء، نخافه رغم علمنا أنه الحقيقة الوحيدة، وسنحبه لو أيقنا أنه الممر إلى الحياة الأبدية الأجمل، حيث لا حزن، لا فراق، ولادموع.
    محبتي لك.


    • السلام عليكم ورحمة
      اختي الحبيبة ايناس
      تحياتي لك اولا،المنتظر هو الممر الوحيد لحياة منتظرة أبدية، خالدة الجمال، بدا لي من خلال نصك الرائع والغزير المعاني، أننا التقينا بأفكارنا، وهذا ليس بالامر الغريب، فالارواح جنود مجندة.
      لك مني كل التقدير يا غاليتي.

  • لا عليه،سيدة فنار فالموت نداوي به الاوجاع والماسي التي تحل بنا وتطول طيلة الحياة.وصدق أبو القاسم الشابي حين قال:"جف سحر الحياة يا قلبي الباكي فهيا نجرب الموت هيا".
    ولكن ،المنتظر يخافه الجميع مهما تفلسفنا. واقرئي هعي هذا البيت الرائع لشاعركم،عذرا لشاعرنا جميعا ،اليا ابو ماضي حين يقول:
    "اودى فنور الفرقدين ضئيل وعلى المنازل رهبة وذهول خلق الاسى في قلب من جهل الاسى قول المخبر مات رفائيل."وأكثر من هذا ألم يقل فكتور هيجو"souffrir que mourir c’est la devise des hommes."
    حقا سيدتي نص جميل جميل جميل، والمنتظر هو الوحيد الذي يملأ عين ابن ادم.
    بارك الله فيك على هذا الضمير الحي.


    • السلام عليكم ورحمة الله
      تحياتي اخي الكريم يوسف
      في انتظاره يقظة: يقظة للروح ويقظة للقلب،ويقظة للنفس من غفلتها،أعتقد اننا بحاجة حقيقية لعيش هذا الانتظار بكل معانيه.ومما لاشك فيه انه مخيف لكنه يحمل الراحة لمن ينتظره ليمنحه السكينة بعد الالم المستمر وبعد القهر،أنا على ثقة بأنه أرحم من كل ما تقابله ضحايا الحروب والقهرالمستمرمن مذلة وعذاب .
      نسأل المولى الرحمة الدائمة.
      واعتذر لتأخري بالرد.

  • الللهم احسن ختامنا..
    نص رائع و موفق ؛ أتمنى لك معلمتي الفاضلة دوام التوفيق و النجاح..♥♥


  • الجزء1التوفيق في اختيار العنوان، يجر الذات من ذائقتها إلى البحث بين أفناء النص المميز، لعل المرء يروي ظمأه فيما ينتظر ذات فرصة تسعف إلى العبور إلى العمق بعيدا في اتجاه السلام والأمن المادي والمعنوي" ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار". وها أنا قد وصلت إلى النص الممتع متلهفا على انتظاراتي، مثل ما أنتج انتظارا ته الإعلامي المغربي القدير محمد مشبال في 70 القرن الماضي بالتلفزة الاسبانية، الذي أخذ على انتظارا ته الجائزة الأولى، فكان انتظار التلميذ نتيجة الامتحان بين حسرات وابتسامات، ثم انتظار القبول في سلك الوظيفة بين الإيمان والكفر آية أخرى، ثم انتظار أول لقاء مع النصف المكمل


  • الجزء2: واليوم أختنا الكريمة تجعلنا وجه لوجه مع الانتظار الأكبر، ما ذا أعددنا له؟ المنتظر يعمل عمله كما جاء في النص، ولا ينتظر أحدا سواء تلك الكثرة الغافلة عن عمله، أو تلك القلة التي تأمل خيرا في زيارته ذات وقت غير محدد. أمدتنا الأخت بحقيقة ذات شوط بعيد، فهل نعتبر؟ والنفوس تطيح بجوارنا ذات اليمين وذات الشمال. شكرا جزيلا أختاه على الموعظة البليغة بالأدب الرفيع في صحيفتنا المميزة عود الند، وشتان بين وردة تنفث اريجها بين المشارق والمغارب. وبين مدخنة تنفث سمها في الأركان ! سلامي.


    • السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
      اخي الكريم
      لك جزيل الشكر على القراءة العميقة للافكار والنقد الغني بالجمال،
      لقد أكرمتني بكلماتك ووضحت أيضا ماكنت ارنو اليه.وأرجو من الله أن تترك قصتي أثراً طيباً وعبر في نفوس القراء،وأعتقد ان هناك من شعر بالخوف والرهبة ولم يكمل القصة، أنا تأثرت جداً عندما قرأت كلماتك،لك من كل التقدير، فهذا الموقف لا يصدر الامن مفكر عظيم وأعتذر لتأخري بالرد.أرجو أن تسامحني
      شكرامجددا.

  • لاينتظره احد الا من يعيش معه.هناك بلاد و اشخاص يخافونه وهناك اناس لايذكرونه .في العراق وسوريا وفلسطين هم لاينتظرونه فقد اصبح بمصطلحهم "من اهل البيت " هو واحد منا و بيننا و من الممكن ان يصطحبنا في اي لحظة فهل نحن في حالة انتظار ام استسلام لوجوده الحتمي ؟


    • السلام عليكم ورحمة الله
      تحياتي اختنا الكريمة
      صدقت لا ينتظره احد الا من يعيش معه.و الغافلون عن انتظاره لايمكن حصرعدده ، هو بالطبع خارج حساباتهم.
      انا برأيي المتواضع،نحن - اقصد من ننتظره- ننتظره ونحن في انتظاره نعيش حالة استسلام للقائه الحتمي. واعتقد ان هناك اشخاص ينتظرنه بفارغ الصبر لانه سبيلهم لحياة افضل.
      اشكرك وأعتذر لتأخري.سامحيني.

في العدد نفسه

كلمة العدد 117: الصحافة والإنترنت: نهاية العصر الورقي؟

وداعا أنيس البرغوثي

الرحيل

فراشة

فتنة الضوء

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  هدية لعود الند

2.  شخصيّة معلّم الحكمة في روايتي "مرداد" و"اليوم الأخير" لميخائيل نعيمة

3.  هدية لعود الند

4.  عن لوحة الغلاف

5.  طيف لينا


القائمة البريدية