عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 
أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 60-120 » السنة 6: 60-71 » العدد 63 » نصوص » نَهَمٌ في ليلةِ الدّخْلة

إبراهيم يوسف - لبنان

نَهَمٌ في ليلةِ الدّخْلة


منذ البداية كنتُ يا صديقتي واثقاً من إحساسكِ المرهف، ومن مشاعرك النبيلة، فلا يصحُّ للنسيمِ العليل أن يتعاملَ معكِ إلاّ بحرصٍ شديد، لكي لا ينالَ من رقّتكِ، فيجرحَكِ أو يخدُشَ كبرياءَكِ ويؤذيكِ. أنتِ إبنةُ البراري والطبيعة البكر، من يتعاطى معكِ كأنما يتعاطى مع فراشة تزهو بها أزهارُ الحقول، أو كنحلة تُدافعُ عن نفسِها وقتَ الخطر، تلسعُ فتلفظ أحشاءَها وتموت.

وأنا يا صديقتي، أضِنُّ بما يسيءُ إلى رِقَّتك ويُدْمي صداقتنا، بل يُدْمي "حُبَّنا". أنتِ غاليتي وثروةُ عمرٍ ساقتْها ليَ الأقدار، فلن أتنازلَ عنها أو أفرطَ فيها مهما كانتْ دواعي الفرقةِ، وأسبابِ الاختلاف. لكنَّ الحساسية المفرطة في مقاربةِ الأمور، هي المفاجأةُ الجديدة التي بلغتني منكِ منذ أيام. فهل يكفي يا صديقتي أن أعتذرَ إليكِ عن فظاظتي، وخيبتي في فطنتي وتقديري؟

تحملني خواطري يا صديقتي إلى ليلةٍ بعينِها، ونحن نلبِّي دعوةً على العشاء، حَرَّمْتُ لاحِقاً مثيلاتِها على نفسي. كانتْ واحِدَةً من ليالي هارون الرشيد، لمناسبةِ عرسٍ ميمون، طالما انتظرَهُ عشراتُ المئآتِ من المدعويين مِمَّنِ اختارَهُم أهلُ العروسين طبقاً لقناعاتِهم، التي يتحكمُ في مفاصلِها الغباءُ والمال. بعضُ المدعوين من الاغتراب حملتْهم طائرةٌ خاصة.

كنّا على طاولةِ أهلِ العروس، وكانتِ الساعةُ تجاوزت الحادية عشرة، عندما انتقلَ المدعوون إلى "البوفيه"، سُفْرَةٌ غنيّةٌ بأشهى وأفخرِ أصنافِ الطعام. أمُّ العروس بتواضعٍ شديد ليستْ بعيدةً كثيراً عن محيطي العائليّ "الكريم". جلستْ إلى جانبي أكرمَها ربُّها وأطالَ في عمرِها، وزادَ في مالِها وصحَّتِها، وأعادَها إلينا من غربتِها في بلادِ "السُّود"، سالمةً من كلِّ سوء.

كانتِ الدعوةُ إلى "هارون الرشيد": قصرٌ قديمٌ أعدَّه أصحابُهُ خصيصاً للأفراح، يقعُ على الطريقِ الساحلية بين بيروت أمِّ الشرائع، وصور القلعةُ البحريَّة التي قاومتِ الإسكندرَ الكبير، وحملتِ الحرفَ إلى الإغريق. خصَّصوا لنا طاولةً بالقربِ من شلالٍ يُضفي على المكانِ مناخاً مُنْعشاً. تتهاوى منهُ مياهٌ ملونةٌ تُفْرحُ القلبَ وتحمِلُ البهجةَ للعين، سحراً شرقياً قلَّ نظيرُهُ في غيرِ مكان. في مقصفِ الأفراح ليس بعيداً منا، يتألقُ العروسان على مقعدينِ مزدانينِ بالشرائطِ الملونةِ وباقاتِ الورود، وشموعٍ كثيرة، كأنَّها مناسبةُ "الخبزِ والخمر في القربانةِ الأولى".

ما لفتَني في تلكَ الليلة الجليلة، إقبالُ العريسِ على طعامٍ كأنَّهُ خائفٌ أن يفوتَهُ قبلَ أن ينتهي الاحتفال، أو كأنهُ دفعَ ثمنَهُ وينبغي أن لا يبقى منهُ ما يضيعُ على جيبِهِ وبطنِه. أكلَ بنهمٍ لا يُوصف، ونوَّعَ في الأطعمة مرات، فلم يَتْرُكْ صنفاً يغيبُ عن صَحنِه: من الكبابِ إلى الكفتة إلى شطائرِ اللحمةِ والسمك والدَّجاج والحمص بطحينة، "فالقريدس" والمعجنات المختلفة، ولم يقصِّرْ مع الشاورما "والكافيار"، بالأضافة إلى الفواكهِ "والكاتو"، والكثيرِ من المشروباتِ الغازية، لعلها تساعدُهُ أن يهضمَ ما أكلَ، أو ينفجر. أستميحكِ عذراً يا صديقتي على خسِّتي في هذا الوصفِ الدَّنيء، لكنّهُ وصفٌ عادلُ ودقيق.

أهلُ العروس "عاشتْ بهم أوطانُهم" ناءَتْ أجسادُهم برؤوسٍ فارغة أثقلها المال. جُنَّ جنونُهم في بادرة فريدة، فرابطوا على الطريق الخارجية المحاذية للفندق، يستوقفون سياراتِ المارة، يلِحُّون على رُكّابها بالدخول والمشاركة في الطعام والشراب. حتى سروال العريس كانَ لهُ نصيبٌ من الوليمة العامرة.

لم تكنْ تعنيني الخفَّةُ والبراعة، في لعبةِ السيفِ والترس، أو ما أطلقوهُ من الحمامِ الأبيض، وفرقة الرقصِ الشعبيّ في زيِّ الجواري لم تحرِّضني، حينما رَقَصَتْ على نغم "حَنِّ الحَدِيْدْ". ولا أثارت اهتمامي المفرقعاتُ النارية، وقد أضاءتْ سماءَ الفندقِ والجوار بألفِ شكلٍ ولون، وعشرات "الكاميرات" بأذرعٍ عملاقة، تجوبُ كلَّ زاويةٍ في الحفل وتسجِّلُ أدقّ التفاصيل. لم يكنْ يعنيني الغناء، وهزُّ الخصرِ؛ أو لَيُّ القِوام. لا التخمةُ كانتْ تعنيني ولا الجوعُ، ولا يعنيني العدلُ والظلمُ في جنباتِ الأرض، أو مسكوكاتٍ ذهبيَّة أُعِدَّتْ خِصيصاً للمناسبة الكريمة. كنتُ حياديّاً إزاءَ الهدرِ والتقتير، أو الخللِ في توزيعِ ثرواتِ الأرضِ على أصحابِها.

كان هَمِّي ينحصرُ فحسب في حالِ العريس، في ليلتِهِ وحلمِ حياتِهِ. ألهبتْ خيالي هذه الكتلةُ المفزعةُ الضخمة. تتجردُ وتفوحُ منها رائحةُ المال وزنخةُ القصَّابين، تتدَحْرَجُ وتلقي نفسَها في حقلٍ منَ الخُزامى، أو حوضٍ من النّسْرين. نسيتُ نفسي؛ أعوذُ بالله من شرِّ الشيطان الرجيم. وقادَني خيالي إلى البعيدِ البعيد، فتلاشى في أذني صوتُ الطبلِ وغابتْ عني أحلى المواويل.

أمُّ العروس "كرَّمَ اللهُ وجهَها" ردَّتني إلى إدراكي وهي تسألُني رأي بالعرسِ والعروسين. طمأنتُ بالها وقلتُ لها: العرسُ ما شاءَ الله وشِئْتُم، من أعراسِ العمرِ النادرة التي يُؤرَّخُ لها بحق. والعريس يا رعاهُ الله! أكلَ بشهيةٍ تُخزي العين؛ تكادُ تفيضُ عن حاجةِ فريقينِ من لاعبي كرةِ القدم. طمأنتُها على أحوالِهِ وقلتُ لها مازحاً، وكلُّ مزاحٍ في الأعراسِ مقبول: لو انَّ شهيتَهُ على النساءِ كشهيتِهِ على الطعام، فالنعيمُ وسعادةُ الجنّة تنتظرُ ابنتها.

لكنني ما كنتُ أخشاهُ في سرِّي أن يتجشأ العريسُ بصوتٍ مسموع بُخارَ "البَسْطُرْما" والبَصَل من فمِهِ وبطنِه، وهو في أحضانِ العروس، ثمَّ يتداعى على الجنسِ كما تهالكَ على الطعام، وفي أواخر الليل يملأ بشخيرهِ الدنيا ليوقظ بلا جدوى، ثورةً على الفقر والظلم والجهل والجوع. سامحيني يا صديقتي مرةً أخرى على خيبتي وخِسَّتي، وعقم هذا الوصفِ الدنيء.

أمُّ العروس أسعدَ اللهُ مساءَها بالخير مرَّةً أخرى، لم تقصِّرْ أيضاً، فقد أعدَّتْ لنفسِها صحناً مُنَوَّعاً أو "جاطاً" كبيراً كالبيدر، ثم عَجِزَتْ على بدانتِها أن تستهلكَ رُبْعَه، فأمَرَتِ النادلَ أن يرفعَهُ عنِ الطاولة ليستبدِلَهُ بصحنٍ فارغ. بقيَ فارغاً أمامَها حتى رفعَهُ النادلُ مرةً أخرى في نهايةِ الاحتفال " كغصنٍ من الزعرور" (1)، هكذا عقَّدَني العريسُ وَطبَعَتْني أمُّ العروس. لعلي لهذا السبب يا صديقتي قلتُ لكِ ما قلت. أنا شديد الأسف ونادمٌ على ما فعلت، فلو تراءى لي لحظةً واحدة، أنك تشبهينَ العريس أو أم العروس "لكتمتُ" أنفاسكِ فأرحتكِ من الدُّنيا ومن هذا العذابِ اللعين.

وبعد، أرجو ونحن في رمضان أن تصدقيني القول: ألا يوحي لكِ منظرُ من يأكل ويتلمَّظُ بعد الإفطار وقد انتهى من تناولِ الحلويات "كالقطايف" بالجوزِ والجبنة، ثمَّ يتمدَّدُ مقابلَ التلفاز على "كنبةٍ" تتّسعُ لثلاثة أشخاص، يُتابعُ مُسلسلاً فاشلاً عن محمود درويش، يضعُ أريكةً تحت قدميهِ، يرفعُهما للراحة إلى الأعلى، ووسادةً وراءَ ظهرهِ لمزيد من الراحة، وأخرى تحتَ مرفقيه للمتعة والكسل، ألا يوحي لك هذا المشهد بمن تهالكَ على الطعام، وخسِرَ جزءاً مما ابتغى لنفسهِ من ثوابِ العبادة والصوم؟

أمَّا أنا يا عزيزتي فلستُ "طوباوياً" ويعنيني الطعام، ولو أنَّهُ يُرْهِقُني أحياناً؛ فأجدُهُ فرْضاً لازماً، وعبئاً أقومُ به مرتينِ في اليوم. لكنني لا أكتمُكِ أنني أرْغَبُ في أصنافِ السمكِ المُدَخّن "كالسلمون"، ما أكلناهُ معاً في دعوتك الكريمة. وأحِبُّ أنواعَ الجبنةِ وعصير المانغا والبوظة. ضعيفٌ أيضاً يا صديقتي أمامَ الشوكولا والمرأة والتدخين. ولكنني لم أكن يوماً كأُمِّ العروس، أو على مذهب صهرها المحروس.

=====

(1) التعبير للكاتب اللبناني الراحل: سعيد تقي الدين.

D 25 آب (أغسطس) 2011     A إبراهيم يوسف     C 12 تعليقات

12 مشاركة منتدى

  • أبدعت يا إبراهيم في الوصف الدقيق بلغة جميلة راقية. والمقابلة بين نهم العريس ونهم الصائم مقابلة رائعة جداً، وأصابت الهدف، وإن كنا نظن بربنا خيراً: أن يحاسبنا على الصوم وحده، وعلى الأكل وحده.
    استمتعت جداً بقراءة النص، واعترف بأن الكاتب نجح في استدراجي حتى النهاية غير المتوقعة التي كانت مفاجأة!


  • موسى أبو رياش_ الأردن

    كُنْ جَميلاً.. تَرَ الوجودَ جميلا
    شعرتُ بالخجل من نفسي، لإطرائك الكريم
    شهادتك من دواعي اعتزازي
    شكراً جزيلاً.. أنتَ أخي وصديقي


  • ألهبت خيالي هذه الكتله المفزعه الضخمه,تتجرد وتفوح منها رائحه المال وزنخه القصابين ,تتدحرج وتلقي نفسها في حقل من الخزامى أو حوض من النسرين ,نسيت نفسي وأعوذ بالله من شر الشيطان ا لرجيم,وقادني خيالي إلى البعيد البعيد,فتلاشى في أذني صوت الطبل وغابت عني أحلى المواويل.

    مبروك عليك ياصديقي أحلى الكلام.مبروك عليك بحق هذه الطلاوه,وهذا التعبير البديع ,وشكرآ على هذا المخزون من المفردات الخصبه التي صغتها وأحسنت سبكها, ألشكر الأخير على العبره الهادفه بالإشاره إلى التخمه في الصوم الفضيل..كل عام وأنت بخير


  • ألسيدة هدى قمحية
    نابلس _ فلسطين
    شكراً لكِ مرةً أخرى، على ملاحظتِك وفطنتك في الإشارة إلى هذه الفقرة بالذات، لأنني بحق أحسستُ بالرضى وأن أكتبها، وشكراً جزيلاً سيِّدتي الكريمة على اهتمامِك.. أنا مدينٌ للياقتِك وتعليقاتك على الدوام، وكلُّ عام وأنتم بخير.


  • هذا هو حالنا الذي نبكيه ونداوم عليه في كل مناسبة، لا شيء يتغير، ولا حلول تطرح، أشكرك أستاذنا الفاضل على النص الممتع الجميل، والقلم الصادق، ولكني أستغرب من ذكر هارون الرشيد، عند وصف ليالي البذخ والترف واللهو!
    أنا أعرف أن هارون الرشيد أهدى ساعة مائية عجيبة ( لشارلمان )كتبت عنها المراجع الأجنبية، أي أنه ملك كان يدعم التطور العلمي و التقني وبلاده كانت رائدة في هذا المجال. أريد تسمية بلد عربي واحد رائد في أي مجال اليوم! 
    وأعرف أنه أيضا كتب لملك الروم ( من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، والجواب ما تراه دون أن تسمعه، والسلام) أريد حاكما يقول مثل ذلك حتى وإن لم ينفذ ما يقول!
    هارون الرشيد برأي الشخصي يذكر عند وصف التقدم والرقي والشجاعة والإقدام. 
    أما اللهو والبذخ فأعتقد أن النماذج المعاصرة تكفي للإستشهاد بها. 
    سلمت يمناك أستاذي، وشكرا على نصك بل نصوصك الرائعة، لو أن عود الند قمر نراه كل شهر فكلمات إبراهيم يوسف سنا ذلك القمر. 
    عيد فطر مبارك استاذي


  • أشواق مليباري- السعودية

    صلاحُ أمْرِكَ للأخلاقِ مَرْجعُهُ فَقّوِّمِ النَفْسَ بالأخلاقِ تَسْتَقِمِ
    وَالنَفسُ مِن خَيرِها في خَيرِ عافِيَةٍ وَالنَفسُ مِن شَرِّها في مَرتَعٍ وَخِمِ

    سيعجبكِ كلامي هذه المرة يا عزيزتي أشواق، حينما يأتي الحلُ من "نهج البردة"، ومن التربية الحسنة تحملُ معها وعداً بمستقبلٍ مشرق، يسود فيه الوعي وتتبدل المفاهيم الخاطئة.. أنا واثقٌ يا عزيزتي أن جيلَ أولادكِ سيأتي بالحلول، ما دُمْتِ أمّاً واعية تحسنين غرسَ البذور.. كما كان الحال مع "الخيزران" وابنها "هارون".

    لعلَّ الصدفة خدمتِ العباسيين كثيراً ليأتي في عهدهم، أبو تمام وأبو العتاهية والبحتري والمتنبي والشريف الرضي وأبو العلاء المعري وأبو نواس.. وغيرهم الكثير من العلماء والشعراء يُحْدِثون نهضة شاملة في الأدب والعلوم المختلفة والتقدم والعمران.. نهضة قلَّ نظيرُها، ودولة مترامية الأطراف، يقولُ الرشيد للغيمة فيها تَمُرُّ في السماء: إذهبي حيثما شئتِ فلن تمطري إلاّ في أرضي..! هذه النهضة تعني فيما تعنيه ألرخاء والبحبوحة والعيش الرغيد"كما كان الحال في الأندلس" وكلها بابٌ من أبواب الترف، الذي لايخلو من "المفاسد" التي امتدَّتْ وعصفت بالدولة وزلزلت أركانَها في عهد الأمين والمأمون.. حينما انطلق جيش المأمون من خرسان "كما يحدث اليوم"، فيقصفُ بغداد ويدمرها ويقتل الأمين ويحملُ رأسه لأخيه.. عهدُ الأخوين للأسف كان عهداً شديد الإلتباس، فشلَ بعضُ المصلحين الصادقين ومنهم أبو الحسن علي الرضى في رأب وترميم الخلل في إدارة الدولة.

    ولا تخبريني عن "شارلمان"..! فهناك ما هو أشد منه وأدهى، والعهدة دائماً على الراوي بأن الملك الفرنسي لويس الرابع عشر اغتسل ثلاث مرات في حياته كلها، وكان يعتبر القمل "دُرَرَ الرأس" (Louis XIV n’a pris que 3 salles de bains dans toute sa vie) في بعض صور" الكاريكتور من كتاب أجنبي اثنان من الحاشية يدفعانه قَسْراً باتجا المغطس ليغتسل بالإكراه. لكن العبرة يا صديقتي ليست في الماضي.. إنما العبرة في الحاضر والمستقبل.. كل عام وأنتم بخير.


  • نهم في ليلة الدخلة
    إبراهيم يوسف – لبنان
    ألا يوحي كلامك يا صديقي وكأنك تحسد السيدة على مالها؟ ولماذا تلبي دعوة يتحكم في مفاصلها المال والغباء كما تقول؟ أليس قبول الدعوة إدانة لك وحجة عليك؟ ثم لماذا لم تأتِ على ذكر العروس مرة واحدة؟ هل لأن خيالك شط بك إلى البعيد البعيد، وأين ينتهي هذا البعيد؟ أخيراً متى توزعت ثروات الأرض على أصحابها بالعدل؟
    مع خالص محبتي وتقديري.


  • هل رأيت جائعاً كيف يأكل طعامه ؟ بنفس الطريقة . يقضم و يتناثر الطعام من فمه و يلتهم اكبر كمية ممكنة لماذا نسامحه و نشمئز من الاخر ؟ هل لان الاخر غني فقط ؟ لماذا اصبحنا مرآة لروايات و افلام السينما التي دوماً تسب الغني و تطلع فيه كل اخطاء الدنيا .الا يشخر الفقير ؟ الا يضرب زوجته ؟ الا يخرج من فمه وهو يتجشأ رائحة الفلافل ؟ الا يهين موظفو الدرجة الاخيرة زوجاتهم ؟ نادرا ما اقرا عن غني يحترم زوجته و يحبها و يدللها و لايخونها (كما هو المعتاد مع سكرتيرته في الافلام) مع اني اعايشهم على ارض الواقع و اجد من بينهم الصالح و الطالح فلماذا دوما نصم الغني بكل العبر؟ ثم من قال ان عروسنا هذه حقل ياسمين ؟ فقط لانها ربما تكون افقر منه ؟ ربما. لو كانت ثرية لصورتها بمتسلطة و ثرثارة صالونات و.....بالمناسبة ...انا موظفة و من طبقة متوسطة .


  • ألأخ حسن يوسف.
    لم أتغيَّرْ يا عزيزي ولم أزلْ كما عرفْتَني، لا أبيعُ غبائي للسيدة ولو بمالِ الأرض، وأخذتُ عهداً على نفسي بألاَّ أشاركَ في عرسٍ أو حفلٍ مماثل، ولم أنَصِّبْ نفسي يوماً قَيِّماً يوزعُ أسهمَ العدالةِ في الأرض.. ألله يسامحك ويعفو عنكَ وعنِّي، ويعفو عن الجميع.. يبدو أن خيالك الخصب تجاوزَ خيالي بأشواط.. شكراً لكَ على كل حال، (وأنا سعيدٌ حقاً لنجاح "كمال" وحصوله على المنحة)، مبروك لكم جميعاً، وكل عام وأنتم بخير.. سنلتقي قريباً بعون الله.


  • ألسيِّدة هدى الدهان- العراق.

    أجل يا سيدتي رأيتُ كثيراً من الجياع في العالم.. نفسي واجهتُ الجوعَ في فترات متفاوتِة من حياتي.. وأعرفُ جيداً سلطانَ المال، وسطوته على المحرومين، وما يعنيه الحرمانُ من القوتِ، في أبسطِ حقٍّ من حقوق البشر..! ربما لهذا السبب أنا متسامحٌ أو متجاوزٌ نَهَمَ الفقير، أشفق على الغنيَّ المُتْخَم الذي لا يُشْبعُهُ إلاّ تراب الأرض..!؟ "فما جاعَ فقيرٌ في جنباتِ الأرضِ.. إلاَّ وكان على الجانبِ الآخر غنيٌّ لا يشبع".. ألحمدُ والشكرُ لله أننا من طبقة مستورة الحال.

    لو كان الغنيُّ يخافُ الله..؟ يقدِّرُ قيمةَ النِّعْمَة ويحترمُ حقَّ الناس، معتدلاً ومتواضِعاً، لما تَحَرَّشْتُ به أو "شتمتُهُ" على الإطلاق..! أنا أعرفُ جيداً أن ألقيمةَ الحقيقية هي للإنسان، فقيراً كان أو غنياً، يضربُ زوجتَهُ ويخونُها.. أو يمدحُ جمالَ الكحلِ في عينيها ويعبُدُها.

    إن كنتِ تشيرين إلى التساوي في النَّهَم بين غنيٍّ وفقير..؟ فلا يمكنني أن أخالفكِ الرأي.. لكنَّ الحالة التي واكبتُها يا سيِّدَتي، كانت تطالُ ثرِيَّاً اخْتَلسَ أموالَ ((العبيد))..!! أستميحُكِ عذراً على هذا التعبير الوضيع.. وأؤكدُ لكِ أنني سألومُ، أو أنتقدُ في الحد الأدنى فقيراً إذا أخطأ..!

    أما العروس فليست فقيرة كما تراءى لكِ. أنا أعرفُها جيداً، وأعرفُ أن روضَها مليءٌ بِوَرْدٍ أصَّلَهُ اللهُ فيها، فأتى خالياً من الأشواك..!

    وبعد يا سيدتي الكريمة.. أنتِ دقيقة الملاحظة، بهية الحضور وتستحقين الاحترامَ والتقديرٍ.. وتعرفين بلا شك أنَّ المهانة للضعيف.. وأنَّ الحق للظالم على المظلوم، وأن البشر مع الغنيٍّ من الناس دون الفقير، ومع القويِّ دونَ الضّعيف ، وأنَّ التخمة تستوطنُ " سِرْجِيْناً " في كروشِ الأثرياء، والجوعُ مقيمٌ في بطون المحرومين.. يشهدُ على صحَّةِ ما أقول، تلك الهياكل البشرية، التي يُحَوِّمُ الذبابُ حولها، التي نراها في نشراتِ الأخبار، حيث تبرزُ عظامُها، وتجحظ عيونُها، وتنتفخُ بطونُها، وتتلاشى حركاتها، كأنها تُشْبِهُ الأطفال..! ألجوعُ يا سيدتي بلا هوية أو نسب.


  • نهم في ليلة الدخلة: ابرهيم يوسف

    لطالما آذاني منظر أولئك الأطفال، فوليت وجهي ناحية أخرى، وتوقفت عن الطعام، وأنا أرى مأساة البشر تنحصرُ في هؤلاء الأطفال، الذين أشرت إليهم في ردك على الأستاذة هدى الدهان. لا أدري كيف تكون الحلول؟ فحتى المنظمات الإنسانية لم تفعل من أجلهم الشيء الكثير!


  • ألحل الأبسط، أن تقاسميهم ما تأكلين.. "هيك ما بتعودي تْغِصِّي أو تخجلي منهم".