فنار عبد الغني - لبنان

أعتذر من غراديفا


فنار عبد الغنيلا زلت أبحث عن غراديفا. أبحث عنها بحرقة تكتويني، ورغم الكدر الذي أشعر به كلما ارتسمت صورة وجهها الأخيرة وهي تهرب مني، فإنني عازمة على البحث عنها بدأب لأقدم لها خالص اعتذاراتي.

أتخيل بصدق الموقف الذي سيجمعني بها عندما سأجدها. سوف أخفض رأسي المثقل بالخجل منها، سوف أذرف دموعا غزيرة ومكتومة، وأتصور أن صوتي سوف يغوص في ذاتي، ولن يجرأ على الخروج وحمل أي كلمة أو همسة.

لا أذكر أنني عشت موقفا مشابها، يعتصر كلي الخجل. ولكي لا أحمل نفسي فوق طاقتها، أوتـتحول ذكراها إلى سجن يعتقل عقلي ويمنعني من التركيز ويعرقل تقدمي.

فكرت أن أحرر خطابا يحمل كل كلمات الاعتذار لها، وأحفظه بعد ذلك في حقيبتي، وأبدله كلما قمت بتبديل أي حقيبة، وأسلمه لها في حال حالفني الحظ وعثرت عليها.

مضت سنوات طويلة وأنا أبحث عنها، لم أبرر يوما لنفسي ما اقترفته بحقها. أنا أخطأت. لا أنا لم ارتكب خطيئة عادية بل اقترفت ذنبا تتعاظم آثاره على قلبي، وكلما امتد الوقت وجهودي بالبحث عنها لم تثمر إلا حنظلا ينمو في داخلي ويتراكم.

كنت أفكر بطرق تخفف عن قلبي حمل أوزاره، فجاءت فكرة كتابة قصة عنها، وفتح باب النقاش، وترك الحكم عليّ لكل قارئ لقصتي معها. فهل سيجدني القارئ مذنبة؟ وهل نلت ما أستحقه من عقاب؟ وماذا أستحق من عقاب برأي القارئ؟ وكيف سيتصرف كل قارئ في حال حدثت هذه القصة معه؟

غراديفا ليس اسمها الحقيقي. هو اسم ابتدعته لها، فأنا لا أذكر اسمها. ولا أذكر أن تلك الفتاة السمراء الجذابة، المتوسطة الطول، ذات الوجه الباحث عن شيء يفتقده أو عن أشياء لم تحدث بعد، وذات العينين العسليتين، اللتين تغالبان الدمع كما تغالب سفينة متمردة العواصف الهوجاء وسط اليم قد ذكرت اسمها أمام احد من طلاب المعهد.

قد يكون اسمها زينب أو هاجر أو أي أسم آخر مشابه. لا أعتقد أنها تحمل أسم رنا أو عبير أو رهف، لا أدري ما اسمها الحقيقي الذي تحمله في شهادة ميلادها، لكن من المؤكد أنها تحمل اسما يليق بشخصيتها، فكل اسم يعكس معناه على حامله، وأنا لم أجد اسما يليق بها سوى اسم غراديفا.

وأنا بنفسي لم أعرف اسم غراديفا إلا بعد قراءتي لكتاب "الهذيان والأحلام في الفن" لفرويد، الذي يتناول فيه تحليل قصة "غراديفا" للكاتب الألماني فلهلم جينسن (*).

وإذا تسنى لأحد القراء قراءة قصة غراديفا وقصتي هذه، سوف يجد أن هناك خيوطا عديدة تربط بين البطلة الخيالية وبين الفتاة الهيفاء التي أمضيت زمنا بالبحث عنها، والتي أطلقت عليها هذا الاسم الذي يعني: تلك التي تتقدم.

عندما تعرفت على غراديفا، كنت قد أنهيت لتوي المرحلة الثانوية، والتحقت بمعهد يدرس اللغة الإنكليزية. كانت الدروس قد بدأت، وأذكر أن عدد طلاب الصف لم يتجاوز الأربعة. وبفضل غراديفا تمكنت من استدراك ما فاتني من دروس، فهي الوحيدة التي مدت لي يد العون وأعارتني دفترها.

لم تتحدث غراديفا عن نفسها أبدا، وأنا بدوري لم أسألها عن أي شيء لا يتعلق بالدروس. لاحظت أنها تحب الجلوس وحيدة وحزينة، وأنها تتجنب مصادقة الآخرين، فما كان مني إلا احترام صمتها وحزنها.

غراديفا ليست من مخيمنا، قدمت من مخيم أشد فقرا من مخيمنا وأقل أمنا. لاحظت ذلك من ألوان ثيابها الرثة والمحتشمة. لاحظت أنها تتميز عن جميع من أعرفهم من اللاجئين الذين يسكنون المخيمات أو المدن، بحركة مثيرة للانتباه، تمشي ولا تلتفت إلى الخلف. هذا التصرف يستحق التحليل، كنت قد اختزنته لسنوات في ذهني ولم استطع تفسيره إلا بعد أن درست الفلسفة وعلم النفس.

كانت غراديفا محجبة، ترتدي تنورة طويلة جدا،تغطي حذاءها بالكامل، تبلغ الأرض المشققة الموحلة. كانت تمشي رويدا رويدا، ولا تلتفت لأحد. لكن مشيتها لم تكن سوية، بدا لي أنها تعاني من مرض في ساقها.

كانت تحرص على القدوم باكرا إلى المعهد، وتجلس في ركنها المعتاد، لا تحدث أحدا لكي لا يحدثها أحد. كانت تنتظر انصراف جميع الطلبة لتخرج إلى الشارع وتمشي ببطء، تمشي ووجهها إلى الإمام دائما.

لم جذبتني تصرفاتها التي تبدو لغيري وكأنها أمور بسيطة، تحدث وتتكرر،ولا مجال للشك فيها؟ لم اسأل غراديفا عن أي شيء، كنت أحترم صمتها وحزنها. وهي لاحظت ذلك أيضا، فكانت تبادلني نظرات الحنان والمودة والثقة.

غراديفاذات يوم، هممت بالنزول إلى الأرض لالتقاط قلم وقع مني، فرأيت حذاء غراديفا الغريب، ويبدو أن غراديفا قد قرأت ملامح وجهي الممتقع على أثر المشهد ودون وعي مني، ويبدو أنها كانت تقرأ أفكاري، وأنا لم أنظر إلى وجهها في تلك اللحظة، واستغرقت في التحليل، وبقيت أسأل نفسي: لم عساها تنتعل حذاء بفردتين مختلفتين؟ هل يعود الأمر للفقر المدقع؟هل قامت إحدى المحسنات بالتصدق عليها بفردتين مختلفين؟ أم ضاعت فردة إحدى الحذائين فاضطرت إلى فعل ذلك؟

وتابعت أسأل نفسي طيلة الوقت عن فردة الحذاء الغريبة والتي لا تشبه أحذية الفقراء ولا تنتمي لعالم أصحاب الدخل المحدود أو المتوسط؟ ثم ربطت بين مشيتها الغير سوية وبين الحذاء المختلف، فقادتني ظنوني بأنه ربما يكون حذاء طبيا. حنت مني التفاتة نحوها،فوجدتها تنظر إلى خوفي واضطرابي بخوف أشد واضطراب أكثر فهالني الأمر.

في اليوم التالي، غابت غراديفا. وفي اليوم الذي تلاه أيضا، واستمرت بالغياب. كان غيابها ملفتا للانتباه. هل هو غياب أم انسحاب أم فرار؟ وأتذكر الآن قول عمر رضي الله عنه وأرضاه: "أفر من قضاء الله إلى قدر الله". هي كانت مجبرة على الفرار؟ ولكن مما تفر؟

أثار غيابها أو فرارها التساؤلات في الصف، بضع كلمات فرت مني دن قصد قلت بشيء من الخوف: "هي مريضة، لقد شاهدت رجلها المحروقة"، هكذا قلت بالحرف الواحد.

إحدى الفضوليات ذهبت إلى الإدارة وحصلت على عنوانها وقامت بزيارتها وأخبرتها بكل كلمة قلتها عنها. وبعدها لم نر وجه غراديفا أبدا.

علمت من تلك الفضولية التي وشت بي أن الفتاة الغائبة هي يتيمة، فقدت ذويها خلال إحدى الحروب ونتيجة غارة جوية على بيوت المخيم المهترئة القصديرية، وفقدت أيضا إحدى قدميها بالكامل، ولم يتبق لها إلا أخ واحد دفعته ظروف الحياة للسفر وتركها عند أحد الأقرباء.

غادرتنا غراديفا التي تنظر إلى الأمام. رحلت بسبب اكتشافي لسرها. هي أرادت أن تحيا حياة كريمة، رحلت عنا لتنجو بنفسها من نظرة الشفقة، خشيت أن يقال عنها عاجزة،أو معاقة، وربما خافت أن يبدأ الناس بالتصدق عليها بأشياء بخسة يرغبون بالتخلص منها، أو ربما أرادت العائلة التي تنزل عندها استغلال عجزها وتسجيل اسمها لدى إحدى الجمعيات التي تساعد الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، أوالعائلات التي ترسل زكاة أموالها من خارج البلاد، أو ربما لأسباب أجهلها.

أعتقد أنها استمرت بالتقدم، ربما هي الآن في أوروبا الشمالية التي استقبلت العديد من اللاجئين، وربما عادت من حيث جاءت: أنقاض مخيمها.

وأنا لم أجد وسيلة أعتذار أفضل من كتابة قصة عنها، وأرجو أن تسامحني، وتعلم أنني نادمة على فعلتي، وأنني أكن كل الاحترام لمن يحمل روح غراديفا المتقدمة، التي تصر على أن تحيا بكرامة.

= = =

(1) Wilhelm Jensen

D 23 نيسان (أبريل) 2016     A فنار عبد الغني     C 10 تعليقات

7 مشاركة منتدى

  • أتمنى لتلك الفتاة حياة كريمة وسعيدة أينما كانت
    كان يجب عليها أن تتحلى بالشجاعة وتواصل ما بدأت به وإصابة رجلها ليس لها ذنب بها وعلى الإنسان أن يخجل من أخطاء قام بها وليس عن أمور خارجة عن إرادته
    وأما بالنسبة لقصتك فهي مليئة بالتشويق والاثارة ومراجعة النفس لبعض المواقف مر بها قارئ سطورك.
    دمت بخير


  • من أيّ أبواب الثّناء سندخل وبأي أبيات القصيد نعبر، وفي كلّ لمسة من جودكم وأكفكم للمكرمات أسطر، كنت كسحابة معطاءة سقت الأرض فاخضرّت، كنت ولازلت كالنّخلة الشّامخة تعطي بلا حدود، فجزاك عنّا أفضل ما جزى العاملين المخلصين، وبارك الله لك وأسعدك أينما حطّت بك الرّحال.


  • روعة قلبك وحنيته الفائقة تنبعث من خلال كلماتك المتجلية التي لمع صداها في أعماق نفسي. قصة رائعة وسامية تعبر عن مدى إحساسك العظيم بالناس حولك وعن تحملك مسؤولية الإنسانية. أنت رمز للإنسانية آنستي. لا أراك مذنبة البتة بل إن الفتاة ظلمها المجتمع وأعطاها وهرة الخوف حتى ضعفت وباتت تنسحب في كل صراع. إنه حال مجتمعنا الفاشل، فلا بأس عليك. هوني عليك فالأقدار مكتوبة.


  • قصه إنسانية رائعة ﻻمست ثنايا قلبي. طريقة سردك للأحداث عزيزتي فنار جعلتني أشعر بألم يلامس الواقع على بطلة قصتك. مع تمنياتي لك بالتوفيق، ونحن بانتظار جديدك إن شاء الله.


  • اشتغل سيجموند فرويد على رواية غراديفيا في محاولة منه لتطبيق مذهبه في التحليل النفسي الذي يُنَزِّلُ الأعمالَ التَّخيُّليةَ (كالقصة والرواية) منزلةَ الأحلام في دلالاتها على المكبوتات وارتباطها بالمرض النفسي وإمكانية توظيفها في الكشف عن أسبابه وسُبُل العلاج منه.

    وبالتالي فتح فرويد باب ممارسة التحليل النفسي لشخصيات القصة بقواعده الممارسة على الشخصيات الواقعية. غير أن هذه النظرية في ارتباطها بالأدب لم تلق ترحيبا في أوساط نقاد الأدب، على اعتبار أن الشخصية في العمل الإبداعي هي غيرُها في عالم الواقع، فالأولى شخصية متخَيَّلَة (من ورق)، بينما الثانية من لحم ودم كما ذهب إليه رولان بارث إن لم تخني الذاكرة.

    في السياق المتقدم تندرج شخصية غراديفيا في رواية ينسن، وهو اسم أطلقه عالِمُ آثارٍ على نسخة صنعها لتمثال امرأة تطأ برجلها اليسرى الأرضَ، بينما تلامسُهُ أطراف أصابع يمناها (انظر الصورة المرفقة بالنص).

    أُغرِمَ عالم الآثار بغراديفيا ومشيتها، وأصبح يخاطبها كما لو كانت شخصية حقيقية، ودخل معها في حوارات شَفَّتْ عن اختلاط الوهم لديه بالحقيقة، حتى إنه في بعض الفترات أصبح مهووسا بالبحث عنها، غير مصدق أنها مجرد شبح، .إلخ

    يستحضر نص الأخت فنار صورة التمثال وشخصية غراديفيا/الشبح، ويتقاطع بالأخص مع طريقة مشيتها التي تُذَكِّرُ بمشية غراديفيا إلى الأمام وهي تلامس الأرض برجل، وتكاد ترتفع عنها بالرجل الأخرى، وكذا في الهوس بالبحث عنها بعد غيابها كما لو كانت شبحا ظهر، ثم اختفى.

    غير أن النص حمل قيما جديدة تمحورت حول الإحساس الحاد بالكرامة، وعدم القبول بالشفقة التي تقود نحو الشعور بالدونية، في مقابل انتباه "الساردة" إلى الألم الذي تسببت فيه نظرتُها إلى عيبٍ بقدم غراديفيا، وبالتالي انْضَاف الإحساسُ بالذنب إلى محوري الكرامة ومهانة الإشفاق، وانبثقت رغبتها في التخلص من عذاب الضمير عبر البحث عن غراديفيا والاعتذار إليها.

    تلكم باختصار بعض الملاحظات التي حضرتني وأنا أقرأ النص الذي أضْفَتْ عليه الكاتبة لمسات جمالية في بُعْدِه الإنساني، وأبت إلا أن تُشْرِكَ قراءها في مناقشته والتفكير فيه، فإليها أوجه التحية، وإلى كل من ساهم في إثراء موضوعها.


    • الاخ محمد علي حيدر
      تحية طيبة
      اسعدتني كلماتك، أشرق النص وأغتنى بتعليقك الكريم.أنا أعتقد أن الحقائق في بعض الاحيان قد تكون أغرب من الخيال، وكل شخصية هي مزيج من مكونات عديدة، منها ماهو اجتماعي ومنها ماهو موروث أو مكتسب، وتستحق بعض الشخصيات التي تلعب ادوار البطولة أن نبحث عنها، لانها باعتقادي هي مزيج مركب من أفراد واقعيين ومن بنات أفكار الكتّاب وتجاربهم.
      وشكرا لتحليلك المميز لقصتي.أسعدك الله.

  • عزيزتي فنار تحية طيبة لك ولنصك الثري لا تعتذري من غراديفا فقد أوفيتها حقها وقدمت لها أجمل اعتذار بنصك الجميل الذي حمل طبقات من المعرفة فيها ظلال بجماليون وفرويد وغيره من الذين أضافوا رؤاهم وتمثلاتهم .غراديفا توارت عن ناظريك وغاصت في لا وعيك تحت وطأة الشعور بالذنب ,لتتألق من جديد في نصك .دمت بخير.


    • أستاذتنا العزيزة هدى
      تحياتي
      هي بالفعل قد غاصت في لاوعيي، وكانت القصة بمثابة اعتذار لها، وليتها تبلغها قصتي لاتحرر من وطأة الضمير.أنا أتخيلهاوهي تمشي في شوارع فارغة تتقدم للامام وتشيح بوجهها عن كل الناس.أنا أعذرهاولكني سعيدة بأنها تتمتع بشعور حاد بالكرامة لان هذا ما تبقى للانسان الضحية في عالم القهر، نعمة عليه التمسك بها. شكرا جزيلا على نبلك ورقيك ودمت لنا بخير.

  • نصك هو أرق، ألطف، أجمل، وأصدق اعتذار لفعل لم تقصديه.
    سعيدة جدا بمشاعرك الطيبة الصادقة، وروحك الوديعة التي انبثق منها نص رقيق حمل اسم غراديفا.
    نجاح نصك هو نجاح لي يا صديقتي المخلصة فنار.
    لكِ كامل الود والاحترام.


في العدد نفسه

كلمة العدد 120: عود الند تكمل 10 أعوام

ريادة شعر الإحياء: بين الأمير عبد القادر والبارودي

محمود سامي البارودي والشعر

شبح الفكرة

هـمـوم الـورد

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  وثيقة: قرار الأمم المتحدة 194

2.  كلمة العدد الفصلي 12: التقدم التقني والبطالة والعولمة الكاذبة

3.  خبر ومقالة عن توقف المجد عن الصدور

4.  من التعليق إلى الكتابة

5.  عدد جديد من مجلة البوتقة