عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 
أنت في : الغلاف » الأعداد الفصلية » العدد الفصلي 5: صيف 2017 » حنين: زهرة الياسمين

وسام أبو حلتم - الأردن

حنين: زهرة الياسمين


تجولت بالقرب من مكتبتي وأنا أقرأ أسماء الكتب التي تحتويها، فصادفت عيناي ديوان "أمواج الخليج" لمنتهى الشيخ حسين، الذي استعرته من حنين، وقبل أن أرجعه لها فرقتنا السنين.

حنين فتاة بعمر الزهور؛ تملك من العمر خمسة عشر عاما. أذكر يوم أتت إلى مدرستي الثانوية بصحبة والدها الذي أراه كل صباح عندما يحضرها إلى باب المدرسة بسيارته البيضاء.

كانت حنين كزهرة الياسمين. لم تر الشمس يوما. نمت وتبرعمت في حضن أبويها. لم يسمحا لها بالخروج واللعب بعيدا عن جفنيهما، وهذا كان السبب في حرق بتلاتها ما أن وضعوها تحت أشعة شمس الحياة القاسية.

تقربنا من بعضنا وتبادلنا الأشرطة الموسيقية ودفاتر المذكرات، وكان ديوان "أمواج الخليج" واحدا من تلك التبادلات.

أذكر تقاسيم وجهها. ولا زلت أسمع تغاريد ضحكاتها. وبدأت دائرة الصديقات تتسع أكثر فأكثر. لكني اكتشفت حقيقة مشاعرهن وخبث نواياهن عندما بدأت أتعرف إليهن عن قرب، وباتت رائحة الأخلاق العفنة تـنبعث في أرجاء المكان، بداية من السب والشتم إلى شرب السجائر في حمامات المدرسة، فكان هذا أول درس أتلقاه في اكتشاف فن ارتداء أقنعة الدين والأخلاق، وأنّ ليس كل ما يلمع ذهبا.

ابتعدت عنهن بعد أن سرقت إحداهن نقودي ودفتر مذكراتي وبعض الخواطر التي نالت إعجابي، فكتبتها حنين على كمبيوترها وطبعتها وأهدتني إياها.

بعد أن اختارتني معلماتي لأن أكون في مجلس الطلبة كوني قدوة الصف، أصبحت حنين تجلس في المقعد المقابل لمقعدي بعد أن كانت تجلس بجواري. وبعد بضعة أيام سمعت أنها تحادث شابا اسمه طارق في العشرين من عمره يعيش تحت جناح والده الذي يعطيه المصروف مقابل جلوسه في مكان عمله.

ذهبت للتحدث معها مرارا كمحاولة مني لردعها عمّا تقبل عليه من خطر وشر، لكن محاولاتي باءت بالفشل.

في أحد الأيام طلبت مني معلمتي حنان أن اجلس على المقعد القريب من طاولتها كي نتشارك الرسم، فسمعت من بين الهمز واللمز الذي كان يدور خلفي أن مع حنين هاتفا خلويا، وأن الطالبات يتوالين على استعارته منها ليهاتفن أصدقاءهن.

ورغم سلطتي كوني في مجلس الطلبة، لم أعرّضها للاستجواب الإداري لأنها أخلّت بقواعد النظام المدرسي؛ وليتني فعلت.

كنت على يقين أن الزهرة الخجولة النقية التي بداخلها ترفض وتقاتل حتى تتخلص من كل الزيف والنفاق الذي يحوم حولها كغراب أسود مشؤوم يحاول قطفها. مرت أيام على غيابها، وأصبح مقعدها يشكو غربتها. كان خاويا من الحياة.

وبينما كنت أمارس الرسم مع معلمتي حنان كما اعتدنا دائما، إذ بمعلمتي أميرة تأتي من الإدارة وهي عابسة الوجه مغمومة الخاطر. جلست بجانب معلمتي حنان وقالت لها بصوت منخفض إن حنين حاولت الانتحار وهي الآن بمستشفى قصر شبيب.

تباطأ نبض قلبي عن الخفقان. وسرعان ما أسعفني تذكري لكلمة "حاولت" إذا هي لم تمت وما زال قلبها طالبا للحياة.

عندما عدت إلى منزلي، أخذت هاتفي على وجه السرعة وطلبت رقم منزلها. ردّت أمها التي لم أحبها يوما، والتي لم أرها أيضا، لكن القلوب تكره وتحب قبل العين أحيانا. وعندما عرفت أني من صديقات حنين، أغلقت الهاتف وكأن ملاك الموت من يحادثها.

امرأة مريضة على سريرفي اليوم التالي ذهبت إلى المستشفى بعد أن أنهيت دوامي المدرسي برفقة طالبات أخريات. دخلنا إلى غرفتها بعد أن سألنا الممرضة عن رقم غرفتها، كانت حنين ممددة على سريرها وشقيقتها الكبرى تجلس على مقربة منها والصمت ثالثهما. هذا الصمت الذي يبوح بأسئلة تعجز الألسن عن البوح بها.

لماذا فعلت ذلك؟ هي الفتاة التي جميع طلباتها مستجابة والتي لا ينقصها شيء سوى بعض الحرية وبعض التجارب التي تمر بها أي فتاة بعمرنا بعيدا عن الخوف المبالغ فيه من قبل الأهل، والتي أدت إلى نتائج عكسية في أفكار حنين ومفهومها لمعنى الحرية.

استقبلتنا بابتسامة مسروقة وإشارة لنا بالصمت. لم تكن قادرة على الإجابة عن أي أسئلة أمام شقيقتها، فعدنا أدراجنا بعد أن تأكدنا من أنها بخير وبصحة جيدة.

عدت يومها وأنا سعيدة لأن حنين عادت إلى طبيعتها وأن السحابة السوداء المليئة بثاني أكسيد الخبث والزيف قد انقشعت من فوق زهرة الياسمين خاصتي.

انتقلت حنين إلى مدرسة أخرى دون علمنا ودون حتى أن نراها ولم نعد قادرين على الاتصال بها، فما أن يعلم أحد من أهلها أننا صديقاتها يسارع إلى إغلاق الخط.

بعد شهر وربما إثنين صادفتها في السوق وهي برفقة امرأة أظن أنها أمها، وأردت أن أذهب إليهما لأتكلم معها وأطمأن عليها، لكن الجموع حالت بيني وبينها.

اختفت حنين يومها من خارطة وطني ومن بين أرقام هاتفي ومن دفتر مذكراتي الذي سرقته إحدى الفتيات، وبقي ديوان "أمواج الخليج" هو الشاهد الوحيد والذكرى الوحيدة التي تعيد إليّ ضحكاتها وحياءها وشذى عطرها البريء وطيبة قلبها.

= = =

عود الند تبدأ عامها 12

D 28 أيار (مايو) 2017     A وسام أبو حلتم     C 9 تعليقات

4 مشاركة منتدى

  • مباركة قصتك الجميلة " حنين: زهرة الياسمين " أستاذة وسام

    عدتِ بي إلى الوراء حيث مدرستي الثانوية وعالمها الذي يتوسط مرحلتي الطفولة والجامعة.

    ذاك العالم الذي يعدو كمرحلة تشكل ما سنكون عليه مستقبلاً، تطرقت إليها بمنتهى السلاسة والعمق معاً دونما الدخول في تفاصيل قد تشتت تفكير القارىء.

    دام حرفك متألقاً، والأجمل أن يتألق في " عود الند " الأبية.

    تحياتي أختي الكريمة، موفقة دائماً، وكل عام وأنتِ والأسرة الكريمة بخير وكل الرضا والسعادة.
    منى الحضري


  • أهنئك على هذه القصة الجميلة والرائعة أستاذة وسام. إنها، وبلا شك، توقظ ذكريات في ذهن كل من يقرؤها. وأهنئك أكثر على أسلوبك العذب في السرد وكلماتك المنتقاة بعناية وذوق جعلني أتمنى أن لا تنتهي القصة.تمنياتي الخالصة لك بالمزيد والمزيد من التألق والإبداع..وتمنياتي بالتوفيق ودوام النجاح لهذه المجلة المفيدة والقيمة. Minar raya


  • على نهج أدب السيرة الذاتية التي تنطلق عادة من الشأن الخاص للراوي ثم تتشعب وتروي حدثا ما للكاتب علاقة حميمية به ،سارت القاصة وسام أبو حلتم واثبتت أن هذا للنوع من الأب هو فن الحكاية حيث نجحت في شد القارئ إلى نسيج القصة من البداية الى آخر حرف وجعلته يتطلع في شوق إلى ما ستؤول إليه نهاية كل شخصية من النص وخاصة الشخصية المحورية التي اختارت لها من الأسماء ما يختزل كل المشاعر التي كتبت بها وسام أبو حلتم نصها .فالكاتبة طرف رئيسي في الأحداث وهذا لم يمنعها من أن تصور دواخل النفسيات بكل دقة وموضوعية ،حتى نخالها احيانا ليست طرفا فاعلا في تلك الأحداث وأحيانا أخرى تندمج فتبدو آثار الدموع بين الحروف دون جهد منا فالبراعة في اختيار المفردات المؤدية والمعبرة عن الإحساس ظاهرة وبارزة جدا .
    نجحت كذلك الكاتبة في التبليغ دون أن تحتاج إلى التكرار والتلكأ واختزلت أسلوبها التكثيفي عددا من السنوات في سطور محددة اغنتنا عن البحث خارج النص عن ملامح الإبداع في القص القصير لأن كل الملامح والجينات المخضبة موجودة هنا ،موجودة في الحنين ،في الغيمات المزهرة التي سرعان ما تتلبد وتضمحل في وجع وحزن .


    • حنين بذرة تكبر بداخلنا وتشتاق إلى كل ما هو جميل وطاهر في ما مضى.
      قصصت ما كتبت وأنا أعيش مخاض ذاكرتي بذكرى الحنين إلى ياسمين الطفولة وإلى رغبة بإصال رسالة أعتبرها نصيحة من سنوات مراهقتي وبداية نضوجي لكل أسرة تحكم قبضتها على بناتها فقد أصبح الوأد في أيامنا ليس بدفنهم تحت التراب ولكن بالخوف والحرص المبالغ به أصبح بكبت الحريات وقتل أحلامهن إما بزواج مبكر أو بعدم ترك المجال لهن للتعليم واكتشاف دواخل ذاتهن.
      راق لي ما كتبت وأشكرك جزيل الشكر لمرورك بي أستاذة نورس
      محبتي لك والورود.

  • ومتى رأينا الشباب يحبون المهل ويصطنعون الأناة ويأخذون أنفسهم بالرفق ، فذاك شيء لا يلائم طبائعم ولا يوافق غرائزهم.....
    هي فعلا أمواج فيها مد وجزر....
    شكرا على هذه الخواطر الرقيقة ،والرقيقة فعلا.


في العدد نفسه

كلمة العدد الفصلي 5: عود الند تبدأ عامها 12

مبادرة خطوات نَحْوَ التَّمَيُّز

شارع السيوفية بقاهرة المعز

أنفاس الذاكرة: العالية: تاريخ وآثار وحنين

بنية الزمن في المجموعة القصصية بهية لمرزاق بقطاش