د. فراس ميهوب - سورية

مَنْ ذَبَحَ الهُدْهَدَ الحَزِيْن؟

فراس ميهوبشَارِدَا بين أحزاني وأحزاني، في غَمْرَةِ كآبة الزَّمَان، وقسوة المكان، في أرض سَمِيل العربيَّة محشورة بين لعنات الاختلاف، والأخبار الكاذبة، حين جاءني من خلف غابة السَّنديان، قافزاَ فوق صخور البراكين السود، ورافلا النور بجناحيه هدهدٌ حَزِيْنٌ.

في البدء خطَّأتُ عيني، وظَنَنْتُهُ حُلُمَا، لكنّي أدركتُ أنَّ الفصلَ ربيعٌ، وأنَّ الهدهد لا يكذب، فعرفت أنِّي حظيت بهدأة حظٍ في عمري المليء بالنكسات.

روى لي كيف أضناه طول السَّفر، وكم حيرَّه صعود المطرنحو القمر، لم أجد إلّا دمع العين لأَرْوِيَهُ، فشرب واستراح تحت سُمَّاقةٍ خمريّةٍ.

دَعُوْتُهُ ليَسْكُنَ في بُسْتَانِ منزلي، بين ظِّلِ دُّراقةٍ ولوز، أو بين فُلٍّ وَياسمين.

شكر ليَ الدَّعوة وقال: "لا يَقْطُنُ الهُدْهُدُ إلّا في فيء الحُزْنِ".

لاح المَغِيبُ خَلْفَ البحر الأبيض، طار الهدهد غير بعيدٍ في ضَيْعَتِنَا، قبَّل وَجَنَةَ يَتيمٍ فقد أباه في يوم شتاءٍ عربيٍّ دامٍ، تَدَثَّرَ في معطف جاري الفقيرالمليء بثقوب الدَّهْرِ، سَكَّرَ عينيه ونام.

أَوْقَدْتُ قِنْدِيلِ فجري حتَّى صَحَا الصُّبْحُ، أتَرقَّبُ تحت عَريشةِ داري مَجِيءَ الهدهد، ذهب الظهر، وغاب العصر فلم يأتِ. طَفَرَتْ من مُقْلَتَيَّ عَبَراتٌ، صيفٌ مضى وخريفٌ أقبل، غَسَلْتُ الفُؤَادَ بِمَاءِ الشِّتَاءِ، نَاطِرا عَوْدَتَهُ. صَرَخْتُ بِأعْلَى الصَّوْتِ فوق جِبَالِ العَرَبِ:

يا أبا الرَّبيع، هل رَحَلْتَ إلى ربيعٍ آخرَ في بلدٍ أمين؟ يا حاميَ الزرْعِ، أغَضِبَتْ منك طيور الغاق، أَمْ حَسَدَكَ خَيَالُ المآتِ البائس؟ طِرْتَ ناشرا نورالمَحَبَّةِ، فهل ثمَّ من يؤذيه النور؟ غَرَّدْتَ فقلْتَ الحَقَّ، فمن لصوت الحقِّ لا يُنصت؟ أم هل رأيْتَ الزيفَ حَتَّى في وُجْدَانِنَا فَهَجَرْتَنَا؟ هل سَئِمْتَ صَحَارَى العرب، فَعَلُوْتَ الرِّيْحَ نَّحَوَ الغَرْبِ؟

بَحَثْتُ في مَهْدِي فلم أعْثرْ عليه. ذَهبْتُ إلى زوايا مَدْرَسَتِي الابتدائيَّةِ الفقيرة فلم أهتَدِ إليه. فَتَّشْتُ عنه بين أوراقي ودفاتري، بَعثَرْتُ كُتُبِي فلم أجدْه بين صَفَحَاتِها. بَكِيْتُ حتى تَعِبْتُ من الأنين، ثمَّ بَدَّلْتُ النَّحيبَ بالحنين. سألْتُ عنه الرِّفاقَ، ومشرَّدا عن أهله فقالَ لي إنَّه ما رآه منذ سِنِين.

حين يَئِسْتُ من عَودَتِه، قررت اقتفاء الأثَر، فرأيْتُ رِيْشَة بُرتقاليَّةَ من عُرْفِه، قرب نافذةِ عجوزٍ تبكي أحِبَّتَهَا الرّاحِلِينَ إلى الأبد. اقتربْتُ، فغاب وما وجدت إلَّا الذِّكْرَيات.

جَاءَنِي الخَبَرُ عن سُّكناه مع عائلةٍ فَقَدَتْ مُعِيلَها في حرب الجُنُون، شَاهَدْتُ ريشة كستنائيَّة فوق سقف البيت النَازِفِ كَرَبَا. دَنُوْتُ، رحل السّاكنون، و حَطَّ طَيْفُهُ شمال القلب.

بَحثْتُ عنه حتَّى في بيوت أهل الفضِّة والدِّينار. عاتَبَنِي أَهْلُ السَّفَرِ: "هل رَأَيْتَ يوما هدهدا يَرْكَنُ إلى قصرٍ حقيرٍ؟ أتَخَالَهُ إنسانا باع الضَّمير؟"

سألْتُ عنه الرَّيْحَ الشَّرقيَّةَ فأَعْيَاها الرَّدُ. استَعْلَمْتُ عنه العَائِدِينَ من اليمن الحزين. سَمِعْتُ أخيرا رَجْعَ الصَّدَى من برِّ الشَّام:

"دَمُ الهُدْهُدِ الحَزِيْنِ يُضِّرِجُ القَرَنّفُلِ من عدرا إلى حلب".

وَصَلْتُ إلى قُبَّةٍ خضراءَ. هَدَانِي نَجِيْعٌ أَصْفَر إلى جَسَدٍ اِسْتَحَالَ عِطْرَا، ورحل. شَاهِدةُ قَبْرٍ، خَطَّ عَلِيْهَا نُوْرُ الشَّمْسِ:

"هُنَا يَرْقُدُ الهُدْهُدُ الحَزِيْنُ، مَا كَذَبَ يُوْمَا، وَمَا جَاءَ إلَّا بالخَبَرِ اليَقِيْنِ".

عود الند يافطة العدد الفصلي 8

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات2108/1/1:> 431559

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.1 + AHUNTSIC