سوسن سيف - فرنسا

في ذاكرتي إنسان

سوسن سيفقطار الأنفاق يجري سريعا، يتوقف للحظات قصيرة في محطة يغمرها ضوء باهر، ثم يعود فيتوغل في الظلمة ليشع ضوءاً من الداخل، تجمهر الكثير من الناس حولي من مختلف الألوان والأشكال، اختلطت فيه البشرة البيضاء بالسوداء. اتحدت فيه العيون الملونة الشفيفة بالعيون السوداء العميقة، وامتزجت روائح العطور الغالية برائحة العرق ورائحة الأجساد مع رائحة الفواكه والحلوى وبودرة الأطفال.

غصت في هذا الزخم المتلاطم من البشر والأضواء والظلمة والعطور والعفونة والحقيقة والحلم، وخرجت مرة أخرى من جسدي أحاول أن اخفي ذلك اليأس القاتم، واغطي ملامح وجهي الحزينة فقد تظهر واضحة، فأشحت به إلى النافذة وقد سبقني المطر بالبكاء فسال خطوطا رسمها حزن السماء الأزلي.

كان واقفا: رجلا ذا لحية صغيرة وشعر لامع طويل مربوط إلى الخلف. اختبأت عيناه الزرقاوان خلف نظارة طبية وتأبط حقيبة سوداء قديمة والتصقت عيناي الغائمتان بعينيه من غير قصد. لم أكن أريد منه شيئاً.

ظلت نظرته الثاقبة مثبته على وجهي وقتا طويلاً. هل كان يلحظ دموعي؟

الحزن حين يتلألأ في العينين لا نستطيع كتمانه فينزلق بعد أن يغرق العينين تماما، وينحدر قطرات لا تتوقف. كنت أبكي وأشيح بوجهي عنه هاربة من تشابك الهموم موغلة في الإحباط والصمت والرجل ينظر إلي، وأنا ارحل في داخل الروح التي كانت تنزوي كعصفور صغير يرتجف في المطر. ايه، أيتها الروح لكم قاسيت! ولكم سال دمعك دما!

خلا الكرسي الوحيد بجانبي واتخذ الرجل مجلسه بجانبي. كان المطر ينهمر. ودخلنا مرة أخرى في نفق طويل يشع بأنوار خافتة، وظلت عيناي تمطران. هناك من الغيوم بأعماقنا ما تجعلنا نبكي لساعات دون أن نتوقف. يا الهي! من أين يأتي كل هذا الماء لينصب حزنا من عيوننا؟ وهل تنضب الأحزان حين نبكي؟

نظر إلي الغريب وتمتم بلغة فرنسية هادئة لم افهمها، غير أن حنانا غريبا كان يتداخل بين الكلمات. من أنت بالله عليك؟ ماذا تعني؟ لم يجب. عرف أني لا أجيد الفرنسية. أخرج منديلا ورقيا وأخذ يمسح دموعي، وكانت عيناه تسافران في حزن بعيد. وأخرج منديلا آخر.

كان هناك شيء، شيء ما، شيء خفي غير مرئي يحرك تلك المياه الراكدة أعماقي وموسيقى بدأت أسمعها بوضوح تأتي من الغيب البعيد.

رجل وامرأة. رجل وامرأة. رجل وامرأة. ما الذي يحرك الوجدان؟ قال شيئا ولم أفهم.

هناك شيء ما في داخل هذا الرجل. شعرت أن جبالا من الثلج بدأت تذوب، ومياهاً أسمع صوت خريرها، وطيوراً تغرد في غابات بعيدة.

القطار يسير والرجل يتحدث بصوت هادئ والمطر ينهمر حزنا مجسما لكل أعوامي.

كان يطلب مني أن أتوقف عن البكاء، وكان يقول لي بأني جميلة، وكان يشد على يدي مشجعا. وحلقت بعيدا ويدي معلقة بيد من أحببت في صباي وبالأخرى زهرة. وكان للحياة لون يختلف عن اليوم. لم اكن أعرف إلى أين أنا ذاهبة، فقد غابت معالم الطريق ومعالم الزمن ووجدت نفسي أمام الرجل الآخر الذي كان يبدو غريبا رغم حياتنا المشتركة، الرجل الذي تزوجته منذ عشرين عاما.

تمر الأيام يوما تلو يوم، ثم الأسابيع والشهور والسنوات. لم أفهم ما هو الحب، وما هي المشاعر. نعم كنت أنا تلك المرأة، وكان هو الرجل، لكن لم يكن يجمعنا شيء. كان هو الرجل العظيم، القائد، الأمير، ولم أكن سوى المرأة التي عليها أن تعد الطعام ، وتغسل الثياب، وتنظف البيت، وترعى الصغار . أنا الجاهلة بأمر الرجال، الساذجة، الغبية. ما كان يراني يوما، يسمعني يوما، يفهمني يوما. لماذا مات رجل حياتي؟ وما بقى منه جسد متعب، متداع، يشتعل بالغضب الموقوت في أي لحظة ليرميني بأقسى الكلمات وأكثرها مرارة. وما أكثر ما انفجرت براكين الغضب أدافع عن كرامة جريحة وكبرياء قتيلة من كثر ما رأيت من نساء معه!

ثرت وبكيت، وشيئا فشيئا خمدت تلك العواصف في روحي، وتحولت إلى مرارة مزمنة أحس بطعمها كلما نظر إلي رجل. أنا امرأة أيها الأصدقاء، امرأة تملك من المشاعر بحجم هذا العالم. أريد أن أحيا وأن أعيش وأن يأخذني زمن غير هذا الزمن/ ومكان غير هذا المكان، لأحس بطعم الحياة.

عقارب الساعة تدور ونهار يذهب ونهار يأتي، الزمن هذا المتربص لنا دائما والذي بت أخشاه كلما طالعني وجهي في المرآة. الغريب يمسح دموعي، لكنه لا يستطيع أن يمسح كل مساحات الحزن.

ما معنى أن تبكي امرأة وحيدة في قطار؟ ظل ينظر إلي وعيناه تقولان الكثير الكثير.

ما الذي يمكن أن أتحدث به معك؟ لو كنت رأيتني وأنا في العشرين بضفيرتي الطويلة، بالربيع الذي كان مزروعا بروحي قبل وجهي، بالآمال التي كانت تطفح في أعماقي. هل تدرك سيدي معنى الحياة بلا أمل؟ هل تشعر بما تشعر به امرأة في حياتها المجدبة ؟ لقد أعطيت، أعطيت حتى لم يبق ما أعطيه. قل يا رجل ما الذي تريده مني؟

نحن في رحلة قصيرة جدا رحلة عابرة، كل سيذهب في طريقه، ولكن لن انسى أبداً أنك مسحت دموعي.
عشرون عاما لم يحاول ذلك الرجل الذي شاركني رحلة العمر أن ير ى يوما دموعي أو يشعر بها. أتعلم يا سيدي بأنك جئت في زمن ليس لي، ولا يحق لي أن أطلب شيئا.

وقف القطار. قرأت اسم المحطة القريبة من بيتنا. نهضت أجر قدمي اإلى باب القطار، ونهض الرجل ونزل من القطار مثلي، وقال لي مشيرا إلى مقهى قريب راجيا مني أن أشاركه في تناول فنجان قهوة. رفضت دعوته وأنا محرجة، لكني لمحت عينيه تتوسلان. وسرعان ما سحب يدي دون أن انتبه وقبلها، ولا ادري كيف أتى بزهرة جميلة؟ وضعها في يدي وافترقنا. وظل ينظر إلى الخلف، وتلاشى كغيمة صيف واختفى في الظلام.

هل يمكن للحظة من لحظات العمر الذي شارف على الخريف أن يخفق فيها القلب الذي توقف لسنوات عديدة؟ ولكن يخفق لمن؟

لم أكن أعرفه، أو أعرف أسمه، أو أين يسكن، ولكن لحظة مرت علي، عادت بي اليد التي مست جراح الروح، وأنا أشم عبير الوردة.

لمست جرس الباب وظهر الرجل الذي تزوجته، وكم رأيت بوجهه غربة لم ألاحظها في الماضي!

غمغم بصوت أجش: "أغلقي الباب من فضلك."


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3366039

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC