د. محمد سليمان السعودي - الأردن

قراءة في قصة "رابعة العدوية: أم الخير"

للقاصة ظلال عدنان
صدر للكاتبة الأردنية، ظلال عدنان، في الآونة الأخيرة قصة موجهة للصغار عنوانها "رابعة العدوية: أم الخير، الزاهدة العابدة". القصة منشورة ضمن "سلسلة نساء خالدات" عن دار الاتقان، عمّان، 2018. أدناه قراءة د. محمد السعودي في الإصدار الجديد.
.

على دروب الجِدّة

محمد السعوديأصدرتْ ظلال عدنان قبل "رابعة العدوية أم الخير" ثلاثة مؤلفات، اثنان منها في أدب القصة القصيرة هما "أنثى فوق الغيم"، و"انكسار الذاكرة"، والثالث في السياسة والاجتماعيات وهو "رحلة إلى كوسوفو".

إلاّ أنني لم أستطع هذه المرة إلاّ أن أدوّن شيئا عن هذه القصة "رابعة العدوية: أم الخير، العابدة الزاهدة" والصادرة عن دار إتقان، عمان، الأردن، 2018، ضمن سلسة نساء خالدات. لم أستطع تجاوز هذا لأسباب كثيرة، منها أننا نفتقر في الوطن العربي لكتابات قصصية جادّة تعمل على تنقيح التراث وتقديمه لعالم الطفولة موصولا بالواقع المعيش.

لعلّ تجذير هذه العلوم أمر صعب خاصة أننا ننشد تدرّجا عمريّا وكتابيّا وفكريّا لهذه الفئة خاصّة، وعلى ما نُشر من أعمال، فحياة الطفل مسرح مفتوح في كل يوم يرتضى شيئا لنفسه فيمسكه ويهضمه فهما وسلوكا وإدراكا.

وعلى كثرة هذه الأعمال المقدمة للطفولة إلاّ أنها تكاد تخلو من التقنيات البصرية واللمسيّة التي تجذب الطفل؛ فتفتعل خيطا بينه وبين الكتاب لا ينفك كما فعل به جهاز الخلوي اليوم من خلال حاستي البصر والسمع، ناهيك عن غلاء أسعار تلك القصص على الفقراء وما أكثرهم في بلادنا، فلا الناشر يتنازل عن شيء من حقّه، ولا هم يملكون ما ينفقونه على شرائها.

لا شّك أن د. عبد الله الخبّاص المشرف على دار الإتقان مفكّر متجدّد، وأديب جريء قلمه، عميق مناله، لذا حمّل نفسه والمبدعين معه عناء فكريا ونفسيا كبيرا أن يخطّ مشروعه بنساء خالدات في زمن ذكر الرجل المرأة في نفسه من جديد وبصورة جديدة أيضا، فخرجت مجموعة قصصية رائدة تخص جيلا ما زالت أفكاره تتنفس، وصوره تنمو، وأدراجه تتوهج. حاولت هذه المجموعة المساس بالتراث الإسلامي العربي ولكن بتقانة جديدة جمعت مؤثرات العصر.

أمّا القصّة التي أنا بصددها فقد واءمت بين عالم مليء بفوضى القدوة اليوم، وشوق العربي لنماذجه الأولى الزكية مثل: رابعة العدوية" بعد أن انغمس قارئنا في دنيا الماديات. فالاختيار جاذب طريف لي شخصيا فكيف إذا كان لطفولة اليوم؟

طرائق التقديم

بين الكاتبة ظلال عدنان وبين الإخراج الفني علاقة وطيدة في القصة، ومواءمةٌ بين واقعنا المتجدد في عالم الحوسبة والمعرفة ولوازم حضارتنا العربية الإسلامية من خلال تشكيلات بصرية أخّاذة، وتداخلات لونية جاذبة، ربطت بين الخط الواضح المقروء الموسّع والمنوّن وتلك التشكيلات؛ فترى الحاسب، وألعاب الأطفال، وشنطة المدرسة وأرفف الكتب والمنبّه، والمزهرية، والوسادة داخل غرفة الطفل. وكلها ملوّنة محبّبة للنفس والروح.

كما أنك ترى صورة القرآن، والمسجد، والنخل، وطراز المآذن، وجرار الفخار، والسجادة، وشمعة الليل، وخيال العابد. وكان للون دور كبير في إظهار خبيئة الكتابة، فلك أن تقرأ النص المكتوب وفي الوقت نفسه تتمتع بتموجات المياه تحت الجسر، وحركة العصافير، وخضرة المكان.

في الجانب اللغوي الصرف، بنيت القصة على الجمل القصيرة، وهذا يمثل منطلقا عميقا للقصة التي تخاطب الطفل:

"يعيد ذات السؤال الأول: أين أنا؟! ومن أنا؟! قالت أمّه: أنا أمّك يا حبيبي، وأنت في بيتك".

ثم إن الألفاظ المستعملة بسيطة مناسبة لفهمه وإدراكه في هذا العمر:

"أجابته بعطف: من أحب شيئا أكثر من ذكره؛ وأنا أحببت ربّي، فأذكره في كل وقتي".

ولعل هذه الطريقة نوّعت في تشكيل المعجم اللغوي للقارىء، وإليك شيئا من هذا؛ فقد علت موجة الألفاظ الإيجابية التي تدفع إلى المحبة والسرور: نظيفة، مرتبة، الورود، أبدعك، يحبونهم، شوقا، الرائع، جليلة، بهدوء، ذكي، مجتهد، فحفظت، أتجنّب، صعد، رقراق، بشوق، واثقا، خاشعة.

الصورة والنّص

لن أمكث طويلا عند الصورة؛ لأن أمرها عريض طويل، غير أني سأقف على نقطتين سريعا: التراث والبيئة. فقد ظلّت الصورة عامرة في تشكيل النص من خلال مصادر معرفية كثيرة، لعل أقربها التراث والبيئة. غير أنّ العناصر الأخرى لم تكن بعيدة عن المشهد، وإن كانت الصورة الأولى قد اكتسبت وجودها من خيال ممتد شكّلها حلم كامل، بكل نبضه وحركته وحياته:

"فإذا بسيدة جليلة يشعّ وجهها صفاء ونورا، تبتسم له. يسائلها متعجبا: من أنت؟ وأين أنا؟ وماذا تريدين؟ تجيب بهدوء: أنت يا بُنيّ في البصرة مسقط رأسي. وهؤلاء هم علماء عصري".

وأدركت ظلال أنّ البيئة تجذب الطفل بألوانها وأزهارها وترابها ولذلك استعملته في نسج الخيال:

"صعدا القارب، وأحاط بهما صمت الطبيعة الخلّابة؛ ماء رقراق شفّاف، تتقافز أسماكه، وشجر يميل على ضفاف الماء، يبلّل أوراقه، وعصافير ملوّنة".

جوانب الحوار

يتردد الكاتب كثيرا في نَسْج حروفه الأولى؛ لأنه يبحث عادة عن خيط، وكانت بداية النّص "رابعة العدوية" مفاجئا لي، ذلك أنه بدأ بنص مقتبس على لسان طفل يحيا بيننا ويعيش فكرتنا في الحياة، طفل نتاج مجتمعه وحضارته يحمد الله أولا قبل كل شيء عند نومه وصحوه، وجعلت منه طفلا يتذكر آية "فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبّونه" من خلال موقف صفّي، فكأنّي بالنص يدفعنا للمواءمة بين عروبتنا وإسلامنا وبين واقعنا المعرفي اليوم، ولذا شعرت بنقد مبطن بين حروفه، لا بدّ من خيال يرمي بذواتنا إلى حمم الأفكار لنستعيد ذاكرتنا.

إلاّ أننا نريد خيالا مفرحا سعيدا كما فعلت ظلال هنا، خيالا مليئا بالمحبّة والورود والحمرة والعطر، والنظافة والترتيب والسعادة، ففي الصفحة الأولى وحدها من القصّة وردت خمس عشرة لفظة تحمل معاني المحبة والسعادة من أصل ستين ونيف، وهي نسبة الربع.

خرج الحوار عن الصورة المعهودة في النّصوص، فنبع من الحدث نفسه؛ لأن انطلاقاته الأولى كانت من العمق الفكري لدى الشخصيّة العربية (المقدّس)، ولكنه بعد، غفل عنه ناس اليوم وإن كان ظاهرة في عصور خلت وهي محبّة الله واللجوء إليه بطريقة مختلفة عن الأهواء ونوازع النفوس:

"أما مَنْ أنا فرافقني، فأنا عرفت ربي –عز وجل- حين أحببته"

حوار بدأ لينهض بالربط بين ماض جميل ننتقي منه ما يشّع حياتنا اليوم ولا نجلس عنده طويلا، بل نلجأ إليه مؤمّنين عصرنا وواقعنا.

وهكذا هو الحوار بين شخصيتي عمر ورابعة العدوية حينما حدّثها سابقا عن حفظه للقرآن ثم ما تبع ذلك في حديثه للسيدة رابعة عن الشبكة العنكبوتية، وكذلك ما ورد في تذكيرها في حديث التوكل على الله.

واتسم الحوار هنا بالقدرة على الربط بين مَنْ كان محبا لله طائعا له من خلال زمن طويل ومن يعيش واقعا مغلقا على النفس بكثرة الفتاوى وتشعباتها؛ فعندما ذكر لعمر اسمها ربطت ذلك بإسماعيل بن إبراهيم عليه السلام، وهي درب جديد لدفع القارئ لمتابعة تلك القصص ونشرها في النفوس، وهذا يلزمنا بالبحث عن طرائق جديدة غير المباشرة المعهودة للاستزادة الطوعية من هذا التراث المشرق الذي يرتبط بالله وحده ولا يرتبط بسلطان أو طموح سياسي أو اجتماعي.

ولم يكن للحوار أن يهدأ حتى أوصلنا في مطاف القصة الأخير إلى أجواء المسرح "أبو الفنون"، ولا أقول قد تفلتت الحبال من يد الكاتبة إنما هو الانتقال الطبيعي للحوار الذي ينهض بالفكرة، ولذلك أوردت هذا المشهد:

وتردد في الأجواء:

أرجو أن تفوز برضى الرحمن ومحبته

أرجو أن تفوز برضى الرحمن ومحبته

حتى عندما انتفض عمر من نومه فزعا، بدأ حوار آخر مع أمّه كان قفلة الحكاية ومرادها لينسجم المشهد السابق المتخيل مع مشهد جديد متخيّل أيضا إلاّ أنه أقل عمقا في خياله، لتبرهن الكاتبة أنها أرادت أن تمضي بهذا الجيل في عوالم نفوس متجددة عند الأجيال جميعها، لكنها تخشى على هذا الجيل أن يسبح في عالم الشبكة الإلكترونية ويدع جيلا خلفه دون اكتراث، ولذا ذكرت على لسان أم عمر قول رابعة:

أحبك حبين: حب الهـوى = =حبــا لأنك أهـل ٌ لـذاك

فأما الذي هو حب الهوى = = فشغلي بذكرك عمن سـواك

وأمّـا الذي أنت أهلٌ له = = فلست أرى الكونَ حتى أراك

قفلة

تميّز الناشر في اختيار الألوان وتصميم الصفحات وموافقة هذا كله مع النص الكتابي المبدَع، وجانس بين البعد الإبداعيّ والتربويّ في القصّة؛ حينما وضع صفحتين للألعاب والأنشطة اللّغويّة من خلال أشكال متنوّعة وطرائق متعدّدة، قدّمها في أربعة أنشطة. ووافق النّص النّثريّ بنص شعريّ مواز للصديق الشّاعر راشد عيسى، مستقى من القصة نفسها، يدعو للتّفكر والتأمل والصبر.

= = =

أدناه صور تشمل غلاف الكتاب وصفحات داخلية. اضغط/ي على الصورة لمشاهدتها بحجم أكبر.

قصة رابعة العدوية: غلاف
قصة رابعة العدوية: غلاف
قصة رابعة العدوية: صفحة داحلية
قصة رابعة العدوية: صفحة داحلية
قصة رابعة العدوية: صفحة داحلية
قصة رابعة العدوية: صفحة داحلية
قصة رابعة العدوية: صفحة داحلية
قصة رابعة العدوية: صفحة داحلية

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات2108/1/1:> 482098

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.1 + AHUNTSIC