زكي شيرخان - السويد

ذات صيف

زكي شيرخانعلى الشاطئ الرملي، في الصباح، كانت تسير حافية القدمين. ثوبها الأحمر الملامس لكاحليها تداعبه نسمات مشبعة برطوبة وافرة. تحمل صندلها الأحمر بيدها. بين فينة وأخرى، تتوقف، يتجه رأسها نحو البحر تتأمله. أحيانا، تتوقف، تستدير، ناظرة آثار قدميها، تنتظر موجة تغطي الرمال وعند عودتها تجرف آثارها، ثم تواصل سيرها.

كنت أتأملها من على كرسي اعتدتُ الجلوس عليه في الشرفة، محتسيا قهوتي، مدخنا غليوني، مستمعا لموسيقى عبر مذياع صغير تبثها محطة محلية.

اعتدتُ قضاء إجازتي الصيفية في هذا المكان المنعزل، دون صحف، بلا تلفاز. فترة استرخاء، بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، بعيدا عن ضغوط العمل وضجيج المدينة.

* * *

يتكرر سيرها الصباحي. نفس الثوب، ذات الصندل في يدها. تعيد التوقف وتأمل البحر. تستدير لترى آثار قدميها يمحوها موج البحر. تسير الهوينا ناظرة سجادة الرمال كأنها تبحث عن شيء أضاعته.

"ترى ماذا فقدت؟" سؤال خطر على بالي. "أتتأمل البحر في انتظار مركب يحمل من افتقدته؟ أهي من أهل المدينة، أم هي مثلي تقضي إجازتها؟".

وددت لو اعرف إجابة. لو كانت قريبة بما يكفي لألمح قسمات وجهها، وأمعن النظر في عينيها، فالوجه والعينان يشيان بما يعتمل في الداخل.

* * *

ضحى أحد الأيام، جالسا كنتُ على مصطبة، أكتب نصا على هاتفي الجوال ردا على رسالة وردتني من أحد مرؤوسي يطلب رأيي في معضلة يجابهها.

= أتسمح لي بالجلوس؟

دون أن أزيح رأسي عن هاتفي، أزحت جسدي نحو الحافة.

= أود الجلوس عند هذه الحافة.

ثانية، تحركت نحو الطرف الآخر. ناظراي مركزان على الهاتف أريد التأكد من أن الجواب قد أرسل.

= يبدو أنك لا ترغب أن يشاركك أحد مقعدك.

عندها، رفعت رأسي. المفاجأة ألجمتني. هي نفسها ذات الرداء الأحمر السائرة على الرمال صباحا.

= أخيرا، ها نحن وجها لوجه.

كنتُ، من المؤكد، بحاجة لوقت طويل لاستوعب الوضع الذي فاجئني.

= الآن، تستطيع طرح الأسئلة التي راودتك وأنت تراقبني في الصباح. وبدوري أستطيع أن أطرح أسئلتي.

لم أعهد من قبل مثل هذه الجرأة، ولا أريد نعتها بالوقاحة.

= لست وقحة كما قد يبدو لك. وأؤكد أني لست مجنونة بدعم شهادة طبية. لستُ طالبة متعة عابرة. جمالي يغري الرجال أن يحوموا حولي ويحاولوا الإيقاع بي. أنا فقط وددتُ التعرف على شخص أثرتُ في ذهنه أسئلة، كما أثار هو في ذهني مثلها.

= طريقة غريبة في التعارف.

= لا أحب التقليد.

ثم قفزت فجأة جالسة على الأرض بمواجهتي شابكة يديها فوق رأسها.

= ما الذي يدعوكَ إلى قضاء عطلتك في هذه المدينة النائية التي لا يعرفها جل أهل البلد الذي تنتمي إليه. المسورة بالجبال والبحر.

= كيف عرفت عني هذا الأمر؟

= من النادل العامل في مطعم النزل الذي أقيم فيه. سألته فيما لو يأتي أحد لمدينتهم، فأفادني بأنك من النوادر الذين يقضون بعضا من صيفهم كل عام من سنوات، ودلني على شقتك المواجهة للبحر. أثرتَ فضولي.

= عادة، يتردد المرء على المكان الذي يريحه، والتكرار يوّلد العادة.

= حتى النادل مستغرب من ترددك. لا بد وأن أثرت ُ فضولك بجلوسي على الأرض.

= بكم اشتريتِ شهادة سلامتك العقلية؟

= المؤسسة التي أعمل بها هي من دفعت تكاليف الفحص. شروطهم، إضافة للكفاءة المهنية، أن يكون العامل بها سليما.

نهضتُ، ناظرا لساعتي.

= لا توهمني بأنك على موعد مهم في مثل هذا المكان النائي؟ سأدعوك للغداء، ما رأيك؟

= لا، شكرا.

= لا تكن فظاُ، ليس من اللياقة أن ترفض دعوة سيدة لمراقصتك.

= دعوتني للغداء وليس للرقص.

= أليسا سيان؟

لم يكن أمامي إلا أن استهزئ مبتسما.

فرضتْ أن نلتقي الساعة الثالثة. نهضتْ. أسرعتْ باتجاه أحد الأزقة الضيقة.

* * *
دون أن تأخذ رأيي، طلبت لكلينا سمكا، بعض المقبلات، وماء. ما نبستْ بكلمة حتى جاء الطعام. كانت فقط تتطلع بي.

= لو طلبتُ منك أن تتزوجني فسترفض. أجزم بذلك. كيف ترتبط بواحدة لم تتعرف عليها إلا قبل ساعات. حتى اسمها لا تعرفه. كل تصرفاتها غير متوازنة. هي أقرب إلى الجنون. كل ما تملكه هو الجمال، وهي غير كافية لبناء ما يطلق عليه علاقة عائلية حتى لو دامت أسابيع أو أشهر.

= أجادة أنتِ؟

= ليس هناك مجال للهزل في مثل هذه المواضيع.

= لم أتوقع منكِ أن تستخفي لهذا الحد بعلاقة سامية بين البشر.

= دعك من هذه المصطلحات الفارغة من مضمونها التي ترددها الألسن ولا تفهم معناها. سامية؟ ما مفهومك للسمو؟ الزواج حتمي لحاجة طبيعية يراد إشباعها.

= والأولاد، و...

= نواتج عرضية بالإمكان تجنبها.

= ساد صمت طال حتى إنهائنا الطعام. افترقنا.

* * *

في اليوم التالي لم تظهر على الشاطئ. طال انتظاري. قصدت النزل علِّني أجدها. ما أن رآني النادل حتى أعطاني مظروفا يعلمني أن السيدة تركته لي. عند أقرب كرسي جلست أقرأ.

"عزيزي: لا يهمني إن لم تقتنع بأني لست مجنونة. الصدفة المحضة جمعتنا. ما كان يمكن أن يحدث هذا مع شخص آخر. شيء ما جذبني إليك أول مرة رأيتك فيها في الشرفة. لن أدّعي أنه الحب من أول نظرة. كل ما بدر مني من تصرفات وما تفوهتُ به لا يمت لي بصلة. كان رد فعل ضعف أو قوة، لا أدري. قررت معك أن أواجه المصير الذي حدده الأطباء ببضعة شهور هي المتبقية من عمري بالطريقة التي أذهلتك. عرض الزواج كنتُ صادقة فيه وودت لو تحقق لأسعد في أشهري الأخيرة، ولكني لم أتحمل فكرة إيلامك. كان باستطاعتي إغوائك ولكني آثرت ألا نتدنس. ربما أخطأ الأطباء بتقديرهم وما أكثر أخطائهم. إن بقيتُ على قيد الحياة فسآتيك في الصيف القادم. تمنياتي".


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات2108/1/1:> 683005

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.1 + AHUNTSIC