أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 6: 60-71 » العدد 64 » أم الفضل والخفاش

إبراهيم يوسف - لبنان

أم الفضل والخفاش


قَتَلْتُمْ إبْنَ بنتِ نَبِيِّكُمْ، فلا آمَنُكُمْ على نفسي (البومة)

كانَ المَلِكَ المطلق، عاشَ مَجْداً خَضَعَتْ له الدُّنيا، أقامَ فيها العدلَ وحكمَ بالقِسطاس، سخَّرَ اللهُ لهُ الأرضَ ومن عليها من الإنسِ والجان، يُحَدِّثُ الطّيرَ فتُصْغي إليه، والريحُ ينفخُ فيها متى يشاء.

توَّجَ للهُدْهُدِ رأسَهُ ولوَّنَ ريشَه. زوَّدهُ بما يُدْهِشُ قلبَ المرأة ويسبي عقلها. وأطلقَهُ يتجَسَّسُ على ملكةِ اليَمَن. ثمَّ أعدَّ لعرشِها بساطَ الرِّيح، وأقامَ لها مساكبَ الوردِ وحدائقَ النُّور. استقدمَ لها الذَّهَبَ من "تَرْشيش"، وبنى من أجلِها قصراً مِنَ الفِضّةِ والياقوت. أبوابُهُ الألف من خَشَبِ الأرْزِ، وجدرانُهُ من البلّورِ والفيروز. وأوعزَ إلى خدَمِهِ من الإنسِ والجن، فأحضروها إليهِ قبلَ أن يرتدَّ طرفُهُ إلى عينيهِ.

جفاها النومُ بعيداً عن "سَبَأْ". أرِقِتْ في الليلةِ الأولى، ولم تُجْدِها المُسَكِّناتُ من مستحضراتِ البَيْلَسَانِ وِالزيزفون، فتقلَّبتْ على فراشٍ كأنَّهُ صُنِعَ من شوكٍ أو حَديد. وحينَ أدركَها الصباح، دَفَعَتْ عن نفسها ما لاقَتْهُ في ليلِها مِنْ وَهَن، وأصدرتْ أمرَها للمَلِك، كي يجمعَ لها رعاياهُ مِنَ الطيْر. فامْتَثَلَ الملِكُ للأمر. وراحَ المنادي يدعو الطيرَ لاجتماعٍ طارىء، كي يُعِدُّوا للملكةِ فراشاً ووسادةً من الرِّيش.

كانَ الخفّاشُ أوَّلَ الواصلين، فهو في عجلةٍ من أمرِه، وعليهِ أن يعودَ بسرعةٍ كما جاء. والمَلِكُ لَمْ يُخْلِ سبيلَهُ قبلَ أن يكتملَ النِّصاب. طالَ الانتظار، وراحَ الخفّاشُ يتململُ مُسْتَنْفَرَ الحال، حانِقاً على الآخرين لبلادتِهم، وتأخّرِهم في الحضور. استبدَّ به الغضبُ وَرَكِبَهُ الغباء، فقالَ للمَلِك بلا وَعْي ولا تقدير: هاكَ رِيشي وَدَعْني في سبيلي. هكذا في ومضةِ عَيْن تنازلَ الخفّاشُ عمَّا يكسو جناحَيهِ مِنَ الرِّيش. ليكونَ فراشاً لبلقيس.

بدأتْ تتوافدُ الطيور، حينما رحلَ الخفّاش؛ طارَ بجناحينِ عاريين، وجسدٍ مترهِّلٍ مَنْتوف؛ خالٍ تماماً من الرِّيش. اخْتَلَّ توازنُهُ وخانتْهُ قدرتُهُ على التحليق، فلم يكدْ يتجاوزُ فناءَ القصر حتى صَدَمَ رأسُهُ سورَ الحديقة، فأصابَ العَمَى عينيه. ومِنْ يومِها والخفّاشُ يَبْذلُ جهداً في التحليق بلا رؤيةٍ ولا ريشٍ. لكنّهُ تعلَّمَ وهو الضرير، كيف يطيرُ بأمانٍ في الظلام، يتجاوزُ الحواجزَ والأسوار.

كانتِ الطيرُ توافدتْ واكتملَ النصاب. وحدهُ الهدهدُ صاحب الحظوة؛ صفيُّ الملكةِ وسميرُها؛ غابَ عنِ الاجتماع. لم تكدْ تُعْقدُ الجلسةُ، حتى انتحتِ البومةُ بالمَلِك، تطلبُ لِقَوْلِها منهُ الأمان. ثمَّ أسَرِّتْ إليهِ تساوِمُهُ ليحفظَ ريشَها. قالتْ له: دَعْكَ مِن ريشي، فنُصحي سيُجديكَ أكثر.

وحينَ استجابَ الملكُ لرغبتِها؛ سألتْهُ تقول: أيُّهما الأطول؛ النهارُ أمِ الّليل؟ حارَ المَلِكُ بماذا يُجيب، لكنّهُ قالَ لها: لعلهُما متساويان. قالتْ لهُ: بلِ النّهارُ هو الأطول. قالَ لها وما الدَّليل؟ فتبسَّمتْ وسألتْهُ: أليسَ النُّورُ ما يُمَيِّزُ النهارَ مِنَ الّليل؟ قالَ نعم، فقالتْ: على هذا فالليالي المُقمرة تـنـتسبُ إلى النهار، ويكونُ النهارُ هو الأطول. وما الحكمةُ أن يتطاولَ الّليلُ على النهار؟ سأَلها المَلِك. وَرَدَّتْ عليهِ تقول: إنَّها يا سيِّدي فرصةُ البوم، لكي لا يلتقي بالبشر، فوُجوهُ بعضِهم تقطعُ الأرزاق، تُبشرُ بالشؤم أو تُنْذِرُ بالحرب. لا أحبُّ هؤلاءِ المغرورين الحاقدين، فالبُوم لم يجنِ ذنباً يُحاسب عليه.

رَقَّ المَلِكُ لحالِها، ولم يقتنعِ من جدوى الحكمةِ الأولى. لكنَّهُ مَوْلاها؛ ولا يُخْلفُ ما وَعَد. فَسَألها وما الحِكمةُ الثانية؟ قالتْ لهُ: أيُّهُما الأكثر الرجالُ أمِ النساء؟ احتارَ مرَّةً أُخرى بماذا يُجيب. لكنّهُ قالَ لها: يتراءى لي إنّهما متساويان؟ قالتْ لهُ: لا بلِ النساءُ الأكثر. فَسَألها وما البرهان؟ قالتْ: أليسَ مِنَ الرِّجالِ مَنْ يَنْصاعُ لما تأمرُهُ النساء؟ تفكَّرَ الملكُ قليلاً، أحَسَّ بالحَرَج وفَطِنَ إلى دِقَّةِ السؤال، لكنَّهُ قالَ بلى. قالها مغلوباً على أمرِه، كمن سقطتْ حجَّتُه وأفْلَتَ الأمرُ مِن يدِهِ. فقالتْ: وهؤلاء الرجال محسوبون في خانةِ النّساء؛ وعليه صارتِ النساءُ أكثر.

حَكَّ الملكُ رأسَه وأمعَنَ فكرَه، فأدركَ معنى الخطاب، وما ترمي إليهِ البومةُ مِنَ التلميحْ. أعجبتْهُ حنكتُها في التخلصِ من المأزق، وتجاوَزَ ما قالتْهُ في الإشارةِ إلى خشيَتِهِ أمامَ بلقيس، فعفا عنها؛ وأطلقَ سراحَ المجتمعين، كُرْمى لعينيها الجميلتين. ومِنْ يومِها استعادَ الملكُ هيْبَتَهُ، وعاشَ أبو المَكارِمِ مَنْتوفاً من الريش، وصارتِ البومةُ "المشؤومة" صاحبةُ الحكمةِ؛ وأمُّ الفضل، فلولاها لأضْحَتِ الطيرُ عارية كما الخفَّاش.

والبّشّر ما زالوا على جهالتِهم، وسوءِ طوِيَّتِهم، فلم يُنْصِفوا بَعْدَ دَهْرٍ من التشهير، والكرامةِ المهدورة، خاطرَ البُومةِ المظلومة.

D 26 أيلول (سبتمبر) 2011     A إبراهيم يوسف     C 8 تعليقات

8 مشاركة منتدى

  • الأستاذ إبراهيم

    في الشرق يتشاءمون من صوت البومه ومن شكلها وفي الغرب يعتبرونها مصدر تفاؤل! لكل معتقده الذي يميزه عن الآخر, فالصواب في مكان ما قد يكون خطأ في مكان آخر، والحقيقة أن البشر وحدهم مصدر الخير والشر، يعزون الشر إلى البومه والغراب والقط، ولا يبعدون العنزة عن قناعتهم بالتشاؤم؟ ففي شعرَها من إبليس شعره أو أكثر! ويتفاءلون بمنظر قطيع أبيض من النعاج والحملان، أو أسماك يصيدونها في المنام.

    حبكه النص جميله في الالتفات على عري الخفاش من الريش، وارتباطه بفراش بلقيس، والبومه التي تنكرت للبشر وهالها نور النهار لكي لا تلتقي بأولئك البشر "المغرورين الحاقدين أصحاب الوجوه التي تقطع الأرزاق، تبشر بالشؤم أو تنذر بالحرب" ثم الإشارة إلى خشيه الرجال من النساء.

    لكني لا أدري في النهاية إن كان في تحريف النص ما يسيء إلى أصل الحكاية، ويأخذ الكاتب بهذه الجريرة؟


  •  قالت شهرزاد: بلغني أيها الملك السعيد، ذو الرأي الرشيد، أن الخفاش الأعمى المقهور، طار إلى الصقر ملك الطيور، راجياً أن يلقى عندَه، مايواسيه في حزنِه، من نتفِ ريشِه، وضياعِ بصرِه، طامعاً أن يعوّضَه الملكُ عن الإهانةِ، بسلطةٍ على الطيور ومكانة، فكّر الصقر حينها وفكّر، ثم عبس بوجهه وبسر، وقال: كيف أولّيَك عليهم وأنت لست منهم، فالطيور تبيض وأنت لا بيض لك!
    خرج الخفاشُ يجرُ أذيالَ خيبته، دفع ثمن غبائِه وجهله، بعد أن صنعَ المعروف في غير أهلِه، وكُتِب على أبو المكارم أن يعيش...
    في ظُلمةِ الكُهُوفِ منتوف الريش! 

    هذا ما كان من أمرِ الخفاش المقهور، وملك الطيور، أمّا أمّ الفضلِ ، فقد قرّبها الملك، لحكمتِها ورجاحةِ عقلِها، بعد أن نبّهته إلى كيد النساء، وحذرته من وقوعِ البلاء، فلا تكاد تجد مملكة قد تسلّلت إلى خِزانتِها أناملُهن، وحكمْنها من خلف سَتائِرِهِن، إلا سقط مُلكُها، وذهب ريحُها، فالمَلِكُ يرعى شعبَه، وهي ترعى أبناءَه، وكلٌ ميسّر لما خُلِق له. 
    لكن كلامها لم يعجب مَلِكَة الزمان، وقامت على الثأرِ تُقسِم الأَيْمَان، فهل سينفعُ البومة حكمتها، وفصاحتها؟
    وأدركَ شهرزادَ الصباح...فسكتت عن الكلامِ المُباح.
    ها أنا أتقدم إليك يا أستاذي الفاضل بطلبٍ خاص، ورجاء حار لإكمال الحكاية، حفاظاً على حياة شهرزاد!..سلمت أناملك التي ترسم البسمة على الشفاه، ودمت متألقاً. 


  • أشواق مليباري - ألسعودية
    أشواق شابة نجيبة، بادية الحضور.. أصابت قلبَ الهدف من الطلقة الأولى. ألحقيقة لم أكن أمَنِّي نفسي بالوصول إلى العبرة الهادفة من النص، "خدمة للمثل العليا".. ما توخيته فحسب حكاية للأطفال، وإجابة عن سؤال يطرح: لِمَ لَمْ يكن للخفاش ريشٌ وعينان كباقي الطيور، ولماذا كانت البومة عنوان الحكمة في ثقافات أخرى.. ألحمد لله، والشكر لأشواق.. يبدو أن الحكاية بلغت مراميها بهذه الشهادة الكريمة. شكراً جزيلاً على فطنتك يا عزيزتي، آملاً أن يكون أطفالك قد استمتعوا بالحكاية، وأنتِ تروينها لهم قبل النوم، بحب وصبر وأناة.


  • ليلى من فلسطين

    تُحَمِّلين الحكاية يا صديقتي أكثر مما تستحق، فتذهبين بعيداً في الإشارة إلى بعض الأمور.. لا أرجو أن تفتحي هذا الباب المغلق، فأنا لم أطرقه، أو أدنُ من المقدسات، أو "الآيات الشيطانية". ما أرويه يا صديقتي ببساطة ليس حديثاً مسنداً أو بدعة..! فأنا أدرك جيداً مفاعيل الغباء في العبث وتحريف ما أنْزِلَ في الكتب السماوية.

    ألحكاية ببساطة ليست شيئاً من هذا على الإطلاق.. أوضحتُ في الرد على تعليق السيدة "أشواق مليباري" ألغاية من الحكاية. يمكنك اعتبارها من نسج الخيال، أو حكاية للأطفال.. شكراً صادقاً على كل ما تفضلتِ بقوله.


  • يا للروعة يا إبراهيم! والله لقد أدهشتني القصة حتى عجزت عن الرد عليها، لاني أعتقد أنه في بعض الأحيان يشوه الرد النص، ويكفي النص روعة أن يكون بلا رد أو تعليق، كالمرأة فائقة الجمال، يشوه وجهها المكياج والاكسسوارات الزائفة.
    القصة يا صديقي ليست للصغار فقط، بل هي للكبار ألزم، فعندما يعتبر الكبار أولاً ويفهمون يحق لنا أن نطالب الصغار بذلك!
    القصة جميلة جداً، والسبك محكم، والعبر منها ذات قيمة عالية، وأعجبني رد الاعتبار لمعشر البوم، والتشنيع للخفاش المتسرع الذي عانى من عاقبة تسرعه إلى الأبد!
    أم الفضل كانت أكثر من رائعة عندما عرضت بالملك بأدب وحكمة، وأظن أم الفضل استمدت حكمتها من حكمة الأخ الصديق إبراهيم يوسف، فأنى لها ذلك لو لم تتعلمه منه؟!
    ثم إن القصة تذكرنا بألف ليلة وليلة من جانب روعة القص وسلاسته وبكليلة ودمنة بما تفيض به من عبر وحكم وسبك محكم!
    أخي العزيز إبراهيم ... ما زلت تبهرني كلما قرأت لك!!


  • أرجو المعذره والعفو منك ياصديقي,وأنا أتوجه إليك بصدق وتجرد وإخلاص,بعيده عن المسايره والمداجاه,وأتمنى ألا تلومني أوتعتب علي حين أصارحك بأن ما أديته هذه المره لم يكن منكرآ أو هابطآ,لكنه لم يكن بالمستوى المطلوب.
    ماذا يعني أن يكون الخفاش عاريآ ومنفرآ,أومختالآ وجميلآكالطاووس؟وماذا يعتي أن يكون الملك المطلق,له ما على الأرض من الإنس والجن,يحدث الطير فتصغي إليه,وينفخ في الريح متى يشاء؟ثم يأتي طير حقير كالبومه ليعلمه ويسدي إليه النصائح!ماذا ثم ماذا؟كثير من الأسئله المطروحه...
    لا أريد الإساءه أوالنيل مماكتبت ياصديقي,لكني أعتقد بأن مضمون الحكايه كان قاصرآ هذه المره,لم يتعد عبارات منمقه براقه جميله الشكل والإيقاع,كأنما في"الفيديوكليب" للمطربين الناشئين.


  • موسى أبو رياش - الأردن

    لو أعْتَقَنا الغيرُ من مهارتِهم في النّقدِ والتجنِّي..؟ لقلتُ لكَ كلاماً "القلبِ يرقصلو" كما أرادَتْهُ أمُّ كلثوم..! لكنني أخشى أن ينالني التَعَسُّف أيضاً في محاضرةٍ عن "التبخير"..!؟ لهذا سأكتفي بالقول: شكراَ لكَ يا صديقي على كل ما تَفَضَّلتَ بقوله في التعليقِ على النص.


  • ألسيدة هدى قمحيَّة - نابلس

    ينبغي أيضاً يا سيِّدَتي أن أكونَ بدوري صادقاً وصريحاً وشفافاً معكِ.. آسفاً وحزيناً على تقصيري، ولا يَعْنيني بعدَها أن يأتيَ التعليقُ سلباً أو إيجاباً.. ما يعنيني شرفُ مروركِ الكريم، وإبداءُ الرأي فيما أقولُ أو أكتب، وأعِدُكِ أن أبذلَ في المراتِ القادمة قصارى جهدي، لأستعيدَ ثقتكِ وحسنَ ظنِّكِ من جديد.. ("ولو" أنِّي أغالط فيكَ سَمْعي، وتُبْصِرُ فيكَ غير الشّكِ عيني)..!؟


في العدد نفسه

كلمة العدد 64: عشر ملاحظات في عصر الثورات

عن مبدعة الغلاف

مقابلة: الفنان علي الرفاعي

أيادي الفن المتسخة

شكرا جورج قندلفت