د. فراس ميهوب - سورية

أيام القصر الأخيرة

فراس ميهوبيتربّع المصيف الجميل، مقصد الأثرياء، على قمّة جبل عال، يبعد أكثر من مئة كيلومتر عن العاصمة، الهدوء حذر ملفت، أمانه استثنائيّ، ومُعدّل الجريمة فيه يقارب الصّفر.

قاد سيارته الصّغيرة، عبر الجسر الضّيّق فوق النّهر متلاطم المياه، صعد الدُّروب شديدة الالتواء، ومع تبدُّد السّحاب بخيوط الصّباح، رأى شاخصة معدنيّة صدئة، قرأ بصعوبة عليها: بلدة القصر.

انتقل النّقيب رافع إلى مخفر القصر، بعد سنوات من الخدمة المضنية في العاصمة.

سبقت سمعة ضابط التّحقيق قدومه إلى القصر، رغم صغر سنّه، وهو لم يبلغ الثّلاثين عاما بعد، فقد حاز على تقدير رؤسائه، واحترام زملائه ومرؤوسيه.

نجح في كشف ملابسات مقتل الفنّانة المشهورة حياة السّهلي، تلك الجناية التي حيّرت من سبقوه، وأثارت الرأيّ العامّ لأشهر طويلة.

وصل رافع في نهايات شهر آذار، كان تساقط الثّلج قد توقّف منذ أيّام قليلة، وبقاياه ما زالت موجودة على جوانب الطُّرقات، وأسطح المنازل، وفوق سقوف السّيّارات المُتوقّفة، ورغم الشّمس السّاطعة، كان الهواء البارد يلسع الوجوه.

بناء المخفر قديم جدا، كان ثكنة للجيش الفرنسيّ في أربعينيّات القرن الماضي، وبعد الجلاء تحوّل إلى مخفر حدوديّ، ومقرّ موحّد لأقسام الشُّرطة، وهو فعلا أشبه بقصر عتيق مهجور.

دهم النّقيب الشّاب شعور بعدم الارتياح، لم يجد تفسيرا له، وزاد الأمرُ تعقيدا استعجال سلفه بالرّحيل، فعملية التّسليم والاستلام لم تستغرق إلّا دقائق قليلة.

غمغم الرائد أحمد بكلمات قليلة: "كما تعلمون في العاصمة، الملل هو سيّد الموقف في القصر ومحيطها، لم تحدث أيّ مخالفة طوال فترة العامين من خدمتي هنا".

كان الضّابط المغادر ذا سحنة مُرهقة، لا توحي بإقامة هانئة في البلدة ومخفرها، تساءل عن العلّة:

"ماذا أرّق الرّائد إن كانت الجرائم غائبة تماما، هل أنهكه السّأم؟"

استلم النّقيب رافع عُهدة المخفر، قرطاسية، سجلّات ورقيّة، أربعة بنادق كلاشينكوف، وثمانية مخازن مُذخّرة، وغرفة سجن فارغة، بابها مفتوح، ولا يبدو من نظافتها المفرطة أنها حوت سجينا منذ سنوات.

أمّا عناصر المخفر فثلاثة، الضّابط المسؤول، وشرطيّان، الأول يقارب الخمسين عاما، اسمه عابد، تبدو عليه طيبة ظاهرة، ورزانة، أسمر البشرة، ممتلئ الجسم، قصير القامة، منتفخ الوجه، عيناه بارزتان قليلا، حليق الذّقن، وله شاربان كثيفان يغطيان شفته العُلويّة، وجزءا من السُّفليّة أيضا.

والشُّرطيُّ الآخر زهدي، يقارب عمر زميله، ذي ظهر مُقوّس قليلا، يشبه نادلا متعبا، تملأ التّجاعيد وجهه، عيناه ملونتان، لا تخفيان خبثا باديا، وشعره يختلط لونه الأشقر مع الشّيب المُتقدّم، مفرط الحركة، ويميل للثرثرة وادّعاء معرفة كل شيء.

في يومه الأول في المخفر، حاول النّقيب رافع أن يفهم ظروف العمل، تمثّلت صدمته الأولى بقلّة عدد عناصر المخفر، وغياب المناوبات اللّيليّة، فكيف يقوم ضابط، وشرطيّان فقط بتأمين بلدة حدوديّة، وبدوام ينتهي مع مغيب الشّمس، ولا يبدأ قبل العاشرة صباحا.

أحسّ رافع بحدسه المُستمدّ من مهنته، بوجود شيء غريب يلفُّ المدينة، تبرّع بالمناوبة وحيدا في اللّيلة المقبلة.

قال زهدي للضّابط: "سيّدي لكم الأمر، ولكن عرف الخدمة هنا أن نغلق المخفر عند الثّامنة مساء، ونعود إلى بيوتنا".

"شكرا يا مساعد زهدي".

لم يبتعد الشُّرطيّان كثيرا عن المخفر، حتّى بدأ الضّابط الجديد بتفحُّص مخفره الموحش، خرج إلى البهو الخارجيّ، عاد إلى الفناء الداخليّ، صعد إلى غرفة الأرشيف، أدار نظره في الملفّات المكسوّة بغبار الإهمال الكثيف، وخيوط العنكبوت المتقاطعة.

أدرك عبثيّة وجوده في هذا المكان، وعلى رأس هذا المخفر ذي الدّور الوهميّ، فماذا بإمكان رجل وحيد أن يفعل؟

وحتى لو بقي الشُّرطيان معه، فلن يتغيّر شيء. قرّر التّنقيب عن حقيقة البلدة ومخفرها العجيب.

أزال الغبار بأصابعه وكفيه عن أوّل الملفّات، أُنشئ قبل عشرين عاما خلت، ويخصُّ تعدّيا على الأملاك العامّة من قبل أحد سكان المنطقة.

كان المحضر مكتوبا بطريقة حرفيّة وحياديّة، ويخلص إلى توصية بعرض المُتّهم على القضاء، وإزالة المخالفة بقوة القانون، وتغريم المُتعدّي ماديا، وبالسجن حسب ما يراه القاضي.

قلّب النّقيب رافع الملفّ، ووصل إلى آخر ورقة فيه، كانت صورة عن قرار الحكم، وقمع المخالفة، لم يستغرق النُّطق بالحكم أكثر من ثلاثة أشهر.

انتقل النّقيب إلى ملف آخر، سميك، يعود تاريخه إلى عشر سنوات، يضمُّ مراسلات مُتعدّدة بين المخفر والقسم المسؤول في شرطة العاصمة، ويخلو من قرار حكم، يتمحور حول خلاف على بناء مدرسة ثانويّة جديدة، ومشاكل الشُّروع بتلزيمها.

أثار ملفّ أخير اهتمام رافع أكثر من سابقيه. كانت السّاعة قد تجاوزت الواحدة صباحا، أعدّ فنجان قهوة يعينه على السّهر، وعلى ضوء المصباح الكهربائيّ الأصفر المتدلي من سقف الغرفة، بدأ بتصفُّح أوراقه.

كان هذا الملفُّ مزيجا من محاضر متعدّدة وتحقيقات متكرّرة، فيه شطب لعدد منها، وتمزيق يبدو مُتعمّدا لأخرى، وتلوُّث شامل برماد السّجائر.

ضحك رافع بلا توقُّف عندما رأى قطعة نقدية لمئة ليرة مغروسة بدبوس معدنيّ في قفا إحدى الأوراق، انتقل إلى الورقة الأخيرة، وكانت صورة عن طلب الاستئناف المُقدّم إلى محكمة الجنايات على حكم قضائيّ بتبرئة أحد المُهرّبين المُتّهم بقتل شاب من البلدة أثناء خدمته العسكريّة في نقطة حدوديّة.

انقلب ضحكُ النّقيب رافع إلى تجهُّم صامت، فقد أفصح هذا الحكم عن مكنونات الأرشيف الأسود للمخفر شبه المهجور.

أُغلقت القضيّةُ عام 1987، ومنذ ذاك التّاريخ، لم تسجّل أيّ دعوى في دفتر وثائق القصر.

صباح اليوم التّالي، قرع المساعد عابد باب المخفر، استيقظ رافع بصعوبة، فرك عينيه، ذهب إلى المغسلة القريبة، وبمنشفة زرقاء أزال آثار النّوم عن وجهه.

كانت ركائز الحقيقة ترتفع بتؤدة أمام ناظريّ الضّابط، طلب من الشُّرطيّ إيضاحات قليلة ليستكمل رسم إطار الصُّورة:

"لماذا توقّف النّاس عن الشّكوى يا حضرة المساعد؟"

أطرق المساعد لوقت طويل، تردّد، تلعثم، ولكنّ الإصرار في عينيّ النّقيب لم يترك له فرصة التّهرُّب من الإجابة.

روى الشُّرطيُّ المخضرم تاريخ خدمته في مخفر القصر، كان تعداد الرّجال كافيا في البداية، ثلاثة ضباط، خمسة مساعدين وأكثر من سبعين عنصرا، وكان الجميع مُجهّزين جيدا، والعتاد كافيا.

لم تكن البلدة خالية من المعضلات، الجرائم الجنائيّة، انتهاك الصّالح المشترك، و التّهريب، لكنّ العدالة كانت مسيطرة، والجميع تحت سقف القانون.

مع مرور الأيام، جاء إلى القصر رجال أغنياء، اشتروا أراضي بعض الفلاحين، وطمعوا بالوقف، وأموال الشّعب، وحرقوا قسما من الغابات، قُمعت المحاولات الأولى بقوة، ومع إصرار المتنفّذين، بدأ عديد المخفر بالتّراجع دون سبب مفهوم.

احتجّ أحد الضُّباط على عدم قدرة المخفر على القيام بواجبه، فلم تتأخر العقوبة المسلكيّة، والنّقل السّريع، ومن يومها، تراجع الوضع، وزاد الطّين بلّة تسرُّب الرّشوة إلى من بقي في المخفر.

عزف الفقراء والمظلومون عن طرق باب المخفر، وأصبح مكانا للمحسوبيّات، وخدمة من يدفع، وغضّ النّظر بالكامل عن التّهريب.

قصّ المساعد عابد حكاية القصر كأنّه كتاب ناطق:

"كان مقتل الجنديّ نبيه في نقطة الحراسة، المسمار الأخير في نعش العدالة، فقد خرجت البلدة عن بكرة أبيها في تشييعه، وعد المسؤولون بمحاسبة القاتل سريعا، كان مُهرّبا معروفا، قتل الشّاب بدم بارد، ولكن القضيّة تحوّلت على مراحل من مسألة وقت للقبض على المجرم، إلى محاولة للصلح ودفع الدّية، وأخيرا إلى تبرئة المُتّهم وتسجيلها ضد مجهول. ومن لحظة إصدار الحكم النهائيّ ببراءة القاتل، صرف الأهالي النّظر عن التّظلُّم، وبحثوا عن طرق أخرى لتحصيل حقوقهم، أمّا المعدمين منهم فسلموا أمرهم لإنصاف السّماء، واكتفوا بالدُّعاء على الظّالمين".

"عندما يكفُّ الشّعب عن الشّكوى، فاعلم يا عابد أنّ وقوع البلوى وشيك، والخراب قريب، إنّ صوت المظلوم يطرد غربان الشُّؤم يا حضرة المساعد".

انتصف النّهار، حضّر عابد غداء بسيطا له وللضّابط الذي انشغل بمآل القصر، فكّر بطريقة يعيد فيها المهابة، والعدل إلى بؤرة الفلتان الحدوديّة، تذكّر فجأة عنصره الثّاني الذي لم يأت بعدُ إلى الدّوام.

"يا سيّدي، زهدي مدعوم ولا يحترم الضُّباط إلا شكليّا، وقد صمد هنا دون أيّ عقوبة، ويدّعي أنّه مُكلّف بمهمة سريّة من قبل جهات عليا، ولا يتردّد بكتابة التّقارير الكاذبة بحقّ من يعترض طريقه".

قرّر النّقيب رافع تأديب المساعد المُتسيّب، ولم يكترث بكيديّته المزعومة.

ملأ الغضب نفس الضّابط الشُّجاع، واهتمّ بكيفيّة تحسين وضع القانون والعدالة في البلدة، وضع في سرّه خُطّة تدريجيّة لتجنُّب الفشل السّريع والصّادم.

قبل الثّالثة عصرا بقليل، وصل المساعد زهدي إلى المخفر بخطوات متثاقلة. بادره الضّابط بلهجة حازمة: "لماذا تأخّرت، هل لديك سبب قاهر؟"

أجابه المساعد ساخرا: "ما نفع الدّوام يا سيّدي، ألا ترى هذا المخفر، إنّه خرابة، والكُلُّ يعلم أنّ وجودنا هنا رمزيّ، ولا نفع منه".

جرّد الضّابطُ زهدي من سلاحه، ودفعه إلى السّجن المفتوح، أغلق عليه الباب الحديديّ قبل أن يفيق من ذهوله.

أصيب زهدي بالهلع، وتفاجأ بردّ الفعل العنيف للضّابط، وهو الذي استطاع ترويض العديد من أسلافه، أفسد أغلبهم بالرّشاوى، وغذّى شائعات الدّعم الغامض له.

استغاث زهدي، استعطف النّقيب بأولاده الذين ينتظرون عودته، ليخرجه من الحبس، ولكنّه فهم من نظرات رافع المشتعلة أنّه مقيم هذه اللّيلة في سجن المخفر كأوّل نزيل منذ سنوات طويلة.

انقلب زهدي من ذئب مُتكّبر إلى قطّ هزيل، وانزوى في زاوية قفصه البارد.

هدأ حنقُ رافع قليلا، عاد إلى مكتبه، هاتف زميلا له برتبة مُقدّم، حدّثه عن حال المدينة، طلب النُّصح.

اقترح الصّديق عليه أن يطلب عناصر إضافيّة للمخفر، وأن يتواصل مع الفعّاليّات المحلّيّة، ويعمل على استرجاع ثقة النّاس.

أرسل النّقيبُ رافع برقيّة إلى مسؤول المخافر الحدوديّة يطلب فيها المساندة العاجلة.

مدّد جسده المتعب على سرير المناوبة القاسي، لم يطُل الأمر، سمع أصوات جلبة بعيدة، ما لبثت أن اقتربت من شُبّاكه.

شعر بخطر ما يقترب. سحب بندقيّة كلاشينكوف من حمّالة السّلاح، وكذلك فعل المساعد عابد. لم تتأخر الرّصاصات الأولى بالخروج من فوهات مجهولة المصدر. تزودا بالجسارة، وحُبّ الوطن، ومخزون ضحل من الطّلقات.


موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات2108/1/1:> 431559

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.1 + AHUNTSIC