زكي شيرخان - السويد

المحتال

زكي شيرخان= سعد حسن، سعد حسني، سعد حساني، أيهم أنت؟

ارتسمت على شفتيه ابتسامة استهزاء.

= جميعهم إذا أضفت سعد حسون.

= هيا معنا.

= إلى أين؟

= الجحيم، أظنك لم تتشرّف بزيارته.

رفع حاجبيه، وأوسع فتحة عينيه، ومط شفتيه دهشة.

= أهناك جحيمان؟

= ماذا تقصد؟

= أنا قاطن فيه.

جرّه من ذراعه، ودفع به إلى داخل سيارة سوداء حديثة. اتخذ مكانه على المقعد الوثير. تفحص بنظره بطانة السيارة المخملية. ضغط بكفيه على المقعد يقيس درجة طراوته. مال برأسه نحو اليمين واليسار ليرى من الفتحة بين المقعدين الأماميين ما تحويه مقدمة السيارة المواجهة للسائق من شاشات وأزرار.

= ترى كم سعر هذه السيارة؟

أجابه السائق بلا مبالاة:

= مئتا ألف دولار.

افتعل ضحكة تقصّد أن يسمعها من هما في الأمام.

= أضيفت ميزة أخرى لما املكه، ركوب سيارة بما يزيد سعرها عن مئتي مليون دينار.

٭ ٭ ٭

أُدخل إلى بيت لم ير مثله إلا في الأفلام. الصالة حوت من الأثاث أفخره، ومن التحف أغلاها، ومن الستائر أجودها. في صدرها جلس رجل على كرسي كأنه عرش، يرتدي جبة وقفطانا رماديتين، ويعتمر عمة سوداء. لم يلتقيه من قبل لكنه يعرفه بحق. هو أحد الزعماء الذين كثيرا ما يطلون على عباد الله من على شاشات القنوات الفضائية.

خمّن، أو كاد يعرف، سبب جلبه بهذه الطريقة إلى هنا. همس أحدهم بأذنه آمرا:

= تقدّم، وقبّل يده.

نفّذ الجزء الأول من الأمر. هو لم يعتد، أو بالأحرى يستنكف تقبيل الأيادي.

= السلام عليكم.

= ألمْ تُحذّر سابقا من التحدث باسمنا، والكف عن الادعاء بانتمائك لنا؟

= نعم أكثر من مرة، وبأكثر من طريقة.

= إذا؟

= أريد أن أعيش. جربت أعمالا كثيرة مما يطلق عليه أعمال شريفة فلم أفلح، أو بالأحرى ظل العوز يلازمني، فالأجر الذي أتقاضاه لم يكن يسد حاجاتي البسيطة. قررت أن أنتمي لكم دون أن ألزم نفسي بما تملوه عليّ. وجدت في النفوس معينا لي.
كما تعرف، الفقراء والمساكين في ظل هذه الأوضاع المزرية يلجئون إلى خلاص حتى لو كان وهميا. يتبركون بخرقة خضراء مسته يدكم، أو قطعة من عباءة كانت يوما على أكتافكم، أو حفنة من تراب داستها أقدامكم، أو ثمرة مقتطفة من حدائقكم الغنّاء؛ والطامعون يظنون أن هذه تزكّي سوء أعمالهم. أيٌ من هؤلاء أو أولئك لا يستطيع أن يثبت أن الخرقة، أو قطعة العباءة، أو ثمرة الحديقة هي ليست مما تبرّكتْ بكم؟ الناس يصدّقون ما يسمعون بعد أن أريهم صورا، ركّبها لي شاب من معارفي، وأنا أسير إلى جانبك أو خلفك. أشرب الشاي معك في جلسة استرخاء بعد يوم مضن في اجتماعات متواصلة للبحث في شؤون الناس واحتياجاتهم. وأنا أستقبلك بعد سفرة ميمونة لدولة جارة وقد بحثت مع مسؤوليها شأن المنطقة.

= تكسب رزقك بالتحايل؟

= على قدر فهمي المتواضع للدين، فإن الذنوب درجات، وعقوبة كل درجة بقدر ضررها. أظن أن التحايل أهون من اغتصاب أموال الآخرين، وأبسط من السرقة واختلاس المال العام، والإثراء غير المشروع، وأن أتحايل على عشرات ومئات الأشخاص لهو أهون من خداع مئات الألوف من البشر أو ملايينهم. أنا لا أبيع إلا للأغنياء أو من يريد أن يغتني من حرام، أما الفقراء فلا أحرمهم البركة، أهديهم إياها.

= كان بإمكانك مراجعة مكاتبنا ووكلائنا لمساعدتك فنحن في خدمة الفقراء والمساكين والمعوزين.

= أو تظن، يا مولانا، أني لم أفعل؟ عندما عرضت أمري عليهم، أجابوني بأن غيري أحوج. العمر لم يتقدم بي. صحتي على
ما يبدو جيدة. بنيتي قوية. عليّ أن أكسب بكدي وعرقي وهو أبرك وأزكى. هذا ما أجابوني.

= أتؤدي واجباتك الدينية؟

= بتمامها وكمالها وعلى قدر استطاعتي.

فهم علامات الاستغراب على وجه محدثه، ولولا خشيته من العواقب لضحك كثيرا، واستهزأ أكثر، ولأسمعه من القول ما لم يقله من قبل.

= إثناء الحرب، كان معي مُجنّدٌ توطدت علاقتي به. سألني يوما عن دوامي على الصلاة إن كانت خوفا من الموت، أم ظنا مني أنها تحفظني من الإصابة. كان جوابي أن لا هذا ولا ذاك، بل قناعتي بوجوبها بغض النظر عن الظروف. كنت أعرف أنه في قرارة نفسه كان من المستهزئين. رأيته قبل سنوات مرتديا جبة وعباءة ووضع على رأسه عمة بيضاء. ومن المؤكد أنه يرتقي المنابر ليحاضر في تمام الوضوء، وكمال الصلاة، وفضل الأئمة والصحابة، ويعنعن لإثبات صحة الأحاديث والأقوال التي يستشهد بها.

= يبدو أن الحديث معك غير مُجّد فقد تماديت في غيك، ولكن حذار فعاقبتك سوء. لا تدفعنا لمسلك لا ترضاه.

= أأستطيع الانصراف؟

اكتفى بإشارة من يده. بهره فص الخاتم الذي طوق بنصره. وَدَّ لو حاز عليه. سيُدفع فيه مبلغ لم يحلم به حتى. ابتسم واستدار قافلا. هذا منفذ آخر للكسب. بيع خواتم تشرفت بمس أنامل مولانا.

وهو يجتاز الممر الطويل في حديقة القصر، لمح نافورة على يمينه، يعزف خرير ماءها قطعة موسيقية مملة. لمعت في ذهنه فكرة أن يبيع ماءا في قنان صغيرة سيخبر مشتريها أنها قطرات من وضوء مولانا، شُربُها يقضي على أشد الأمراض استعصاء على الشفاء.

= ما أكثر منافذ الكسب!

قالها بصوت خفيض لم يسمعه حتى حراس البوابة المدججين بأسلحة لا يعرف منشئها، ولكنه يعرف حق المعرفة فعلها.


موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات2108/1/1:> 694890

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.1 + AHUNTSIC