زكي شيرخان - السويد

حالة رجل متقاعد

زكي شيرخانكبر الأولاد. انهوا دراستهم. انسلّوا تباعا من البيت. تزوجوا، وأنجبوا. صار كل منهم في مدينة أقربها إليه تبعد مسيرة تستغرق وقتا طويلا بالسيارة أو بالقطار. لم يعد يراهم وأحفاده إلا لماما، وربما مر عام دون أن يلتقوا. صار يعرف أخبارهم من أمهم التي تتصل بهم كثيرا. لم يكن يشكو، أو يتذمر. "هكذا هي الحياة": هذه هي قناعته التي يرددها. "كلٌ له مشاغله ومشاكله": هكذا كان يبرر للآخرين، قريبهم وبعيدهم.

هذا يومه الأول من رحلة تقاعده التي لا يعلم متى تنتهي. أربعون عاما قضاها في الوظيفة التي صار ملما بها إلى حد أن المؤسسة التي عمل بها مددت له العمل خمس سنوات، وهي ما تسمح به قوانين العمل بعد سن التقاعد. لأول مرة يجابه حقيقة أنه بلغ السبعين. لأول مرة لم يعد العمل بحاجة له بحكم القانون، ولم يعد الأولاد بحاجة له بحكم استقلاليتهم، وربما لن تكون هناك حاجة به كزوج بحكم السن.

كل هذا يتفهمه، لا بل يتقبله، ليس رغبة بل واقع فرضه الزمن. ما لم يكن يتقبله عقله هو أن يصاب بمجموعة أمراض الشيخوخة إن امتد به العمر لأرذله. لا يمكنه هضم فكرة أن يصبح عالة حتى على أقرب الناس إليه. "أبن آدم جُبل على الرغبة في امتداد العمر، لكن ما الفائدة من هذا الامتداد إن اقترن بآلام العلل؟ والأسوأ إن رافقه تدهور العقل": هذا ما كان يجيب من يتمنى له طيلة العمر.

= لم يعد لك من العذر ما يمنعك من زيارة أولادك، وقضاء بضعة أيام عند كل واحد منهم.

= ما الذي تغير؟

= كنت تحتج بأن لا وقت لديك بسبب عملك.

بدا الإنكار واضحا في نظرته.

= متى اتخذتُ من العمل مبررا لعدم زيارتهم؟

= لم تقلها بلسانك، ولكن كان إيحاء.

تركها. لم يود أن يعكّر مزاجه أو مزاجها. سار نحو الغرفة الصغيرة التي اتخذها مكانا يقرأ فيها، أو يطّلع على أحوال الدنيا من خلال مواقع الإنترنيت على حاسوبه. في الغرفة أريكة يستلقي عليها عندما يريد أن يستمع لشيء من الموسيقى الكلاسيكية، أو موسيقى الجاز.

نظر من الشباك المطل على الحديقة ناقلا نظره بين ما تبقى من الأزهار والشجيرات التي بدأت بعض أوراقها بالاصفرار والعشب الذي بدا أكثر اخضرارا. أولى ملامح الخريف قد بانت. يحب من فصول هذا البلد الخريف حيث تغطي الأرصفة ألوان رائعة من أوراق الأشجار المتساقط، أحمر وأصفر وبني. أوراق ميتة تبهج نظره.

رفع رأسه إلى السماء فرأى سربا من الطيور الكبيرة تتجه جنوبا تاركة البلد لثلوجه. "ترى أيٌ هو موطنها الأصلي، هذا الذي تغادره الآن أم الذي ستحط به؟" سؤال يراوده كلما رأى هذه الطيور مغادرة خريفا، وعائدة ربيعا. هي أحسن حالا منه، تنتمي لهنا وهناك. هو أجبر على ترك وطن لم يستطع العودة إليه، واستوطن بلدا لا يستطيع تركه.

وقع نظره على أزهار تشرين. بدت ككتل ذهبية تحت أشعة الشمس وهي تحيط الشجرة الكبيرة وسط الحديقة. بعثت رؤيتها الحبور في نفسه. أسرع بالخروج مقتربا منها، مستمتعا بلونها. أغراه دفء الجو على الجلوس على جذع شجرة كان قد حولها إلى ما يشبه المقعد. "ترى كم سيمتد بك العمر، وكيف ستقضيه؟"

* * *

كرّت الأسابيع. حل الشتاء بلياليه الطويلة. الثلوج المتراكمة حدّت من حركته خارج البيت. صار النوم عليه عصيا، يستيقظ بعد ساعتين أو ثلاث ويجافيه النوم. في البدء التجأ للتلفاز. قضي الكثير من ساعات لياليه وهو يستمع لبعض من تقدمهم القنوات على أنهم خبراء في السياسة ومحللين وما هم إلا قوّالين يجترّون كلاما لا يُغني. هم أشبه بزوجته حيث لا تكل ولا تمل من تكرار ما قالته لإحدى قريباتها أو معارفها بعيد مهاتفتها. عاف كل ما يُقدّم من برامج.

صار يتذكر كثيرا من الأحداث التي مرت به، أو بغيره، وأشخاصا نسيهم أو كاد. فيما مضى لم تكن مثل هذه الذكريات تحضر ربما لانشغال عقله بعمله الذي يحتاج لتركيز ذهني غير قليل.

تذكر أباه، وكان في الستين عندما أحيل على التقاعد. تغير نمط حياة الرجل بشكل لم يكن يفهمه حينها. انقطع عن السهر خارج البيت وكان من عشاقه. صار من الملتزمين بالواجبات الدينية. يؤدي معظم صلواته في الجامع القريب من بيتهم. لا يكتفي بصيام رمضان بل يتعداه لصيام الاثنين والخميس من كل أسبوع. لا يتوقف عن قراءة القرآن يوميا. لم يعد له من الرفاق إلا حاضري الصلوات في المسجد وأبو إلياس جارهم الجنب الذي تقاعد في نفس الوقت تقريبا، والذي كان يجالس أباه في حديقتهم أيام الصيف.

أبو إلياس كان مواظبا على حضور قداس يوم الأحد أكثر من أم إلياس. كان أول سؤال من أبيه:

= هات خبرني يا أبا إلياس بما جاء في عظة القس هذا الأسبوع.

الغريب أن جارهم كان يسأل نفس السؤال:

= ما موضوع خطبة الجمعة هذا الأسبوع؟

على ما يبدو فإنهما، وتجنبا لملل التكرار، كان يسأل كل الآخر. لكن، بعد فترة لم يعد أيّ منهما يسأل بعد أن لم يجدا جديدا لا في عظة القس ولا في خطبة الإمام. التجئا للشطرنج لقتل الوقت. "قتل الوقت: بالرغم من أنه جريمة، لكن القانون لا يحاسب عليها".

* * *

مضى الشتاء، تبعه الربيع، ثم جاء الصيف. كل ما تغير أنه أصبح يقضي الساعات في الحديقة بعد أن كان يراها من خلف زجاج الشباك. زادت ثرثرة زوجته. صارت تردد ما تقوله مرارا وتكرارا. أسهبت في أحاديثها. لم يملك إلا الاستماع.

= ما لي أراك لا تكترث بما أقوله؟

= أنا مُصغ لكل ما تتحدثين به من أخبار وحوادث، وإن كانت لا تعنيني.

= تستمع ولا تعلق.

= أليس أفضل من ألّا أستمع أبدا؟

أحيانا، كان يحس ضغطا على أعصابه التي كان يخشى أن تفلت منه فيصرخ بها "صَهٍ يا امرأة". من المؤكد أن صرخة مثل هذه ستجرحها، وهذا ما لا يرغب به، ولكنها لم تكن ترحمه. عليه أن يتحملها مثلما عليه أن يتحمل وضعه الذي آل إليه: "هل في اليد حيلة؟"


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات2108/1/1:> 939640

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.3 + AHUNTSIC