أنت في : الغلاف » العدد الفصلي 13: صيف 2019 » مرشّح ميت

زكي شيرخان - السويد

مرشّح ميت


زكي شيرخانكالعادة، بتكاسل وبصعوبة، نزع نفسه من السرير. للحظة فكّر أن يتصل بمديره ليطلب إجازة. من المؤكد أن الرجل لن يرفض. هل يستطيع؟ تخلى بسرعة عن الفكرة، ليس حياء لأن الأمر تجاوز حده، ولكنه لم يكن يعرف كيف سيقضي يومه. على الأقل في مكان عمله يمر الوقت أسرع.

"عليك أن تحمد ربك على أنك حصلت على وظيفة بينما مئات الآلاف من الشباب من أمثالك يتسكعون في الشوارع". هكذا كانت تجلده أمه في كل حين. والأكثر إيلاما كان عندما تُذكّره: "يجب أن تكون ممتنا لأبن عم أبيك سلمان الذي توسط لك للحصول على هذه الوظيفة".

"يا أمي لو تعلمين أن سلمان هذا ما هو إلا أحد تروس ماكينة الفساد لغيّرت رأيك". كان يردد هذا مع نفسه دون أن يجرأ على رفع صوته ليُسمعها. سلمان كان واضحا وصريحا إلى حد الوقاحة.

= لن يكلف تعيـينك إلا هدية صغيرة للمدير العام. هدية بسيطة تعادل، لنقل خمسة رواتب شهرية مما ستتقاضاها.

= لكن...

= لا تشغل بالك، أنا من سيدفع ثمن الهدية إكراما لوالدك.

= في الحقيقة...

= أنت كأبيك تماما، لذا هو بقي على ما هو عليه. لا تريد أن يمنّ أحد عليك. حسنا سأعتبر ثمن الهدية دينا ميسّرا بدون فوائد، وبالتسديد المريح.

= كم كنت أتمنى لو تم تعيـيني دون رشوة.

= ما هذه الألفاظ السوقية التي يرددها الرعاع يا ولد، هذه تسمى منفعة متبادلة.

عرف فيما بعد أن ابن عم أبيه بدأ كصاحب محل لبيع القرطاسية. وبالصدفة، صار مُجّهزا لإحدى دوائر الدولة بما تحتاجه مما يتعاطى به. سرعان ما بدأت اللعبة. يعرض نوعية، ويجهز بأدنى منها. تطور الأمر بالتلاعب بالكميات. لم يكتفِ بالقرطاسية بل صار يجهز الأثاث لهذه الدائرة. منظومة الفساد التي ولج فيها من ثقب صغير أتاحت له الفرصة لغزو دوائر أخرى. موظفون كبار صاروا يلتمسون العمولات الدسمة التي يوزعها عليهم في الوقت الذي يكسب هو أضعافها المضاعفة.

كل ما عرفه عن سلمان لم يكن بإمكانه البوح به لأي أحد.

٭ ٭ ٭

وهو في الشارع، نبّهته الصور الملصقة على الجدران بالانتخابات الرئاسية المزمع إجراءها بعد أسابيع.

انسحب تباعا المرشحون الخمسة ولم يبق إلا الرئيس الحالي. بعد فوزه المؤكد سيكون رئيسا للمرة السابعة.

"حكم لمدة ثلاثين عاما، ويطمع أن يزيدها خمسة أخرى"، دارت في رأسه هذه الجملة. "الرجل بدأ حكمه قبل أن أولد. لا بل بدأ قبل زواج أبي. هل ترى، إن تزوجتُ، سيشهد حكمه ابني؟ ليس هناك ما ينفي هذا الاحتمال". إلا إذا مات". كأن مفردة الموت قد صفعته.

توقف عن السير ملتفتا يمينا ويسارا كمن يبحث عن شيء في وجوه المارة. الرجل لم يره أحد خلال السنوات الثمانية الماضية. لم يلق خطابا. لم يستقبل أيا من ضيوف الدولة. لم يحضر افتتاح مشروع. كل ما يذاع عن نشاطاته هو إصدار مراسيم جمهورية بتغيير وزاري، أو تصديق على أحكام إعدام لأعداء النظام والعملاء ومريدو الشر بالوطن.

أين هو يا ترى؟ آخر ظهور له كان على كرسي متحرك وهو يغادر البلد لإجراء بعض الفحوصات الطبية خارج البلاد إثر وعكة صحية ألمت به، هكذا قالت وسائل الإعلام قبل ثمان سنوات. خبر عودته جاء على شكل بيان صادر عن ديوان رئاسة الجمهورية يبشر أبناء الشعب الوفي لرئيسه الحكيم بعودته سالما.

وقف أمام صورة مبالغ في كبرها للسيد الرئيس. تأمل في سحنته. صرخ في سره: "هل أنت حي؟"

أحس بدوار، واعتملت في داخله مشاعر لم يستطع أن يحددها. كبح جماح غضب اجتاحه في رفع حجر من الأرض وقذفه باتجاه الصورة وصرخة يطلقها بأعلى صوته يسمعها الكل "متى متَ؟".

لم يعد يعرف هل يستمر في طريقه، أم يعود أدراجه، أم يجلس في أي مكان؟ في كل خطوة كان يخطوها كانت فكرة موت الرئيس تتعمق في عقله. "إن كان حيا فلم لم يظهر كل السنوات المنصرمة؟ وإن كان ميتا فكيف استطاعوا كتمان الخبر كل هذه المدة؟ من هم هؤلاء الذين استطاعوا؟"

ليس بإمكانه التحقق مما يدور برأسه. لا يمكنه تخمين ما الذي يمكن أن يحصل لو بث بما يعتمل في عقله لو أفشاه لأحد. "هذا يعني أن رئيسا ميتا يحكمنا طيلة هذه المدة، منذ آخر صورة ظهرت له على كرسيه المتحرك وهو يغادر البلد أثر الوعكة الصحية التي ألمت به. هذه الوعكة كانت بسيطة جدا. لم تكن أكثر من جلطة دماغية شلّت اليدين والرجلين، وأفقدته القدرة على النطق". هل أبناء بلده، وهو واحد منهم، بهذا الغباء بحيث لم يعوا؟

لا الرئيس حي، ولكنه ميت. حي لأنه يتنفس، ويحقن بالغذاء. ميت لأنه مصاب بشلل تام، وفاقد النطق، وقدراته العقلية محدودة لأنه وصل إلى أرذل العمريان لشعبنا الواعي الذي سيخرج بعد أسابيع لينتخب رئيسا ميتا.

٭ ٭ ٭

في صباح اليوم التالي، كل ما فعله عند استيقاظه مبكرا على غير العادة، أن اتصل بمديره مخبرا إياه بعدم رغبته بالحضور. عاد لسريره شاخصا بصره في السقف. "لم يكف أنه حكمنا ميتا، ها هو ذا يترشح لولاية سابعة، يا لسخرية القدر".

ظل لساعات مستلقيا. سمع طرقا على الباب. سمع أباه:

= أهلا سلمان. خيرا، ليس من عادتك أن تزورنا في هذا الوقت. تفضل أدخل.

= كنتُ قريبا منكم، وحاصرتني التظاهرة، فأوقفت سيارتي في شارع فرعي، ثم جئتكم.

قفز من سريره، وأسرع مرحبا. جلس وكله لهفة لمعرفة المزيد.

= هؤلاء الجهلة يريدون أخذنا إلى الفوضى والدمار. يعترضون على ترشح الرئيس لولاية أخرى بكل وقاحة. على الجيش والشرطة وقوى الأمن أن تسحقهم.

= عندما رأيت شحوب وجهك، وارتجاف يديك، ظننت أن الأمر أسوأ من ذلك.

بامتعاض، قال: "وهل هناك الأسوأ؟"

= ظننت أن الرئيس قد مات. على كل حال أرى أن الجيل الجديد يرغب أن يرى جديدا. ثم أن الرجل قارب التسعين، وهو ما عليه من علة ظاهرة. فليدعوه يرتاح فيما تبقى من أيامه.

= يا أبي، الرئيس الحاكم مات من سنين طويلة. نحن نُحكم باسمه.

وبعصبية قال سلمان: "ماذا تقصد يا ولد، أتدرك خطورة ما تقول؟"

= حتى لو لم يدفن الرجل، أتعتبر رجلا شلّتْ أطرافه جلطة دماغية، ويكاد لا ينطق، وإن نطق يحتاج إلى من يفهمه.

= ألم يكن فرانكلين روزفلت مشلولا؟

= المقارنة ليست صحيحة، فرئيس الولايات المتحدة كان مصابا بشلل أطرافه السفلية، وعندما مات كان في بداية السبعين من عمره. روزفلت لم يلتصق بالكرسي لثلاثين عاما.

وباستهزاء: "ومن ترشح حضرتك؟"

= أظنكم تعتقدون أن ليس في البلد غيره يصلح للمنصب. أو بالأحرى... على مدى الفترات الخمسة، وأوضاع البلد تسوء، والبطالة تتفشى، والفساد أتى على الأخضر واليابس. إن لم يتم تدارك الأمر من قبل من تبقى من عقلاء النظام فإن المظاهرات لن تكتفي برفض ترشح ميت للرئاسة بل سيتعداه لمطلب إسقاط النظام.

نهض، واتجه صوب الباب.

= إلى أين أنت ذاهب؟

= إلى الشارع لأرى إلى ما ستؤول إليه الأمور.

D 26 أيار (مايو) 2019     A زكي شيرخان     C 0 تعليقات
كتابة تعليق عام
التعليقات تنشر بعد الاطلاع عليها.

لكي ينشر تعليقك، يجب أن تكتب اسمك وبلدك وعنوانك الإلكتروني. التعليق الجيد يخلق حوارا حول النص أو يساهم فيه. عند التعليق على نصوص الكاتبات ممنوع كتابة أنتي وكنتي ودمتي وابدعتي وما شابه. الصحيح هو: أنت؛ كنت؛ دمت، أحسنت؛ أبدعت.

من أنت؟
نص التعليق

في العدد نفسه

كلمة العدد الفصلي 13: ثنائية الكتاب الورقي والرقمي

الحواضر العـلمية الكـبرى في الدولـة الغـزنوية

قراءة في قصيدة

تحف وأنتيكات

ثرثرات أبي العدس