أنت في : الغلاف » العدد الفصلي 13: صيف 2019 » الـبــاشــا

فنار عبد الغني - لبنان

الـبــاشــا


فنار عبد الغنيلم يعرفوه من الضباب المتكاثف مع ارتعاشات الظلام. وللوهلة الأولى، اعتقدوا أنه شبح تائه يهذي في هذه العتمة القارسة. لقد خرج عليهم كشبح متنكر بحزمة ألوان قاتمة. هيئته الغريبة ألقت عليهم نوعا من الدهشة الممزوجة بالرهبة. كان هو أيضا خائفا ومرتبكا، يقدم خطوة بطيئة إلى الأمام ويؤخر خطوتين سريعتين إلى الخلف، يريد العودة إلى باطن الجبل.

ورغم الجموع الغفيرة من العمال ورجال الأمن الذين كانوا في حالة شديدة الغرابة، إلا أن الرعب كان قد نال منهم لدرجة أفقدتهم التفكير والحركة، الأمر الذي حمل ضابط الدورية على إصدار أمر بإطلاق النار على هذا الشبح القاتم الألوان في حال تقدمه خطوات جديدة إلى الأمام.

الجميع كان في حالة انتظار: الشبح كان ينتظر مغادرتهم ليتقدم إلى الأمام. العمال الكادحون كانوا بانتظار صديقهم العزيز، ورجال الأمن كانوا ينتظرون خروج سعادة الباشا لنقله إلى بيته سالما.

لكن هذا الشبح أثار فزعهم وتساؤلاتهم، وأخذ العمال يفكرون بالأسوأ: ربما هذا الشبح ليس شبحا بل غول ابتلع صاحبهم في جوف الجبل. وقد سرت هذه الفكرة كما تسري النار في الهشيم، وانتقلت إلى رؤوس رجال الأمن. أما الضابط فقد أمر باستدعاء المزيد من الرجال وتشكيل طوق أمني حول معمل الحجارة.

قال أحدهم: "لا يوجد غول. هذا حيوان من حيوانات الجبل التي لا تخرج إلا ليلا".

لكن الأمر سيان، سواء أكان هذا شبحا أم غولا أم حيوانا جبليا، فالعمال كانوا يخشون أن يمس صاحبهم مكروه، والضابط ورجاله كانوا خائفين على الباشا من العمال ومن الليل.

عاد الشبح إلى جوف الجبل. الصمت والقلق خيما على الجميع ولم يقطعهما إلا هدير بعض الشاحنات المحملة بالبضائع، والعديد من العمال الفلسطينيين الذين أنهوا عملهم وخرجوا يمشون جماعات قافلين إلى شوادرهم في المخيم.

أخذ العمال يروحون عن أنفسهم بالكلام عن الباشا. كان رجال الأمن اللذين يطوقون المكان منذ ساعة تقريبا، بسبب خبر سمعه أحد رجال الأمن، الذي سأل بدوره العمال عن سبب تجمعهم بعد انتهاء عملهم، فأجاب هذا الأخير بأنهم ينتظرون الباشا، فقام رجل الأمن بإبلاغ الشاويش عن وجود باشا في معمل الحجارة، والشاويش بلّغ الضابط، الذي حضر بنفسه للاهتمام بالموضوع.

كان رجال الأمن يتشوقون لرؤية الباشا الذي يعرفه العمال اللاجئون، لذلك أخذوا يصغون إليهم باهتمام لمعرفة الباشا ورسم صورة له في مخيلتهم.

قال أحد العمال: "الباشا ابن عائلة كبيرة في قضاء عكا. إنسان كريم الأخلاق، جواد وفارس، أصيل، لكنه أجبر على الرحيل كغيره من الفلسطينيين. الباشا إنسان متواضع ليس كغيره من الباشوات".

قال العمال: "إنه يستحق أن ننتظره في هذا الليل البارد".

وقال عامل آخر: "لقد أعطاني ما معه من نقود، عندما سمع سعالي ولهاثي الشديد. خاف عليّ أن أفصل من العمل، ورافقني إلى المستشفى لأتعالج".

قال عامل ثالث: "لقد حملني الباشا على ظهره عندما وقعت على كومة أحجار في المعمل".

قال عامل رابع: "لقد زارني الباشا في شادري يوم العطلة".

في جوف الجبل، كان يجلس عامل أنهكه التعب. جلس متكوّما على نفسه لا يقوى على الحركة. ولما أحس ببعض القوة، قام ليسحب قسطا من الهواء النقي، لكنه سمع جلبة لم يفهمها عقله، فتراجع إلى الخلف، ودخل الجبل ريثما يهتدي إلى تفسير ما.

اعتقد أنهم اللصوص الغرباء الذين احتلوا أرضه وبلاده، الذين لا يشبهون أحدا منهم: لغاتهم غريبة وأشكالهم غريبة، ولا يجمعهم سوى الزي العسكري الموحد والأسلحة التي يحملونها ويقتلون بها الفلاحين دون أي ذنب. اللصوص الغرباء الذين لا يشبهون لون أرض فلسطين ولا يفقهون لغتها ولا قصص الحقول والينابيع والمطر. في وطنه فلسطين، كانوا دائما ينشدّون للطّبيعة، ولذلك نمت الأشجار ونما الزرع وتدفقت المياه من الينابيع.

أعادت أصوات الأسلحة القادمة من خارج الجبل جمر ذكريات سنة 1948: سنة النكبة. نزفت الذاكرة سيل الصور، وتجسدت أمام عينيه مشاهد قطيع اللصوص الغرباء وهم يقتحمون قريته، ويطلقون النار على كل من يرونه، ثم أخذوا يدمرون البيوت بعد أن سرقوا حلي النساء ونهبوا الماشية ونبشوا جيوب من قتلوا من الفلاحين.

في تلك الليلة المشؤومة، فقد عائلته بأكملها. واضطر للفرار لينقذ أحد الجرحى من أبناء قريته وينقله على ظهره إلى قرية مجاورة، سالكا طريق البساتين.

أقعدته الجراح على الأرض، وكبلت تفكيره وحركته، ولبث في مكانه، لا يدري ماذا يفعل.

بعد طول انتظار، تطوع أحد العمال للدخول إلى الجبل في هذا الظلام وبعد أن توسل رجال الأمن طويلا. أخيرا سمحوا له بالدخول. مكث قليلا ثم عاد حاملا رجلا طويلا، مكسوا بالغبار الذي طمس ملامحه، أخذ الرجل يسعل سعالا متقطعا ويتصبب عرقا. تدافع عليه العمال. أخذوا ينفضون عنه الغبار، ويقدمون له الماء، وهم يقولون: "الحمد لله على سلامتك يا باشا".

حمل العمال الرجل فاقد الوعي على أكتافهم ومضوا به إلى المخيم، ووسط استغراب ودهشة رجال الأمن ونظرات غيظ الضابط، قال أحد رجال الأمن: "فكرنا الباشا باشا، طلع الباشا زلمة".

D 26 أيار (مايو) 2019     A فنار عبد الغني     C 0 تعليقات
كتابة تعليق عام
التعليقات تنشر بعد الاطلاع عليها.

لكي ينشر تعليقك، يجب أن تكتب اسمك وبلدك وعنوانك الإلكتروني. التعليق الجيد يخلق حوارا حول النص أو يساهم فيه. عند التعليق على نصوص الكاتبات ممنوع كتابة أنتي وكنتي ودمتي وابدعتي وما شابه. الصحيح هو: أنت؛ كنت؛ دمت، أحسنت؛ أبدعت.

من أنت؟
نص التعليق

في العدد نفسه

كلمة العدد الفصلي 13: ثنائية الكتاب الورقي والرقمي

الحواضر العـلمية الكـبرى في الدولـة الغـزنوية

قراءة في قصيدة

تحف وأنتيكات

ثرثرات أبي العدس