مختارات: حكمت النوايسة - الأردن

تدقيق لغوي


أعمل مدققا لغويا، ولي في هذه المهنة ست عشرة سنة، لم أخطئ، ولم يكتشف أحد بعدي خطأ نحويا واحدا. أولعت بالتدقيق، وصرت أدقق بكل شيء، صرت - في كل عبارة أقرأها- أبحث في الوجوه الإعرابية المحتملة إذا رأيت فيها خطأ ما. صرت أرى الشارع أسطرا، و الناس والأطفال -على وجه الخصوص- نقاطا متحركة تحتاج إلى من يضبط تواجدها على الحروف. الشوارع أسطر. البقالات نصوص تحتاج إلى ضبط.. الأصدقاء نص غير مرقوم. عرائض النواب نصوص تحتاج إلى مراجعة. سائقو التاكسي يحتاجون إلى تنصيص. مخالفات حزام الأمان الموسمية تحتاج مدققين. حركة السيارات التي تدخل إلى الأردن تحتاج تحريرا لغويا. أسعار الشقق تحتاج تنسيقا جديدا غير التنسيق العشوائي بين السماسرة والأموال الكثيرة التي تباع وتشترى بها دون أن نعلم مصدرها.

كان: فعل ماض ينصب الخبر.

سألتني ابنتي: "كان ينصب يعني كان نصاب؟"

إن: حرف توكيد ينصب الاسم.

سألتني ابنتي: "إن نصاب؟"

الفعل ينصب المفعول به. الفعل مختص بالنصب ويرفع الفاعل، فهو مختص بالنصب والرفع.

المبتدأ هو المختص بالرفع.

ليس المبتدأ وحده. معه الوزارات والمستشفيات ومصفاة البترول والمستوردون، ودهاقنة الجامعات، كلهم مختصون بالرفع، برفع ما يمكن أن ينصب مشنقة المواطن أو ينصب المواطن على قارعة الطريق شحادا.

التبس الأمر علي، ولم أعد قادرا على فصل هذه المهنة المؤذية التي أمتهنها عن الواقع الذي بت أراه يحتاج إلى تدقيق. أريد أن أدقق كل شيء، الشبابيك، الأبواب، وأسعار الخضار، و لافتات المطاعم. خذ هذه مثلا. قرأت إعلانا لأحد المقاهي هذا نصه:

"كوفي ميت."

وبعد أمتار مقهى آخر عنوانه "كوفي شب."

لم يعد الشكل هذه المرة يعنيني، أوضعوا شدة على الياء، أم لم يضعوا. وأخذت أفكر في المعنى. لم اختار صاحب المقهى كوفيا ميتا عنوانا لمقهاه؟ ولم اختار الآخر كوفيا شب عنوانا؟ وما قصة الكوفيين والمقاهي؟ هل وضع في المقهى الأول نحت لكوفي ميت؟ ما دلالة ذلك؟ هل وضع في المقهى الثاني نحت يمثل كوفيا في شبابه؟ ما جدوى ذلك؟ وما دلالته في الزمن الذي لا نعرف له رجلا من وجه؟ لم اختير الكوفيون ولم يختر البصريون أو البغداديون عناوين للمقاهي؟ لكم الله يا أهل الكوفة؟ في الزمن الماضي ضاع ما جمعتم من اللغة، والآن أنتم عنوانات المقاهي المشوهة. لكم الله.

مهنتي مدقق لغوي، و أتمنى أن أستبدل بها بطاقة تموين، أو بطاقة تأمين صحي—خاص بالعيون. العيون وحسب. وأعاهد من يعالجني على ألا أدقق بأي شيء.

نهضت مبكرا، وتفقدت جيبي المشنوقة في القميص المشنوق على الحائط، وجدت البطاقة، والتعهد الذي أبرمته مع الطبيب. فتحت النافذة، كان الفضاء كتابا مليئا بالأخطاء، والأرض محبرة، ولا أحد يدقق.

لا أحد يدقق.


قصة قصيرة نشرت في صحيفة الرأي الأردنية (3/2/2006)

D 1 حزيران (يونيو) 2006     A عود الند: مختارات     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  كلمة العدد 85: ظاهرة اليساريين سابقا

2.  معرض بيروت للكتاب 2018

3.  باديس فوغالي

4.  حكاية مزعجة: الزوجة

5.  أسرع من إيقاع رقصهم


القائمة البريدية