عدلي الهواري

عصر الكومبيوتر


قبل عقدين من الزمن شاهدت رسما كاريكاتيريا في مجلة للمهندسين. جهاز كومبيوتر ضخم يطبع، والأوراق متكومة قربه. الموظفون جالسون في المكتب على مقربة من الحاسوب. بعضهم يدخن الأرجيلة (الشيشة)، وبعض آخر يلعب طاولة الزهر (النرد). التعليق المصاحب للرسم كان: "عصر الكومبيوتر." والسخرية الواضحة في الكاريكاتير أن عصر الكومبيوتر لم يغير شيئا في طباع البشر، على الأقل في أماكن العمل.

طبعا تطورت أجهزة الكومبيوتر كثيرا منذ عشرين سنة، ودخلت في الكثير من الأعمال، ويصعب الآن تصور أعمال لا يستخدم فيها الكومبيوتر، خاصة في الصحافة، على الأقل لكتابة النصوص. ولكن عصر الكومبيوتر الذي عايشته في غرفة أخبار مؤسسة إعلامية لا يختلف عن العصر الذي شخصه رسم الكاريكاتير. والمشهد كالتالي.

هنالك جهاز كومبيوتر على كل مكتب. ولكن الأجهزة إذا استخدمت، فإنما للغرض غير الأساسي فيها. فهناك تجول على الإنترنت، وطبع نصوص منها، ولكن المتجولين في فضاء الإنترنت يكتبون النصوص باليد بالقرب من جهاز الكومبيوتر، لا باستخدام برنامج إعداد النصوص في نفس الجهاز. وهناك استخدام للبريد الإلكتروني المجاني، وتخاطب مع أناس بعيدين المئات من الأميال، ولكن لا تخاطب مماثلا بين فريق العاملين في ذلك اليوم.

ومن استخدامات الصحفيين الأخرى لأجهزة الكومبيوتر الاستماع إلى الأغاني، من خلال الذهاب إلى مواقع خاصة بالأغاني، فيستمع أحدهم إلى شعبان عبد الرحيم يتحدث عن جنون البقر والبشر، وآخر يفضل الاستماع إلى عبد الحليم حافظ، والهوى هوايا. تنطلق الأغاني ويتحول مكان العمل إلى مقهى شعبي، ولا ينقصه إلا أن ينادى على صبي ليأتي بثلاثة شاي واثـنين قهوة.

أحيانا يسعى أحدهم إلى التظاهر بالحرص على مشاعر الآخرين، فيسأل المشكوك في امتعاضه مثلي: "أيضايقك الصوت؟" فتعرف أنك إن قلت نعم، نكدت على السائل يومه، وسيخاصمك بقية العمر. أما الجواب الذي يتوقع، والمخالف للحقيقة، فهو "لا، لا يضايقني الصوت." وتواصل العمل بصمت.

التلفزيونات أيضا توضع في غرف الأخبار لاستقبال القنوات الإخبارية حتى تمكن متابعة حدث ما قد يتطور، وتكون هناك كاميرات تتابعه أثناء حدوثه، فيمكن للعاملين في غرفة الأخبار متابعة الحدث أولا بأول. لكن القنوات التي تتابع بشغف هي تلك التي تعرض أفلاما قديمة، بما في ذلك أفلام إسماعيل ياسين، أو مسلسلات درامية. وفي المواسم الرياضية، هناك متابعات للمباريات بين هذا الفريق أو ذاك، أو بين بلد وآخر. ينفعل المتابعون للمباراة طبعا، ويزداد الضجيج في المكتب، ويكثر الإفتاء في الرياضة من قبل أناس قليلي الحركة.

هذا هو عصر الكومبيوتر والقنوات التلفزيونية الفضائية كما عايشته في غرفة الأخبار.

D 1 تموز (يوليو) 2006     A عدلي الهواري: بحوث ومقالات وقصص     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  معلومات عن العدد الحالي

2.  ملف غزة: ذكريات تنكأ الجراح

3.  نصان: تواصل وكم أغبط الشمس!

4.  جولة في حضرموت

5.  فنجانا قهوة


القائمة البريدية