ياسمينة صالح - الجزائر

نصوص متفرقة

كتابات إبداعية


كم عمرك؟

سألها عن عمرها ولم ترد. في الحقيقة لم تتوقع أن يسألها عن عمرها أولا. كانت تريد أن تكسب وقتا قبل أن تكون جاهزة لسؤال كهذا.

قالت لها صديقتها الخبيرة في المواعيد واللقاءات:

"اسمعي. لا تتكلمي معه عن شيء تقليدي، بادري بالحديث في مواضيع تتحكمين فيها. لا تفقدي زمام المبادرة، ولا تكسري الصمت بالسؤال. اجعليه يعتاد عليك. ثم دعيه يطالب بحضورك يوميا. واجعليه المبادر للاعتراف يحبه لك."

ولكن عندما جلست أمامه ارتبكت. فهذه أول مرة تلتقي فيها بشاب تعرفت عليه عبر الهاتف. أعجبه صوتها وأعجبها صوته. قبل أن يلتقيها سألها عبر الهاتف: "كيف سأعرفك؟" واتفقا أخيرا على أن يحمل كل واحد منهما جريدة تحمل نفس العنوان. شعرت أنه حين رآها بدا انه انتظرها أكثر من اللازم. شعرت أنه بدا مترددا أيضا حين جلست قبالته. كانت مرتبكة وكان يبدو خائبا ينظر إلى ساعته كمن يستعجل الذهاب. ثم فجأة سألها:

"كم عمرك؟"

وارتبكت. لم تعرف كيف ترد وكيف تبادر إلى الحديث عن شيء آخر. كان ينتظر ردها، وحين تأخر جوابها رأته يقف ويقول لها:

"بصراحة أنا مرتبط بموعد عمل نسيت إخبارك عنه أمس."

ثم أضاف كمن يعوضها عن شيء: "سأكلمك الليلة،" وذهب.

بقيت جالسة تنظر إليه منسحبا. حين اقترب النادل يسألها ماذا تشرب، نظرت إليه وقالت: "عمري أربعون سنة."


مدرسة

سأله التلميذ: "كيف نفرق بين الواجب والاختيار؟" فرد المعلم متحمسا للدرس:

"الحرية مسؤولية، والواجب هو الذي يصنع الإنسان بينما الاختيار يصنع منه هواية."

كان الدرس طويلا. في نهايته قال المدرس لتلامذته سعيدا بالخاتمة:

"اسمعوا جيدا يا أبنائي: الدين معاملة، والوطن أمانة، والجار وصية تركها لنا نبينا صلى الله عليه وسلم. إن استنجد بك جارك عليك أن تلبي. عليك أن تلبي كيفما كانت علاقتك به، فنصرة المظلوم جزء من حبنا لله، ومن يحب ربه ينصر مظلوما يستنجد به."

حين غادر الأطفال الفصل وجدوا الشارع محاصرا بالدبابات والعسكر ورجال الأمن الذين طوقوا المتظاهرين الهاتفين: "لبيك يا فلسطين."


حب مثالي

قال لها: "أحبك." واستغربت أن يقول لها "أحبك" بذلك الصوت الجاف. لم يلمس يدها، ولم يضمها إلى صدره كما يفعل عاشق خارج من أفلام الأبيض والأسود. كان ينظر إلى البعيد صامتا وبعيدا. وبدا لها صمته مهينا كصفعة مباغتة. ظل مديرا ظهره، وظلت تنتظر منه أن يصحح غلطته بالتفاتة منه. وحين التفت وجدها قد غادرت. لم يلحق بها. أحس أنه قال الكلمة المناسبة لتذهب. أليس الحب أن تذهب حين لا يكون ثمة سبب للبقاء؟


فارق

ما يهمني أن العالم كما هو لن يتغير، وأنني سأظل كما أنا لا أتغير، وأن الكوارث والمصائب والهموم تختار أصحابها الدائمين، وأن الفجائع حين تضرب تتفادى القصر الرئاسي وأحياء الجنرالات الذين لا يجدون وقتا للبكاء أو للتساؤل، فللموت رائحة الفقراء. ولأن الفقراء يتكدسون في نفس الأمكنة، يصطادهم الموت جماعيا ليقتصد في الوقت والجهد.


الولد

أراد أن يكون له ولد ورأى ذلك حلما جائزا بعد خمس بنات وعمر ربطه بالكارثة. كان يريد الولد ليتباهى به أمام نفسه، وليسكت به سخرية إخوانه الذين كانوا يسألونه: "وماذا بعد؟"

قالت له أمه: "تزوج من ثانية وستفرح بالولد."

فتزوج من جديد. وحين جاء موعد الوضع، جلس منتظرا ومستبشرا.

قالت أمه: "أخيرا سيكون لك ولد يحمل اسمك."

عندما بشرته الممرضة بسلامة المولود ابتسم متباهيا. وحين دخل إلى غرفة المولود وجده بنتا.

D 1 آب (أغسطس) 2006     A ياسمينة صالح     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  معلومات عن العدد الحالي

2.  ملف غزة: ذكريات تنكأ الجراح

3.  نصان: تواصل وكم أغبط الشمس!

4.  جولة في حضرموت

5.  فنجانا قهوة


القائمة البريدية