روضة الجيزاني - السعودية

انتظار

كتابات إبداعية


يستيقظ من نومه مبكرا. يمارس تلك الطقوس التي اعتادها يوميا. وفي طريقه لمكتبه، يجري عشرات الاتصالات. يزدهر خياله بنجاحات حققها ومازال ينتظر تحقيقها. يلتقط شريطا اعتاد على سماعه يوميا. صوت الأماكن يحرك ذكرى سنواته العابرة. يحاول أن يلتقط صورا من أماكن كانت عناوين للقيا بينهما فلا يجد سوى مساحات فارغة تشيخ أمامه اللحظات، وتصبح الأشياء التي حوله عجوزا ينتظر نهايته بكثير من القناعة.

يواصل السير. "يا أنت لم تخلق للأحياء وإنما للأشياء،" عبارة رددتها كثيرا. ظلت بداخله تجسد أمسه وحاضره، تلوح بسنوات مضت جعلت كل شي أمامه مصابا بالوحدة والوجع وذنب الانتظار، وتفاصيلها اليومية يجدها أمامه تمطر الحزن بسخاء.

انتظار. الجميع ينتظر عودته. الجميع يجب أن ينتظر مقدمه. يستقرئ أفكاره حتى وإن كانت كتلة من وهم. انتظار لا يحمل معه إلا صقيع الحياة. انتظار تقيده مفاهيم لا تليق إلا به، مفاهيم تختصر الحياة أمامك، تجعل منك وجها للشقاء والكآبة.

يواصل السير من نفس الطريق. محطته اليومية تفاصيل تتبارى أمامه مواكب من الحزن والشقاء. يحدث نفسه: صحراء هي حياتي، وإناء الصبر تيبس من شدة الجفاف، وتلك الحبيبة هي من يدفعني للحياة، للعطاء. ذبلت من صقيع الوحدة ووجع الانتظار. ما أفقرني إليك، إلى معانقة يديك، ونظراتك لي تحيي الجدب وتهبني الحياة.

يسير ويقترب من نهاية المشوار. يستقبل أصواتا عبر هاتف سيارته تذكره بمواعيد تواجده على الخارطة الاجتماعية، ويختلط ذلك بأصوات سيدات اعتدن على الأخذ دون عطاء. أصوات محشوة بعبارات النفاق وصقيع الخيانة. لم يعد للحلم حياة، لم يعد للنجاحات طعم، ولم تعد لحظاتي إلا صقيعا وثورة من الألم وذكريات لا تحتمل. لم تعد الأشياء تحملك لي. كان حبي لك شريرا أنانيا لم يستطع التوطن إلا في تلك الوجوه الشريرة، وتلك المفاهيم الخطأ التي اعتادت على الأخذ. لم افهم مفاهيم العطاء حتى أصوغ لك حرفا يليق بعظمة حبك لي وطهرك. كنت عاقرا انشد العطاء بعيدا عنك.

وينتهي مشواره اليومي. يقف عند بوابة مكتبه ينظر إليها فلا يجد سوى ملامح كساها الانتظار وحولها إلى انكسار ضار. يحاول أن يعيدها إليه بعد أن أصبحت أيامه جثثا محنطة تفوح منها رائحة الموت، ومرارة تفصل بينه وبينها لحظات الأنظار، وتفاصيل تاهت ضمن أطر النظريات والأرقام وقوانين ارتجلها يوما ليصنع منها منطقا للحياة التي عاشها معها ليعترف اليوم أن الانتظار مؤامرة، وأن العطاء خيانة، وتلك الوجوه خلقت للخيانة، وأن الحقيقة الوحيدة هي من كانت شاهدا للوفاء والأمان ورمزا لأصعب شي: الانتظار.

D 1 أيلول (سبتمبر) 2006     A روضة الجيزاني     C 0 تعليقات