عيسى ريتا - السودان

أساطير وذكريات


كان الصبي ذو السحنة السمراء يلهو بسعادة على الضفة الغربية من الأخدود الأفريقي العظيم. يبعثر ذرات رمال شاطئ البحر الأحمر في عنان السماء. وقد أبلغه جده أنه قد قرأ في صحيفة ذات يوم أن بعض العلماء قد صرحوا بأن البحر الأحمر سيصبح محيطا عما قريب، لأنهم اكتشفوا تباعد ضفتيه بسرعة، وخلال فترة وجيزة بلغ تباعد الضفتين سبعة كيلومترات.

لم يكن هذا الصغير يعلم أن هذا اليم لم يكن في عهود خلت سوى يابسة تسعى فيها الخلائق، وتنبت فيها الغابات، وتعج بالحيوانات المتوحشة والأليفة والطيور بشتى أنواعها وأجمل ألوانها. لم يكن يدرك أن (شعب البجا) الذي ينتمي له، وأخذ منه السمرة والتواء اللسان والعيش على رؤوس الجبال، هم أقدم شعوب تعيش هنا حيث يعيش. ولذا عاشوا في عزلة عن العرب الذين يعيشون على نفس الضفة معهم، وإذا صدق العلماء فيما قالوا في الجرائد فربما شق الله بينهم وإخوتهم العرب في الضفة الشرقية للبحر الأحمر شقا لا يزال يتباعد كل صبح وليل.

كان الصبي يستمع من جدته بلغته المحلية لقصص وحكايات عن عبلة وعنتر، وقيس بن الملوح، ومجنون ليلى، ولقصص تروى في الكتاب المقدس (العهد القديم) ومقتطفات من الأدب الجاهلي، وحكايات كليلة ودمنة، وأنساب العرب. وحين بدأ تعلم اللغة العربية في المدرسة كان كل ما يروى له تكرارا لروايات حفظها بلغته المحلية. ولكنه أحب اللغة العربية، وكان كمن وجد ضالته فيها، فبدأ يعمل على إتقانها، حتى يكون قادرا على التواصل مع إخوانه العرب على ضفتي البحر الأحمر.

بدا ذات يوم وكأن قطا ينصت لحديث مع جدته، فقالت الجدة: "انظر إنه موسى تيتا. كن حذرا في كلامك عن الجيران فقد يوصل الكلام إليهم وتقع في شر أقوالك." نظر إلى القط والدهشة تعتريه، فقد كان موسى تيتا توأما سياميا. وببراءة الصغار سأل جدته إن كان من الممكن له أن يتحول إلى قط فقالت لا لأنك لم تولد توأما.

وكانت الجدة تقول إن الريح نتيجة تحرك الجن، والعواصف تنتج عن أعراس للجن، وقوة العاصفة تعتمد على نوع العروسين، فإن تزوج جني جنية تهب علينا الريح، وإذا تزوج عفريت عفريتة، هبت علينا عاصفة، وإذا تزوج الشيطان عفريتة، هبت علينا عاصفة هوجاء مصحوبة بالمطر. وماء المطر مسكر للجن، ورقص العفاريت يؤدي إلى اقتلاع الأشجار.

بعد أن أصبح الصبي شابا، صار ينتبه في قريته إلى بهاء السمر الحسان، وإلى رقتهن كقطرات الندى. وأحب إحدى بنات قريته، ولكن حبه لم يكتب له البقاء، فحتى بين الحبيبين كان هناك أخدود تتباعد ضفتاه. وجد السلوى في الكتب، ويذكر أنه قرأ رواية "الحب في زمن الكوليرا" لغابرييل غارسيا ماركيز، ولم يدرك آنذاك إنه كان يقرأ رواية لكاتب شهير حائز على جائزة نوبل، فقد كانت النسخة التي قرأها بدون غلاف.

D 1 أيلول (سبتمبر) 2006     A عيسى ريتا     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  معلومات عن العدد الحالي

2.  ملف غزة: ذكريات تنكأ الجراح

3.  نصان: تواصل وكم أغبط الشمس!

4.  جولة في حضرموت

5.  فنجانا قهوة


القائمة البريدية