أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 6: 60-71 » العدد 65 » قصتان: الشبيه + البعث

سهير شكري - مصر

قصتان: الشبيه + البعث


الشــــــــــــبيه

أبرق لها عينيه: انتفض شاربه إلى أعلى. وضع مسدسه فوق المنضدة. صرخ في وجهها.

"أنا هنا السيد. أنت الخلعة التي خلعها الله علي."

ثم أعطى لها ظهره. علا شخيره.

خرجت منه رائحة كريهة مقززة. تنظر إليه باشمئزاز. تشعر بالغثيان.
ترفع عينيها إلى الجعران المقدس. يحمله قرص الشمس.

"هل من مغيث؟"

يرد عليها الشيخ الملتحي:

"لا يحق لك أن ترفضي له طلبا. هذا قدرك. عليك الطاعة العمياء. لا تجادلي. والا غضب منك الإله."

انتفض جسدها. علا تنفسها. إختنقت من نبرة التهديد التي تغلف حديثه. تسرب اليأس والقنوط إلى روحها. تعود وتنظر إليه (تحدث نفسها) بالرغم من أنه بلغ من العمر أرذله، والموت يدور من حواليه، يحصد من أيامه الخوالي، ما زالت عيناه براقتين قاسيتين تشتهي أن تلعق مزيدا من الدماء.

فلتحرسنى منه عين حورس كما تحفظ المومياوات حتى ابعث من جديد إلى الحياة.
أي لعنة أكنها له مخبأة بين ضلوعي. الحمى تشتعل داخل رأسي. الغضب مثل قطار مندفع كالبركان فأنتفض مثل ربة الثأر الإغريقية أحطم حواجز الخوف. أرغمته على الرحيل. تهاوت أمامى جدران الظلام والصمت فإذا كان جسدى من طين الأرض فروحى مضيئة تستمد نورها من القبس الإلهي الذى أودعه قلبي.

دخلت حجرتى لأول مره منذ ثلاثين عام من الضياع والخوف استباح فيها جسدي وحاول تحطيم روحي.

منيت نفسى بنوم هادئ وسرير طاهر وجو معبأ برائحة الورد. لكن استيقظت فجأة فزعة على نفس الرائحة المقززة. تملكني الرعب. أتشمم يدىّ. ملابسي. أغطيتي. يا الهي! نفس الرائحة تزكم أنفي وتشعرني بالغثيان.

جمعت كل ملابسي القديمة وأغطيتي. فتحت نافذتي لألقي بها لعلي أتخلص من هذه الرائحة المميتة. راعني وجود شبيهه تحت نافذتي. أغلقت النافذة أصابنى الخوف والقلق من أن أفتح بابي فأجد شبيهه خلف الباب تنبعث منه نفس الرائحة. أيقنت أن عشقه وولهه باستعبادي لن ينتهي بالرحيل.


البعث

ركب المسافرون الحافلة. كان السائق يبدو هادئا طيبا، ومعه الكمساري يتفحص بعينية الواسعتين المسافرين، وتباع ملابسه كلها شحم وزيوت. مهمته مسح الحافلة بعد اكتمال العدد.

سارت الحافلة بهم وهم يتطلعون للوصول تراودهم أحلام تتولد من خيالات المسافرين.
ما هي إلا لحظات حتى راح الجميع في نوم عميق.

أفاقوا وإذ بهم يفترشون رمل الصحراء القاحلة: لا زرع. لا ماء، وتحت جبروت الظهيرة ينظرون بعضهم لبعض فى ذهول، يتسائلون أين الحافلة والسائق والكمساري والتباع؟ هل ضللنا الطريق. عبثا حاولوا العثور عليهم.

اكتشفوا أنهم كانوا ضحية لعملية سطو من مجرمين عتاة خدروهم وسرقوا أموالهم ومتاعهم حتى طعامهم وطعام أطفالهم. ماذا يفعلون؟ أيقنوا أنهم هالكون لا محالة، وأجسادهم كادت تشتعل تحت الشمس المستعرة. لم يجدوا إلا كهفا في الجبل لجأوا إليه يحتمون به من وهج الصحراء.

وعندما آلت الشمس للمغيب حاولوا الخروج لعل الله يرسل لهم من ينقذهم. أصابهم الفزع وقد وجدوا الفتحة سدت بصخرة ضخمة يستحيل زحزحتها.

هل سيمكثون داخل الكهف حتى يدركهم الموت؟ ماذا يأكل أطفالهم إذا طلبوا الطعام؟ لن يجدوا إلا الحشرات. وماذا لو عطشوا؟ لن يجدوا إلا بولهم. إنكفأوا على أنفسهم وكأن الأرض تربض فوق كاهلهم. علت نداءات الاستغاثة والنحيب كأنهم خلعوا أردية الأمل على فتحة الكهف، بعضهم مذهول ينظر إلى حيطان الكهف الحجرية الصلدة والبعض راح فى غيبوبة وهناك من يتضرعون إلى الله بالصلاة.

الشباب يتناقشون يحتدون يختلفون منهم من يدين السائق والكمساري والتباع، وآخرون يدينون أنفسهم لأنهم ركبوا كالقطيع ولم يتحققوا من السائق، وثالث يلتمس لهم الأعذار فالسائق كان ذئبا يرتدي قناع الحمل الوديع.

وأخيرا خيم الظلام عليهم ليعلن أنه هو الحقيقة الوحيدة وليس الضوء إلا خدعة لتضليلهم، وأن السائق والكمساري والتباع الآن ينعمون بما سلبوا ونهبوا موقنين بموتهم آمنين فمن سيحاسبهم على جريمتهم؟

بينما اليأس والقنوط يسيطران عليهم إذ بأحد الشبان يصيح بأنه عثر على صندوق لعل بداخله بعض لقيمات وزجاجة ماء للأطفال الذين أصبحوا يواجهون الموت.

تجمع الكل حوله فى لهفة لكنهم للأسف لم يجدوا إلا بعض الأوراق والخرائط فانصرفوا ليأسهم. لكن بعد برهة صاح الشاب كالمجنون لن نموت غرباء يجهلنا العالم أحياء وأمواتا عرفت الطريق. تحت الصندوق سرداب لو تتبعناه سنخرج جميعا إلى الميدان.
صرخوا فرحين واندفعوا وراءه فى السرداب يحدوهم الأمل فى عودة الحياة حتى وجدوا أنفسهم وسط الميدان مرددين إنشودة النصر الهيستيرية يطالبون بمحاكمة السائق والكمساري والتباع. قبضوا بالفعل على السائق والكمساري وذويهم وسط ذهولهم لا يصدقون أن ضحاياهم مازالت على قيد الحياة يرددون كالمجانين من أنتم؟ من أنتم؟ ومن أين جئتم؟ هل الأرض انشقت وأخرجتكم؟

أما التباع فلم يعثروا عليه، فقد لاذ بالفرار مندسا وسطهم بعد أن غير من هيئته وأخفى سكينه تحت عباءته.

D 26 تشرين الأول (أكتوبر) 2011     A سهير شكري     C 7 تعليقات

7 مشاركة منتدى

  • قصة الشبيه قصة مثيرة جدا وجميلة تذكرنى الفاظها بالفراعنة وفى نفس الوقت الامتداد الى الحاضر بمستجداته وانها دائرة واحدة لابدمن اجل الخروج منها ان نغير انفسنا واعجبنى اسلوب الكاتبة جدا
    اما قصة البعث فهى جعلتنى مشدودا من اول كلمة وتدل على ان الثورة لم تقضى الا على رأس النظام فقط اما الاتباع والفلول مازالوا يعيشون ويستمتعون كما كانوا من قبل
    قصتان جميلتان جدا


  • الشبيه ....قصة عميقة المغزى قوية البنية والعبارات ...رموزها يسهل فك شفراتها لمن يهتم بالأبداع ويقرأ ما بين السطور ويفهم دلالة الأرقام المذكورة والروائح الكريهة المنبعثة وكذلك السلاح اللغة الوحيدة التى يعرفها هذا الرجل وهو فى حد ذاته رمز ..والقصة تعبر عن مرحلة هامة فى تاريخ مصر الحديث ما قبل وبعد 25 يناير.....وبعيدا عن الرموز قصة رائعة المعنى الظاهر فيها وممتعة بالمشاهد المختلفة التى رسمتها بالقلم ....كل التحية والتقدير للكاتبة والفنانة أ/ سهير شكرى ...مع أطيب أمنياتى لها بمزيد من التألق والابداع


  • البعث ...قصة مضمونها بين السطور يعبر عما حدث بعد ثورة 25 يناير ومن الذى أرتدى زى الحمل الوديع ليقود الثورة وشباب الثورة ...وفى رأيى أنها مكملة فى الأحداث للقصة الأولى الى وقتنا الراهن .....الأسلوب مشوق وسلس جدا، والسائق والتابع والكمسارى ....دون فك رموزهم يشكلون قصة واقعية لها بعد أنسانى عميق بعيدا عن السياق التاريخى...القصة أكثر من رائعة .....كل التحية للكاتبة أستاذتى العزيزة أ/ سهير ....مع أطيب أمنياتى لها بمزيد من الابداع والتألق


  • اولا كل الشكر للكاتبة و المبدعة فنا سهير شكرى اردت وصفها بالكاتبة والفن لان كتاباتها اتصلت بفنها مما جلعها تخرج لنا قمة الابداع البعث حقا و صفت رحلة هامة لتاريخ شعب اغلقت فى وجهه جميع الابواب حتى جاءت الصخرة وكادت ان نتهى على حياه شعب وحقا كما نعلم بانه لما استحكمت حلقاتها فرجت وقد ظننا جميعا انها لن تفرج بارادة المولى عز وجل و ارادة شعب يعلم الشعب جيدا بوجود التباع و اريد ان اضم مجمع مواقف الميكروباص الى التباع حتى نقدر تتبع الحقيقة ومصير التائهين الذين مازلو تعترضهم جزء من الصخرة فى انتظاااااااااااااااااااار المزييييييييييييييييييييد


  • اشكرك على القصتين الجميلتين فهما ابداع جديد وتطور حقيقى وسريع لكتاباتك وكالعادة احب فى كتاباتك انك تتركى للقارئ العنان ليسرح بخياله ويفكر فى المعانى والالفاظ الجميلة القصيرة والهادفة كالرصاص واتشوق لقرأة روايتك الجديدة جدااااااااااا لانى قرأت جزء منها وارجو ان تزيدينا من مزيد من الابداع الراقى والمختلف.
    نرمين


  • رسالة الأديب أن يقرع ناقوس الخطر عند الضرورة، وأن يسعى للتنوير والتوعية ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وأن يستشرف المستقبل إن تمكن من ذلك، وإن كتب عن الماضي فلهدف وغاية تفيد الحاضر والمستقبل.
    لقد أبدعت القاصة سهير شكري في التحذير مما يحيط بالثورة الشعبية في مصر من مؤامرات وتربصات وما قد تتعرض له من احتواء وحرفها عن مسارها الصحيح. والخوف كل الخوف أن يكون ما يحدث هو إعادة تدوير وإنتاج للنظام السابق بوجوه جديدة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب.
    ما يحدث يخيف، ولا يجعلنا نستبشر خيراً، والرهان على الشعب أن يدافع عن ثورته وأن يبعد عنها المتربصين من أزلام النظام السابق الذين ما يزالون يحكمون ويرسمون في مصر.
    وما ينبطق على الثورة المصرية قد يتكرر في ليبيا وربما تونس وغيرها من الدول التي تكافح من أجل التحرر من ربقة الطغاة!
    كل الشكر للمبدعة سهير شكري على نصوصها التي تستشرف وتحذر قبل أن يفوت الأوان!
    وكل عام وأنتم بخير


  • الشبيه .
    حين نبلغ الثلاثين سهل جدا اما ان ننسى ثلاثين عاما مضت او لا نحتد على مر ذكرياتها و نضخم فرحتنا بما كسبناه فيها بدءا من اول قطعة حلوى نتذكرها الى اول مرتب قبضناه الى اول شخص اخبرنا انه يحبنا . لكننا لو تألمنا في الثلاثين عاماً التي تليها فلا نفرح لخلاصنا لانه يكون قد تعفن فينا من الحلو الكثير فنرى الشبيه في كل مرآة فلا فرحة للخلاص .
    البعث.
    دوماً نتبعه مع ان اسمه ان يتبعنا هو . دوما لانرى نصل تلك السكين و لا نميز تغير تلك الهيئة من شخص الى اخر . هو وحده لايموت وقادر على ان يُبعث ليكون تبّاعاً ونحن كالقطيع خلفه .


في العدد نفسه

كلمة العدد 65: عن التاريخ

عيد أضحى مبارك

عن مبدعة الغلاف

بحث: دواعي الإبدال في اللغة العربية

بحث: حينما يتأمل النص نفسه