عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 
أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 60-120 » السنة 6: 60-71 » العدد 65 » يوميات عنِ الحاسوب

إبراهيم يوسف - لبنان

يوميات عنِ الحاسوب


هذه صلاةٌ وليستْ أُغنية يا عزيزتي! "جِلْنَارْ" اسمٌ جميلٌ يليقُ بالفتيات، ويعني بالفارسيَّة زهرُ الرمَّان، وهي قصيدة من الشعر الشعبي البديع، نَظَمَها "ميشال طراد". وُلِدَ الشاعر في "زَحْلَة"، إحدى أكبر مدن محافظة البقاع اللبنانية ، منتجعٌ سياحي مشهور "بِوادي العرائش" وكروم العنب والنبيذ الفاخر في أقبية "كْسَارَة"، والصبايا الجميلات، زارها "شوقي"وتَغَنّى بها في قصيدته المشهورة "جارةُ الوادي"، والمدينة مسقط رأس "فوزي المعلوف"، "وسعيد عقل"، وقد تناولتُ الأخير؛ مع المدينة في نص طويل عنوانه"الخطيئة"، نُشِرَ في العدد 36 من "عود الند".

**

"ألبداية و النهاية، إنما تكونان فقط في الخط المستقيم. ولا خطوط مستقيمة إلا في أوهامنا، أو في الوريقات التي نسطرُ فيها ما نتوهمه. أما في الحياة وفي الكون كله، فكل شئ دائري يعود إلى ما منه بدأ".. هيَ رواية "عزازيل" للكاتب المصري "يوسف زيدان"، الصادرة عن "دار الشروق" رواية جديرة حقَّاً بالقراءة.. إن لم تكن متوفرة عندكِ؟ فتحميلها متاحٌ على "النت".. ولو زودتني بعنوانك؟ لأرسَلْتُها بالبريد العادي هدية مني إليكِ، فلن تكلفني مجهوداً كبيراً ولا مالاً كثيراً.. في هذه الحالة سأشكركِ على الثقة والاستجابة.. "ألحفيدة الأميركية" للكاتبة العراقية، "إنعام كجة جي" هي الأخرى رواية جديرة بالقراءة.. لو رغبت يا عزيزتي لأرسلتُ لكِ الروايتين معاً؟

**

لا يحسنُ الحديثَ عن الفقر والحرمان يا سيدتي كمن جاع أو تشرَّد، فابنتي مثلاً ولا أحسبُها إلاَّ أنَّها في عمرك، تعملُ في مجالِ الترجمة، إلى جانبِ التعليم الجامعي، لا يقلُّ مدخولها عن سبعة ملايين من الليرات في الشهر الواحد، بينما لا يتعدى الحدّ الأدنى للأجور مئآتِ الآلاف!

إبنتي يا سيدتي أو صديقتي أو ما شئتِ، لا ينبغي لها أن تنظِّرَ في الفقر ومشاكلِ البشر والأوطان، ما دامتْ تقتني سيارة "همر" رباعية الدّفع، لا تقلُّ قوتها عن أربعين حصاناً، وإذا سافرتْ ففي الدرجةِ الأولى، وإن أقامتْ؟ تختارُ لراحتها فندقاً من فئة النجوم الخمس.

إبنتي يا سيدتي لم تُسْعِفْ جريحاً في المقاومة على الأرضِ العربية كلها، ولا تحسنُ الحديثَ عن الفقر والمرض والتشرد؟ ما دامتْ لم تنمْ يوماً جائعة أو في العراء.

إبنتي يا سيدتي تخرَّجتْ من أرقى الجامعات الأوروبية، فلم تجعْ، لم تتألمْ ولم تبكِ أو تحزنْ لتكتب.. إبنتي ينبغي لها أن تقاربَ الموضوع وتسلِّطَ الإضاءة من زاويةٍ مختلفة، فتكتب مثلاً عن متعةِ السفر في الدرجة الأولى، أو قضاءِ إجازتها في جزرِ الكاناري!

وبعد أرأيتِ يا سيَّدتي كَمْ أتألم؟ كيف خانتني ابنتي!

**

أصابَ الأرضَ الجفافُ.. يَبسَتِ المزروعات، ولم تَجُدِ السماءُ بقطرة ماءٍ واحدة! دُعِيَ الناسُ إلى صلاةِ الاستسقاءِ في باحةِ الكنيسة. استجابَ الجميعُ للدعوة.. وحده طفلٌ صغيرٌحملَ مَعَهُ مظلَّة واقيةٌ للمطر!! هذا معنى الرسالة المقتضبة التي وصلتني من الراهبة إيَّاها.. هذه "الأخت" الكريمة لها دَيْنٌ في ذمتي. كانت بجانبي في شِدَّتي، أمسكتْ يَدِي ولاطفتْني بكفيْها الحنونين، وتوسَّلتْ إليّ وهي مُغْمَضةَ العينين، لكي لا أقسو على نفسي في محطةٍ حرجة من عمري، كادتْ تجرُفُني إلى حيث لا أدري.

**

أعْترفُ يا صديقتي، أنَّ الموسيقى الجميلة هذه، لا أعرف لها اسماً، لكنها الأرقى.. إنها تذَكِّرُني بموسيقى "جسر نهر كواي"، وتذَكِّرُني بفتاة "من النمسا" بالغة الرقَّة، زميلةُ إبني من أيام الدراسة، أتتْ إلى إيطاليا لتكون رفيقي ودليلي في رحلتي، حيث أمضَتْ إجازتَها معي العامَ الماضي.. كثيراً ما أسْتَمَعْتُ معها لمثل هذه الموسيقى الهادئة.. لعلَّ إحداها "بحيرة البجع"؟

**

لو أمِلْتُ فيمن "يُغَنِّيلي" "القلبِ ياما انتظر"؟! لَنِمْتُ.. " كالمتنبي".. مِلْىءَ جفوني عن شواردها. ليتني أعرف إن كنتِ تحسنين الغناء؟ وهل صوتُكِ جميلاً كوجهك ودَخِيلتِك؟ إذاً لعشتُ آملاً أن أسمعه ذات يوم، فأنا كسائر الناس تحدوني أحلامٌ وأماني؟ واحدةٌ منها أن يغني لي وحدي صوتٌ رخيم لأُمرأة.. أحبُّها.

**

لِمَنْ أكتب؟ لم أطرحْ على نفسي السؤال.. لعلِّني أكتب وحسب! وعندما أفعل، أسعى بقدْرَتي كلِّها لئلاّ تأتي الكتابة، صعبة أو عصيَّة على الإدراك.. بل قريبة من الفهم البسيط، بعيدةً عن الغموض أو الالتباس، متوخياً عبارة رشيقة مقتضبة وكلماتٍ معبِّرة واضحة المدلول.. ويعنيني تماماً استعمالُ مفردةٍ دون سواها وقعُها لا يخدشُ السمع، بل تطْرَبُ الأُذنُ لها.. لعلَّه بسلطانِ مِنَ الشعر عليَّ؟

**
عاينتُ بريدي أول ما قمتُ بهِ بعد عودتي، وتوقَّعتُ قبل أن أفعل أن أجدَ منكِ: أُغنية، باقة ورد، فراشة، إبتسامة، أُمنية أو قصيدة حب أو أي شيء جميل، وهذا ما حدث فعلاً فشكراً لك على فطنتك يا حبيبتي.

**
"يا طيِّبَ القلبِ يا قلبي! تحملُ همَّ الأحبةِ إنْ غابوا وإن حضروا". قلبُكِ الطيِّيب وليس قلبي. أنتِ جميلة، متواضعة وذكيَّةٌ وأنا أُحبُّكِ. أتمنى على وسادتك أن تكون رفيقة بنعومة خدَّيكِ، وعلى فراشك أن يكون رفيقاً بقلبكِ وجسدك.. شكراً لكِ على كل الأشياء الجميلة التي تأسرني وتشبهكِ كثيراً. لا تتركي السرير ولا تجهدي نفسكِ قبل أن تتماثلي تماماً للشفاء. لا "تكتفي" بالوصفات الشعبيَّة للعلاج، وعليكِ أن تزوري الطبيب ليصفَ لكِ مضاداً حيوياً إذا اقتضت الضرورة. تصبحين على خير.

**
مِنَ المتعة بمكان، أن يُقرأَ "الأميرُ الصغير" بالفرنسية أللغة الأم، لأنني أعتقد أنَّ الترجمة مهما بلغتْ أمانتُها، تفقد طعمها وبريقها كالفاكهة المجفَّفَة، ولكنها تحتفظ لنفسها ببعض الحلاوة، والترجمة التي أشرتُ إليها تبقى قاصرة عن بلوغ مراميها.. في الكتب الرمزية الجميلة كالأمير الصغير، ينبغي أن ندقق بفطنة فيما يذهب إليه الكاتب.. للأسف يفتقرُ الكتاب المرفق إلى الصُوَر التي أعدَّها المؤلف بريشتِه.

**

أنا يا صديقتي نصيرُ المهزومين. كنتُ متهماً على الدوام، فلم أمثل دورَ "المدَّعي العام" مرة في حياتي، ولو في عواطفي!؟ لم أقتنعْ أن البطل من يجرِّدُ سيفَهُ انتصاراً للحق والقضايا العادلة!؟ قد تكونُ البطولة من نصيب الفاشلين! كما الحالُ مَعَ "رُبى"!. "دون كي شوت" كان بطلاً! ألبطل من يلعبُ دوراً ويُتقنُهُ.. بعضُ المهزومين أبطالاً!؟

**

لم أدرِ ما تكون "الباجة"؟ ولو أنها تشيرُ إلى صنفٍ، دون غيره من الطعام كما توحي الرسوم.. وكانتِ المفاجأة التي لم أتوقعْها مطلقاً.. ذلك أن الباجة هي "رأس النيفة" في لبنان.. ربما كنتُ أُفسِّرُ الماءَ بعدَ الجُهدِ بالماءِ! إنّهُ " رأس" نعجة أو خروف أو ربما معزاة.. يتخذُ لنفسهِ مكاناً بارزاً من السفرة!؟ عيناهُ لم تزلْ مفتوحتين.. وفرشاة الأسنان لم تجدْ طريقها إلى فمهِ في يومٍ من الأيام.

**
طويلاً كانَ نهاري.. كليلي وَشَعْرِك.. قَضَيْتُهُ وأنا أرأب آلة "يابابنية" بالغة التعقيد، "”Servo-regulator controller.. أَستعمِلُها في موازاة متلقِّي الأنترنت"Receiver".. بالمعنى المالي قيمتُها تستحقُّ التعب، ومخترعُها من الجانب المعنوي، جندي مجهول يستحقُّ فيضاً من المحبة والتقدير.. ما يميِّزُ الإنسان الياباني؟ عمله بأمانة متناهية وإتقان، بلا مراقبة من رئيس أو مسؤول.

**
هي رسالة من كاتبة فرنسيَّة "اُنثى" تدعى "جورج صاند" إلى "الفريد دي موسّيه". هذه ترجمتها بقليل من الأمانة والدقة، بعدما لم ترغب ابنتي في مساعدتي؛ إبنتي مدرِّسة مادة الترجمة في إحدى الجامعات، متمردة "تركبُ" رأسها؛ وتدافع بشراسة عن قناعاتها في الحق.. والباطل، تبتزُّني حينما ترغب في عواطفي ومالي، ولا تخدُمني أبدا!

"أشعرُ بكثير من الإنفعال لأقول لكَ : إنني فهمتُ جيداً ذلك المساء، عندما اجتاحتكَ رغبة مجنونة تدفعُني إلى الرقص. إحتفظتُ بذكرى قبلتك وأرغب مهما يكنِ الأمر أن أكون محبوبتكَ. أنا على استعداد لأُبرهنَ لك عن محبَّتي وحناني بلا حساب أو مبالاة ، فإن كنتَ ما زلتَ ترغبُ أن تراني خليقة بحبك‘ بلا خلفية أو قناع، عارية تماماً، فتعالَ وزرني، سنكون صديقين بلا تردد. سأبرهن لك أنني الأنثى المخلصة الخليقة بأن توفِّر لك الحنان الأعمق والتعلق والصداقة الخالصة. بكلمة بسيطة التجربة الفضلى التي تحلم بها، لأن روحك حرَّة. فكِّر جيداً في العزلة الطويلة التي تستوطن في روحي، إنها غالباً صعبة وقاسية. تعالَ إليّ بسرعة، تعالَ عَدْواً لأنسى الحب وما أرغب"!

هناك أيضاً إجابة من " موسيه " إلى "جورج صاند " وأيضاً إجابة على الإجابة. لعلي ورطتُ نفسي في ترجمة ليست مهنتي ؟.

**
رواية " ليون الأفريقي" ل" أمين معلوف ".. كتبَها بالفرنسيَّة، وتمَّتْ ترجمتُها إلى العربيَّة بكفاءةٍ عالية وبأشرافٍ مباشر من المؤلف، وهي صادرة عن دار الفارابي في بيروت.. في المقدمة:

"أنا حسن بن محمد الوزّان، أو يوحنّا- دومديتشي، وأُعْرَفُ أيضاً بالغرناطي والفاسي والزيَّاتي وليون الأفريقي.. عَرَفَ معصماي على التوالي دغدغات الحرير، وأغلالَ العبيد.. خُتِنْتُ بيد مزيِّن، وعُمِّدْتُ بيد أحد البابوات.. أنا ابن السبيل، وطني القافلة، وحياتي أقل الرحلات توقعاً.. لوَّنَتْ شفتاي بحمرة الخجل آلآف العذارى، وشاهدتْ عيناي احتضارَ مدنٍ وفناءَ أمبراطوريات.. في فمي العربيَّة والتركيَّة والقشتالية والبربرية والعبرية واللاتينية والعامية الإيطالية.. جميع اللغات، وكل الصلوات ملكُ يدي، لكنني لا أنتمي إلى أيٍّ منها، فأنا لله والتراب، وإليهما راجعٌ في يومٍ قريب.. ماذا ربحتُ ماذا خسرتُ؟ عشتُ الحكمة في روما، والصبابة في القاهرة، والغمَّ في فاس، وما زلتُ أعيش طهري وبراءتي في غرناطة".

**

ألعبارة "الفرنسيَّة" في نهاية النص. ليست سوى " زنبقة الوادي " إسم الكتاب المنوَّه عنه في بداية الرسالة السابقة. أمَّا الفرسك أو ربَّما "الفرسق"؟ فالأرجح أنَّهُ الخوخ أو القراصيا في لبنان" la prune " بالفرنسيَّة؟. أو لعلَّه "الدراقن"؟ وهو كالخوخ شكلاً ولوناً وقشرة لكنَّ حجم الدراقن أكبر من الخوخ ويعادل حجم البرتقال. وللفرسك أو الخوخ حكاية طريفة:

ففي عصر الفراعنة أُقيمت وليمة عامرة في مصر القديمة، على شرف زوَّارٍ كبار، موفدون رسميِّون من خارج البلاد، ما يستدعي الاهتمام بهم وتكريمهم.. لهذا أُطْلِقَ الحمامُ الزاجل في الصباح الباكر من مِصْر، "مِصْر الْمَرَا".. إلى "بعلبك الرِّجَّال "على مايقول"مرسيل خليفة"، بعلبك الواقعة في البقاع الأوسط من لبنان؛ ألمشهورة بالثأر، بخشونة رِجالها ونسائها وقسوة مناخها، وتاريخ قلعتها وفاكهتها من الكرز والخوخ والمشمش.. بلغها الحمامُ قبل الظهر بساعات، فَعُلِّقَتْ حبتا خوخٍ أو كَرَز أو مشمش، في رجلي كل حمامة إستناداً إلى الرسالة التي حملها الحمام.. ثمَّ أُطلق الحمام مرة أخرى للعودة إلى مصر، فبلغَها في وقتٍ كانت تكادُ تنتهي فيه الوليمة، فأكل المدعوون لدى الفراعنة فاكهة: خوخاً وكرزاً ومشمشاً من بعلبك لم يكن متوفراً آنئذٍ في مصر.

**
.
كنتُ في دورة دراسيَّة إلى فرنسا منذ بعض العقود، وعرفتُ "Poitiers" التي أشرتَ إليها في رسالتك، وتقعُ جنوبي غربي باريس. لعلها في نصفِ المسافة بين باريس، و"بوردو"Bordeaux" مكانُ الدورة، وعرفتُ بلدة في الجوار واسمُها "بيت حرام". قيل لي يومَها إنَّ العرب ربطوا خيلهم فيها إبَّانَ فتوحاتِهم المجيدة!

وفي شركة"برونزافيا"الفرنسيَّة لتصنيع معدات للطائرات، أمضيتُ دورة أخرى لخمسة أسابيع، في أعقاب هزيمة العرب مع إسرائيل في "النَّكْسَة"، وحرب الأيام الستة..

كنتُ أَجتازُ باباً زجاجياً، وفي أثري فتاة فرنسية تعملُ أَمينة للسر في الشركة، جذابة ومثيرة، ولطالما امتَدحَ جمالَها وتودَّد إليها الكثيرون، و"الغواني كما يقولُ الشاعر يغرُّهنَّ الثناءُ".. لكنني بتواضع شديد، واحد من قِلَّة من المشاركين في الدورة ممن أهملوها.

كنتُ أجتاز البابَ إلى "الكافتيريا" بعدما دفعتُه ثُمَّ سندتُهُ بيدي ليبقى مفتوحاً، ريثما تصلُ الفتاة فلا يُغلقُ أدَباً في وجهها.. إجتازتِ البابَ واستمهلتني كمن يريدُ أن يطلبَ أمراً.. ثم دنت مني وقالت بصلافة وصفاقةٍ واستهتار: أخيراً تعلمَ العربُ اللياقات؟! قالتها على مهل فاصلَة بين الكلمات..

أحسستُ بعاصفة من الحقد والغضب والكرامة المستباحة، لكنني تمالكتُ عواطفي ولا أدري كيف ألهمني الله إجابةً سريعة لم أحتسبها، فقلتُ لها بعفوية وهدوء بالغ: لاعيبَ يا سيدتي أن يتعلمَ العربُ التهذيب! ألعيب أن ينسى الفرنسيون تهذيبَهم؟! .. وانصَرَفتُ دونَ أن ألتفتَ إليها، أو أتوقعَ إجابة منها، أو أشكوها لإدارتها فيما بعد.. فتاة خلاسية فرنسيَّة هيَ الأُخرى، كانت قد تمهَّلت فأنصَتت وأعجبَها الرد، اعتذرتْ لي لاحقاً عن ذنبٍ لم تقترفه.

**

رصدتُ ميزانية مالية ليستْ قليلة واشتريتُ كتباً كثيرة، من معرض أُقيمَ مؤخراً في بيروت، منها "القوس والفراشة" "والعودة إلى الذات" لكل من "محمد الأشعري" و"علي شريعتي"، ولم أتمكَّن حتى الساعة من قراءة أي من الكتب الكثيرة التي اشتريتُها.. لو أمكنني التواصل معكِ لأهديتُكِ بَعْضَها ؟! أو لكان عليَّ أن "أزكِّيها" ما دمتُ لم أستفدْ من قراءتها خلالَ العام، استناداً إلى ما يقوله مرجع فقهيٌّ متشدِّد.. هكذا أعفي نفسي من مال لستُ مُسْتعداً أو مقتنعاً به، ولا أجد مبرراً لدفعه على الإطلاق.

**
حين تموتُ النفسُ المبللة بالدموع.. تتخفَّفُ من أعبائها، ومن عناصر المادة التي ترهقُها بالخوف والمظالم والدماء. ماتت شقيقتي.. لتتحوَّل إلى روحٍ في سماءٍ تفيءُ على الجميع ولا مكانَ فيها لقهرٍ أو انتقام أو شقاء، وحينما تحيا النفس؟ فمن أجل الحب؛ ألحب صنو الموت! لا شيءَ غيرِ الحب والموت، هما غاية الدنيا وسرُّها الأسمى.

**

لا أرى أن تستعجلي إرسال النص؟ ينبغي كما أعتقد إعادة النظر في بعض الصيغ والمفردات والهفوات، التي تطالكِ وتعنيكِ قبل الآخرين، ويستغرقُ الأمر بعض الوقت ما قد يتجاوز المدة الباقية لإرسال النصوص في موعدها. أنا إلى جانبك ما أمكنني الأمر، وفي خدمتك حينما ترغبين.

**

ما دمتِ يا صديقتي ترين الصحَّ في نفسكِ في كل الأمور، وترين بعض الحق في غيرك! فكيف تتعلمين من الآخرين؟ وهل تخبريني يا صديقتي أين تكون أرض الله العامرة بالإسلام؟ أهي في تونس، أم في ليبيا، أو لعلها في اليمن ومصر والسودان وأفغانستان، أم في البحرين أو الشام، وهل أنسى أن فلسطين عربية ومسلمة! فأين تكون أرض الإسلام العامرة.. التي تتحدثين عنها!؟

مهما كانت المحاولة جادة ورصينة، مع من اتخذ سلفاً موقفاً محدداً من الصواب والخطأ.. فلن تصل بنا المحاولة إلى قناعة إو مطرح.. أنا أحترمك وأحترم كثيراً قناعاتك، ولا يمكنك قطعاً أن تحترمي قراري في معتقداتي ما دامت مختلفة!

لعلَّ أرقى مراتبِ "الديموقراطية" بَلغَها " فولتير" Voltaire" الكاتب الفرنسي النباتيُّ "المُلحِد" حينَ يقول: "أنا ضِدَّكَ في ما تقول.. ولكنني معكَ حتى الموت أن تقولَ كل ما تريد".. عاش " فولتير" و"جان جاك روسو" وغيرهما عصر التنوير ونادوا بحرية المعتقد.. هكذا تخطت فرنسا عصر الانحطاط والتعسف، ونحن ما زلنا في أدنى نقطة على"بارابول" البشرية. (La parabole)

**

أنا مقصِّرٌ يا سيِّدتي أتوسلُ المغفرةَ من ربِّي دونَ جهدٍ كبيرٍ من قبلي!! ألا تعتقدين أن اللهَ كريمٌ يسامحني؟ أنا مُصِرٌ أنَّ رحمة الله واسعةٌ لا تدركُها حدود، وبعضُ المؤمنين مُصِرُّون للأسف، أن الله سينتقمُ من المقصرين! فمَنْ منَّا يكون أشدُّ إيماناً أو رهاناً على الإيمان بالله؟ أهُمْ أولئك من يُعَوِّلون على رحمةِ الله.. أم أولئكَ مَنْ يُصِرُّون على نقمتِة؟ ولا أناقشُ هنا مسألة الإيمان أو الإلحاد.

**

لا تجدي القراءة ولا الكتابة مع العيون المتعبة.. إنَّهُ بعض حالي هذا المساء! وبعد فالفكرة حول النص المرسل، ليست جديدة تماماً.. لكنه لا يخلو من ومضات مضيئة، كما لا يخلو أيضاً من الأخطاء. لعله ينبغي المزيد من العناية والتدقيق في الصياغة والمفردات بعد وقت أطول؟! لتأتي الأفكار بعدَ اختمارها واضحة، والتعابير أكثر دقة وأناقة وشمولاً. مهما يكن الأمر فأتمنى للنص أن ينجح دون مطبَّات، ويجد طريقه إلى النشر، ولا أرجو لكِ الخيبة.. والعودة إلى العزاء في رواية " الشيخ والبحر" تقرئينها مرة أخرى؟

D 26 تشرين الأول (أكتوبر) 2011     A إبراهيم يوسف     C 8 تعليقات

7 مشاركة منتدى

  • عندما استعرضت (يوميات عن الحاسوب) وجدته طويلاً، وأنا لا يزعجني إلا طول بعض الموضوعات التي تمنعني من قراءتها ومعرفة محتواها، ولمعرفتي بروعة ما يكتب الصديق الرائع إبراهيم قررت أن أقرأ (يوميات عن الحاسوب) وليكن ما يكون.
    عندما أكملت القراءة عتبت على الصديق أن لو كان النص أطول!
    (يوميات عن الحاسوب) حديقة عامرة بكل ألوان الزهور والأشجار والثمار، جمعت معاً في نسق جميل وعقد بهي، يغري الناظرين ويغوي القارئين!
    لا أريد أن أعلق على النص أكثر، مؤكداً أنني استمتعت بقراءته جداً، ومعجباً بقدرة الصديق إبراهيم الفائقة في الإمساك بناصية الإبداع والجمال والفكر الجميل!


  • ألأخ والصديق العزيز موسى أبو رياش.

    ألحقيقة، أنني اقترحتُ على الإدارةِ الكريمة، نشرَ هذه اليوميات على دفعتين..؟ فأنا مثلُكَ يا صديقي مِمّن: " كُلَّما أطَلْتَ لَهُ في الحَديثِ يَخْتَصِرُ".. لا أهوى قراءةَ الموضوعاتِ الطويلة، وقلتُ في نفسي: هكذا لا أبحثُ أيضاً، عن مادةٍ جديدةٍ للنشرِ في العددِ المقبل..

    لكنَّ أسرةَ التحرير، لا يبدو أنّها تسأمُ القراءةَ والتمحيص كما الحالُ معنا، فقررتْ مشكورةً أن تنشرَها دفعةً واحدة.. .. مهما يكنِ الأمرُ، فالشكرُ الأول لكَ على قراءة اليوميات كاملةً.. والشكرُ الثاني على الاهتمام والتعليق، والشكرُ الثالث على الإشارةِ الأخيرة التي تلقيتُها في القواعد.

    ويسعدُني أن أؤكدَ في المناسبة، أنني معجبٌ حقّاً بما تجودُ به علينا من وقتٍ لآخر من الأفكارِ السَّخيَّة الجذّابة، التي تحملُ معها كلَّ مرةٍ موضوعاً جديداً، فيه من الواقعيّةِ والمتعةِ والعِبرةِ والمفاجأة ما يكفي ويفيض.


  • (ثمة ظاهرة ايجابية سرت بين كتاب وكاتبات عود الند، وهي التعليق على نصوص بعضهم بعضا، والتفاعل الثنائي المباشر، بحيث تحول بعضهم إلى أصدقاء وصديقات. هذه ظاهرة صحية جميلة، ومهمة لتطوير مستويات الكتابة، فالنص الذي يعطى لكاتب آخر ليعطي رأيه فيه قبل نشره نص يخرج في حال أفضل، فالملاحظات تثري النص دائما، وتنبه الكاتب إلى نواقص لا ينتبه لها.).....عدلي الهواري

    وهنا أريد أن أقولَ كلمة حقٍ في الأستاذ إبراهيم يوسف، هذا الإنسان الذي لم يدّخر جهداً ولا وقتاً في مساعدةِ من حولِه ومدّ يد العون، بكل أمانة، وصدق، وإنصاف، فضلا عن كلماتِه الرقيقة، وتحنانه الأبويّ، علّمنا كيف نكوّن صداقات وثيقة رغم الإختلاف. 

    ومع أنَه قد تعدّى ( خريفَ العمر) كما قال هو في أحد نصوصِه السابقة، مازال عاصفة كتابية لا تهدأ، يحرّكها بأفكارِه، وبين أضلعه قلباً فتيّاً، كالحِصان البريّ، لا يُروض، لا يَخاف، ولا يَمل من الركض" حذوةُ حافِره تُلامِس الريح ’فتشرقط’ ناراً من ذهب" * ، يراعه لم يعجز يوماً، ولا أخاله سيفعل.

    هو قدوة لنا جميعا في الإبداعِ، والتميزِ، والأخلاقِ الرفيعة، وحبِ الحياة. 

    * من نص سابق للكاتب. 


  • (وفاء مليباري) – ألسعودية.

    أنا مَدينٌ لكِ يا سيِّدَتي بهذا الإطراء الجميل، ومدين للأستاذ عدلي والكثيرين، وعاجزٌ عن إيفاء ما في ذمَّتي من الدَّيْن.. فهلاَّ تسامحوني..؟


  • أعجبني هذا التنوع في الخواطر,هذه الحديقه المثقله بالكثير من أنواع الفاكهه اللذيذه,والتي لا تخلو من السفرجل والتين الشوكي !ّشد ماأعجبني مقدمه(ليون الأفريقي).والإعجاب يعني المؤلف ويعني صاحب اليوميات لإشارته إلى الكتاب. وتوقفت أيضآ عند الحوار مع الحسناء الفرنسيه والإجابه التي جاءت كأحلى ماتكون.
    لا أدري إن كان العدد المقبل ,سيحمل معه مزيدآ من هذه اليوميات الممتعه التي تطيب قراءتها.. .
    ويسعدني ونحن في فتره العيد, أن أتوجه من الناشر الأستاذ عدلي ومن المجله وأسره التحرير ,وسائر الكتاب والقراء بأطيب التهاني وأصدق الأمنيات . كل عام وأنتم بخير .


  • ألسّيدة هدى قمحية - نابلس

    هناكَ دائماً من يُعجبُهُ السفرجل والتين الشوكي والحصرم يا صديقي، وهناك من لا يَسْتَمْريءُ طعمَ الخوخِ والتفاحِ ولا الأناناس.. أما مقدمةُ "ليون الأفريقي" فقد وضعتُها بين مزدوجين،وأشرتُ أنَّها مقدمةُ الكتاب، تجنباً للإلتباس.

    لا أعتقد أنني سأسعى لنشر المزيد من اليوميات لِمَا سَبّبَتْهُ لي من صداع.. أنا شاكرٌ لكِ المواظبة في التعليق على ما أكتب، ولكِ في ذمتي أيضاً دَيْنٌ لا يُسدَّد إلاّ بفيض من المحبةِ والمودةِ والتقدير.كل عام وأنتم بخير.


  • حين وقع نظري على العنوان خلته نوع من المذكرات تخص الكاتب، وحين تابعت المتن، فإذا هو رسائل الايميل التي تبادلها الكاتب مع زملائه الكتاب نساءاً ورجال دون الإشارة لإسم المرسل إليه، ودون توضيح لمادة النقاش،..فهل حقاً هي يوميات عن الحاسوب؟.. لم أجد الإسم يمنحها ثوبها الملائم الذي يتلبسها على حجمها تماماً، فاليوميات تتحدث عن أحداث تأخذ صفة التتابع تمنح شكلاً من أشكال السيرة الذاتية، والحاسوب أصبح اليوم وسيلة التواصل الأسرع بين كافة البشر، وحدث أن كاتباً مصريا لغرابة الصدف أن يحمل هو الآخر الإسم ابراهيم بالشراكة مع كاتبة عراقية أخرجا ايميلاتهما المتبادلة في منجز ورقي مطبوع مشترك بعنوان " ايملات ما بعد منتصف الليل" فمثل هذه الايملات المتبادلة بين الأدباء قد تشكل أدباً حديثاً هو أدب التراسل الحاسوبي، نوع من السجالات الأدبية المتبادلة بين طرفين من الأدباء المبدعين.. إنما الأديب الكبير ابراهيم يوسف آثر أن ينشر الايميلات التي تبادلها مع الأدباء من جانبه الأحادي تمنعاً عما قد يسبب ذلك من الحرج للطرف الآخر من باب الذوق والحرص على خصوصية الآخر
    الأستاذ ابراهيم يوسف نبض عازف لا تقارب أنامله النشاز، يتقن نحت الحرف، ويضاهي في منجزاته الأدبية أعتى القطع الفنية، وأديب في صفاته هذه حرياً بأن تكون رسائله الشخصية قطع أدبية فنية بحد ذاتها، فكيف لا تكون كذلك وهو يتبادلها مع أدباء يتذوقون حلاوة الحرف وطلاوة الاسترسال فيه؟.. وكيف الحال ألا يكون كذلك وهو يجمع إلى صفاته صفة الصدق بالعطاء، فيعطي كلما سئل، ويبادر بالنصح إذا لم يُسأل، وهو إلى جانب ذلك كله صديق صدوق، وفيٌّ إلى أقصى درجات الوفاء، صريح وشفاف إلى درجة أنه يفتح صفحات حياته من خلال قصص لا يواري من أحداثها حتى تلك الأدق خصوصية، لا يتجمل بالكذب كما يحلو للبعض أن يقلبوا الحقائق للتجمل،
    شهم في مواقف الشهامة، مخلص في العطاء دون ما مصلحة، هكذا يبدو لكل من يصادقه، ولكل من يعرفه ويتعامل معه، عملة نادرة حين يعز الغالي والنفيس.... الرسائل الأدبية التي تبادلها مع الأدباء والأديبات من خلال حركة التواصل الالكتروني في رسائل الايملات، لهي خير دليل على أنَّ الأستاذ ابراهيم يوسف أديب يحترم ذاته وقلمه، بنفس القدر الذي يحترم فيه الآخر ممن يتراسل معهم.


    • هيام ضمرة - ألأردن

      "ألا، لا أرَى مِثْلي امْتَرَى الْيَوْمَ في رَسْمِ
      تَفُصُّ بِهِ عَيْني وَيُنْكِرُهُ وَهْمي
      أتَتْ صُوَرُ الأشْيَاءِ بَيْني وَبَيْنَهُ
      فَجَهْلي كَلا جَهْلٍ، وَعِلْمي كَلا عِلْمِ"

      لم يعدِ القُوتُ يُجْدي غِذاءً للجَسدِ ولا يُسْعِفُ الروح، وهاجسُ الموتِ باتَ يطاردني ويؤرِّقُني في كلِّ حين.. لكنني مؤمنٌ باللهِ واليومِ الآخر، ومؤمنٌ أنني سأُحْرِزُ فوزاً في السفرِ إلى العالمِ الآخر، لأكتشفَ غيْبيَّةَ الجنةِ والنار.. فإن كانتِ الأقلامُ مُتَدَاوَلةً في العالمِ الآخر..؟ سأبدأ في تأسيسِ دارٍ للنشر هناك، يكونُ ألشعرُ مادتَها الرئيسة، "وهيام ضمرة" ألأخت والصديقة شريكتي فيها، فالأحلامُ الأدبيَّة التي لم تتحققْ لنا في الأرض..؟ لعلّها تحقِّقُها لنا السماء..؟! فأنا أملكُ مِنَ الصبرِ، ومن الوقتِ وحسنِ الانتظار، حتى توافيني إلى هناك.