سالم ياسين - لبنان

زيتون ورضى


بعد نوبة من الصراخ المحتجز قهرا منذ ساعات صباح العمل الأولى، جلس ليقرأ الجريدة. ثمة رطوبة على صفحاتها إثر إسقاط كوب الماء عليها من نوارة قلبه، ابنه بلال ذي الربيعين. تلمس صفحات الجريدة وغاص في تيار ذكريات بتأليب من الملمس والرائحة، بعيدا في الزمن عشرات السنين، وبعيدا في المكان آلاف الأميال، قبل أن يستقر في ملاذ خريف عمره، كندا.

كان في الثالثة عشر من العمر حين هرب من بيت أهله. يستعرض شاطئ البحر بحثا عن جريدة ليغطي وجهه من ندى الفجر ورذاذ الملوحة. بضع ساعات ويستطيع الذهاب إلى العمل في المتجر. يفتح أجفانه المطبقة نعاسا وإرهاقا ليراقب أضواء طائرة يغالب هديرها المكبوت صراخ أشلاء الأمواج المتكسرة صوب قدميه الصغيرتين، ويطير على متنها إلى أي مكان. بعيدا وعاليا صوب السماء، يقترب من القمر بنوره الساحر ويمد يده ليقبض فيضا من النور بكفه الطرية، فيجدها حفنة من رمال الصباح البارد ووهج أشعة الشمس البكر يشق أجفانه، فيهب جريا ليصل قبل أن يفتح معلمه جرار المتجر، "ويا ويله إن تأخر."

كم حاول في مرات عديدة أن ينام في بيت عمه، في بيت تلك اللبؤة، زوجة عمه المسكين، التي كانت تقتر عليه طعامه لكسرات خبز وبضع حبات زيتون. تلك الخبيثة التي سمعها تزن في أذن عمه وتشتكي أمره: "ابن صبرية قد أكل اليوم سبع عشرة حبة زيتون." لم ينم ليلته ودماغه الصغير يحدوه لإيجاد حل لمعضلة رقابة اللبؤة، وعشقه للزيتون، قوام وجبته الوحيدة المتوفرة.

جاء المساء بعد سعيه الدائب لتلبية حاجيات الزبائن وطلبات معلمه الجحش، كما كان يحلو له مناداته سرا. الجوع ينهش معدته الصغيرة، والزيتون الأسود بملمسه الناعم وحبيباته التي تذوب بالفم انسيابا بطعم سائغ ولاذع، وأعين اللبؤة تستجمع ما رزقها الله من مقومات دماغ صدئ لتحصي عددا محسوسا نوى الزيتون الملقى على جانب الطبق. لمحها تعد سبع حبات من النوى، وابتسامة خفيفة تعلو شفتيها وهي توضب مخلفات العشاء، ورمقته بنظرة مرتابة وإن شابها شيء من الرضى في طريقها إلى المطبخ، فوضع يده على بطنه اتقاء أن ترى في معدته نوى حبات الزيتون التي ابتلعها ليخفي الجريمة.

تنهد جهاد في قلبه مشيحا ذكريات الجريدة عن وجهه، ونظر إلى فرحة قلبه بلال تداعبه أمه الصبية المغامرة، التي اصطفاها من ربوع مشرقه العزيز، عفيفة بعطر جسدها ونقاوة قلبها. وانبرى يشاركهما اللعب ضاحكا ملء صدر غلبته سنون الغربة ونضال التعلم والمعيشة. لحظات وينضج الطعام الذي اختارته زوجته من أطايب الثلاجة الضخمة التي أقسم قربها ألا يشعر من في كنفه بالجوع طالما فيه عرق ينبض.

سيحرص أن يأكل جيدا مع عائلته في لحظات هنيئة. ولن ينسى أن يحمد ربه وهو يمضغ حبات الزيتون في نهاية وجبته استكمالا لراحة قلبه وآيات السعادة.

D 1 آذار (مارس) 2007     A سالم ياسين     C 0 تعليقات

بحث



5 مختارات عشوائية

1.  نجمة حرة

2.  ناجي العلي: عينة من رسماته

3.  عود الند في الصحافة

4.  رحيل الشاعر المغربي محمد بن عمار

5.  مذكرات مدام س: مجموعة قصصية

send_material