أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 1: 1-12 » العدد 11: 2007/04 » كلمات على كلس الجدار: أمّـي. يَـمّــة. آيـّي

ياسمينة صالح - الجزائر

كلمات على كلس الجدار: أمّـي. يَـمّــة. آيـّي


كلما مررت من هنا تتبعثر أشيائي الصغيرة، ويختلط الفرح بالحزن. تختلط الكلمات التي نقولها كل يوم بالكلمات التي نجهزها للمناسبات الخاصة والحميمة. فأجدني أتقمص هدب الذكرى. أرنو إليك طفلة تطلق ضحكتها الأولى في حضور وجهك الأبدي. كم بعثرني العمر العبثي يا يمة. كلما اعتقدت أنني اهتديت إلى شيء، أكتشف أنني أضعت ألف شيء.

أمي. يـمّة. آيــي.

لم أصدق يوما أن المدن باقية على حالها، لكني صدقت أنك مدينتي الوحيدة، وأنك النظام الوحيد الذي أمسك زمامي جيدا، ولم يبع قضيتي في السوق الموازية للعواطف الجاهزة للخسارة. صدقت أنك الوحيدة التي تختصر كل الأشياء التي ظللت أدافع عنها فيك، وفي صوتك وخطواتك المميزة وسط الدار، في صباحات الوطن، يوم كانت للقهوة رائحة، وللتحيات الصباحية لذة خاصة، وحميمية خاصة.

لم أصدق يوما الأوطان الآيلة للسقوط، تلك التي باعها حكامها طواعية، لكني صدقت جمهورية قلبك يا يمة، وتضاريس وجهك المتعب والطيب والجميل. وحدك مدينتي ودولتي وأحلامي وذاكرتي التي تعيدني إلى تاريخها الضارب في هذه الأرض. وحدك بيتي الذي حين أتشتت في الأرض أعود إليه مدركة أن الله منحني فيك أرضا مقدسة أسكنها إلى الأبد.

صــــورة

لم تكن هذه الصورة لي. كانت لطفل ظل يشبهني من عشرين سنة، إلى أن اختفى. كلما وقفت قبالة صورته، أبحث ـ عبثاـ عن مواقع الشبه بيني وبينه. أجدني أبحلق في عينيه الكبيرتين وابتسامته الشاسعة كالرؤى والخالية من الحزن والقرف، ونظرة كانت تحسسني دائما باليتم، كلما تذكرت أن ذلك الطفل يعرف كيف يتعامل معي بأذى، ولوفي صورة.

من قبل، كان يخيل إليّ أن الصورة لي. لعلي صدقت ذلك كثيرا. كنت أحيانا أقف أمامها وأظل أبحلق فيها، مصدقا أن ثمة وجها للشبه بيني وبينها. ثم سرعان ما أعود بخيبة أخفيها في صدري، كلما رمتني تلك العينين بنظرة تجردني من هدوئي وتزيد من قناعتي أنني آتي إلى الصورة لأجل مقارنة فاشلة.

ذلك الطفل الذي قيل إنني كنت أشبهه قبل عشرين عاما قفز من الألبوم إلى الجدار، بعد أن صار حجم الصورة أكبر. كنت مصعوقا حين رأيتها تقترب مني وتتأبط ذراعي وتقول:

"قررت أن أعملها لك مفاجأة. أعرف أنك تحب هذه الصورة كثيرا، لهذا قررت أن أجعل حجمها كبيرا لأعلقها على الجدار."

وقبل أن أنطق بشيء أضافت: "يا إلهي كم كنت جميلا وأنت طفل!"

الجثة العاشرة

كانوا في العشرين. عشرة يحملون نفس الوجه تقريبا، فكل الذين يبلغون عشرين عاما يحملون الوجه نفسه. كانت أجسادهم ملقاة على الشاطئ المحاط برجال الحماية المدنية والإسعاف والطوارئ. قبل يومين، تم الإبلاغ عن اختفاء عشرة شباب في مقتبل العمر.
لم يكن البلاغ يحمل أكثر من جملة اعتادها رجال أمن السواحل تقول: "ثمة حرّاقة اختفوا." وهي تكفي ليعرف كل حراس السواحل ما عليهم فعله. فكلمة الحراقة تعني ببساطة من يهربون من البلد دون أن يضطروا إلى تبرير سبب هربهم، أو المكان المتوجهين إليه لأنهم لا يحملون تأشيرة أو حتى جواز السفر.

فقط كانت كلمة "حرّاقة" لوحدها تلخص نفس الشعور، لنفس الشباب الذين كانوا يتشابهون في كل شيء، حتى في طريقة موتهم. لم يسأل أحد لماذا يهربون بتلك الطريقة، مع أنهم يعرفون جيدا أنهم سيغرقون في وسط البحر، ككل مرة؟

كانوا عشرة. سرعان ما صرح أحد الحراس: "ثمة جثة ناقصة، فعدد الجثث المصفوفة على الشاطئ تسع، وليس عشر."

اتصل الضابط بمسؤوله الذي بدا مزعوجا وغير مكترث. قال له:

"لا تزعجني بسبب جثة أكلها سمك البحر."

وكف الحارس عن الإزعاج. كان عليه أن يبحث الآن عن الطريقة المناسبة لإيصال الخبر لأهل الغرقى. وهي مهمة ليس سهلة، لأنها تحتاج إلى طريقة مميزة تجعل الأهل يشعرون بالذنب أيضا، بدل أن يكون الذنب الوحيد ملقى على البلد وعلى مسؤوليه.

فجأة صارت الجثة المفقودة تمنح شيئا من الأمل لعائلة تعتقد أن ابنها نجح في "الهرب" بينما فشل رفاق. لكن إشارة مفاجئة وصلت بعد يومين من أمن السواحل الإسبانية جعلت الجميع يعود إلى الشاطئ. حتى المسؤول الذي رفض الإزعاج كان حاضرا، إلى جانب الكاميرا والصحافة والمصورين.

كانت الباخرة الإسبانية مقبلة نحو السواحل، وعلى متنها الجثة العاشرة. جثة داخل تابوت أنيق مغطى بالراية الجزائرية. استقبله المسؤولون والتقطوا صورا أمام التابوت، قبل أن يتكلم المسؤول عن "الجهود المضنية" التي تكبدوها للعثور على الضحية العاشرة، لينال حق قبر داخل الوطن.

D 1 نيسان (أبريل) 2007     A ياسمينة صالح     C 0 تعليقات