أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 2: 13-24 » العدد 15: 2007/08 » قــافـلـــة الـعـطـش

سناء شعلان - الأردن

قــافـلـــة الـعـطـش


سناء شعلانكانوا قافلة قد لوّحتها الشّمس، وأضنتها المهمّة، واستفزّها العطش، جاءوا يدثّرون الرّمال وحكاياها التي لا تنتهي بعباءات سوداء تشبه أحقادهم وغضبهم وشكوكهم. تقدّم كبيرهم، كان طليعتهم بالسّن وبالكلمة وبالغضب، عيناه كانتا النّاجي الوحيد من لثامه، حملتا كلماته إلى البدوي الأسمر الممترع بشبابه الأخّاذ، قال بنبرة بها مزيج غريب من الرّجاء والأنفة: "لقد جئنا بالمال".

غارتْ الكلمات في محجري الشّاب الذي اختنق بشكوكه، وقال: "أيّ مال؟"

قال العجوز الملثّم بالخزي: "جئنا نفتدي بمالنا نساءنا اللّواتي أسرتموهنّ في غارتكم على مضاربنا".

تنهّد البدوي الأسمر، وتمطّى في مكانه، وقال بانكسار مهزوم لا يليق بصنديد قبيلة قهرتْ الصحراء، وفتكتْ بالذّراري، وسبتْ النّساء، وحملتْ رمال الصحراء صورته وصوته وصولته: "أما هناك بدّ من ذلك؟"

شعر العجوز الملثّم بأنّ كرامته قد أُهدرتْ من جديد، قال له بصوت صدئ متقزّز: "أو هناك بدٌّ من صون الأعراض، وجمع الشتات، وفكّ الأسيرات؟"

أومأ البدوي الأسمر برأسه كأنّه يصادق بصمته على ما يسمع، لكنّه كان حقيقة يختنق بعطشٍ غريب يسلق حلقه المأزوم بكلماته التّي تأبى أن تعبّر عن مكنون عواطفه، في لحظة واحدة ثارتْ في عينيه رمال الصّحراء، ملأتْ الأرض ظلاما أصفر، وجثمتْ بوطأتها على قلبه الصّحراوي الغارق في العطش.

كان عظيم قومه، ونسيب المناذرة، وسليل الأشراف عندما أغار على قبيلتها، واقتادها أسيرة فيمن اقتاد، كانت جميلة،أجمل من القهوة، لها صهيل مثير، غضبها وحنقها أجمل ما فيها، من يعشق الخيل العربيّة الأصيلة لا يملك إلا أن يعشقها، لم تكن أسيرة السّلاسل التّي كُبّلت بها، بل كانت السلاسل أسيرة جموحها ورفضها، أرادها منذ أن رآها، كان عليه أن يفتضّ جمال الواحات، وأن يدرك أرض السّراب قبل أن يفترشها، ولذلك أحبّها، أحبّها خيلا بريّة لا تُدرك.

"وها قد جاء والدها ليفتديها مع نساء قومها، أيستبدل بها المال؟ أهو موعد الفراق؟ وفراق الصّحراء فراقٌ جافٌ عقيم لا لقاء بعده، يا للصّحراء كم ابتلعت من حكايا! لكن أنّى لها أن تبتلع من يحبّ مقابل حفنة من المال، إن أرادتْ أن تصهل من جديد فلها ذلك، قد يكون في إطلاق العنان لها عزاء له." حدّث البدوي الشاب نفسه المثقلة بمخاوفها.

لقد أكرم قومها لأجلها، أمر بأن يقدّم الماء والغذاء للقافلة التي جاءت تستردّ مهره القمري، رفض المال، ورفض الفداء، بل أنعم على كلّ النّساء بالحريّة، وخيّرهنّ بين البقاء أو الرحيل مع أبناء عشيرتهنّ، فاخترن كلهنّ الرّحيل. سمع خيار كلّ واحدة من فمها إلاّ من أسرته، فإنّها صمتت طويلا، استدارتْ الابتسامة على فمها القرمزي ثم اختفت بمرارة، وجفلتْ كمهر مكلوم، وانطلقت نحو رحال قومها.

كانت القافلة تنتظرها لتحزمها مع ما حزمتْ، ولتقفل راجعة إلى المجهول، تأمّل جسدها السّابح في ثيابها الفضفاضة، اضطربتْ أصابع يديه عندما تخيّلها تسرح في شعرها ،الذي تداعبه الرّيح بلا خجل، صوت خلخالها وخرزها الصّدفي ، الذي تتزيّن به أحدث بعزفه الحزين زلزالا في نفسه ، التي امتدّت لتحتضن الصّحراء كلّها لتحضنها هي بالذّات .

في لحظة اختفتْ من عينيه القافلة والصّحاري والرّجال ونساء الدّنيا، وبقي هو وإيّاها وصهيلها وآلاف الواحات . . . سمع لها حمحمة مهرة تُكبّل بعد حريّة . اقترب منها، نظر في واحات عينيها، قال لها بانكسار بركان، وبخجل طفل:

"وأنتِ من ستختارين؟"

كانت على وشك أن تعتلي هودجها، بقبضته القويّة منعها من إكمال صعودها، وقال بمزيد من الانكسار:

"من ستختارين؟"

نظرت في عينيه:

"أنا عطشى. عطشى كما لم أعطش في حياتي".

اقترب البدوي الأسمر خطوة أخرى منها، كاد يسمع صهيلها الأنثوي،ّ وقال:

"عطشى إلى ماذا؟"

قالت بصوت متهدّج: "عطشى إليك."

صمتَ وصمتتْ، ما أجمل الظّمأ في بحيرة العشق! ارتفعتْ سيوف القبيلة مهدّدة سيوف الضّيوف ،التي هدّدت الأسيرة العاشقة بالموت، صرخ الأبّ:

"خائنة، ساقطة، اقتلوها، لقد جلبتِ العار لنا. كيف تختارين آسرك على أهلك؟! لقد جئتِ ببدعة ما سمعتْ بها العرب من قبل، كيف تقبل حرّة أن تكون في ظلّ آسرها؟"

قالت بتعب مهر ركض حتى آخر الدنيا: "أنا عطشى."

ورحلتْ قافلة العطش، كانت قافلة عطشى إلى الحبّ، ومطعونة في كرامتها على يديّ مهرتها الجميلة، هذه المرّة لم تدفن الرّمال حكايتها في جوفها الجافّ، بل أذاعتها في كلّ الصّحراء، شعرتْ القافلة بأنّها محمّلة دون إرادتها بالعطش، العطش إلى الحبّ والعشق، لكنّ أحدا لم يجرؤ على أن يصرّح بعطشه، عند أوّل واحة سرابيّة ذبح الرّجال الكثير من نسائهم، اللّواتي رأوا في عيونهنّ واحاتٍ عطشى، وعندما وصلوا إلى مضاربهم، وأدوا طفلاتهم الصغيرات؛ خوفا من أن يضعفن يوما أمام عطشهنّ، وفي المساء شهد رجال القبيلة بكائيّة حزينة، فقد كانوا هم الآخرون عطشى.

العطش إلى الحبّ أورث الصّحراء طقسا قاسيا من طقوسها الدّامية، أورثها طقس وأد البنات، البعض قال إنّهم يئدون بناتهم خوفا من العار، البعض الآخر قال إنّهم يفعلون ذلك خوفا من الفقر، لكنّ الرّمال كانت تعرف أنّها مجبرة على ابتلاع ضحاياها النّاعمة خوفا من أن ترتوي يوما، كان مسموحا للقوافل أن تعطش وتعطش، ولها أن تموت إن أرادتْ، لكن الويل لمن يرتوي في سِفْر العطش الأكبر.

===

قافلة العطش قصة منشورة في مجموعة قصصية تحمل العنوان نفسه. الناشر: دار الوراق، عمان-الأردن (2006). بدعم من أمانة عمان الكبرى.

غلاف: قافلة العطش

D 1 آب (أغسطس) 2007     A سناء شعلان     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  دعوة لكاتبات وكتاب عود الند

2.  مواعيد للعدد القادم، 58

3.  وكأنهم على موعد لا يؤجل

4.  اصمتوا، ودعوا الطيور تغني: إعادة تعريف بكتاب قول يا طير

5.  ولفي يا مسافر


القائمة البريدية