أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 2: 13-24 » العدد 22: 2008/03 » ما بين غزة والشارقة: مزامير من الشوق والألم

هبة الأغا - الشارقة (*)

ما بين غزة والشارقة: مزامير من الشوق والألم


(*) طالبة فلسطينية تدرس في جامعة الشارقة. ذهبت إلى غزة لزيارة أهلها في العطلة الصيفية، ثم أغلقت معابر القطاع. خرجت بعد ثمانية أشهر، إثر هدم الجدار بين غزة ومصر يوم 23 شباط/فبراير 2008.

.

هبة الأغاغزة/الشارقة: الآن

لم تعد تهمني تفاصيل الجغرافيا كثيراً، ولا أين تقع بوابة صلاح الدين، ولا كيف يدخل الناس إلى غزة، ولا كيف يخرجون منها، فكم حدثوني عن الغول الذي يقف على بوابة معبر رفح، وكم أقلقوا ليلي بأخبار النوم على الرصيف، وتوسد الحقائب والأيادي، وكل ما يمكن تخيله من وعثاء السفر، وكآبة المنظر.

ولكن كل ما قيل، لم يكن في نظري سوى ترفٍ على حدود الوطن، للدخول إلى قلبه بجواز مقموع، أو بوثيقة بالية، أو حتى بدقات قلب تربكها لحظة اللقاء، وبعينين ترنو للأحبة، فهي تتقدم بصمت المكابِر، وولع المشتاق المجنون لعناق الجنة.

ورغم ما قيل لي، فلم أكن أشعر إلا برغبة عارمة في عناق المكان والزمان والأشخاص، وتشدني ذكرياتي لزنبقة كانت صديقتي يوماً على شاطئ بحر غزة، فلا تهمني قصص المعابر والحدود، ولا كل الموانع والسدود.

إنه الحنين يا سادتي، يستبد بنا فلا يترك مجالاً للتفكير، فلا نجد أنفسنا إلا في المطارات العربية، ننتقل بلهفة البعيد والغريب والشريد، علنا نجد شيئاً من رائحة الوطن، أو لعلنا نصادف طريقاً تركته الاتفاقيات العالمية خطأً، لنتسلل منه إلى الوطن، ونحن نرتجف خوفاً أن يمسكوا بنا، كي لا نعود إلى حالة التيه والغربة من جديد .

ولكنني وبحمد المنان وصلت إلى غزة ومعي تفاصيل عامين من الغياب في الشارقة. وصلت إلى غزة، وأنا لا أزال أذكر نفسي، وأنا أجلس بين جدران غربتي، تسرقني مساحات اللاوعي، فأهفو كالطير المسافر، وأغفو على أمل اللقاء، ولكن الحلم الآن أضحى حقيقة أتلمسها، فقد وصلت لأمي، واسترحت بين أحضانها، ونسيت طريق السفر، ونسيت مدينة الألعاب القاتلة، ونسيت المطارات العربية أيضاً.

وإذ بغزتي الجميلة تحترق، وتحترق، وتحترق.

واشتد الحصار على بوابات قلبها، ولكنها بقيت تعشق، دون إذن من أحد.

وظللت سماءها غمامات الموت والعويل، وانقطع المدد والسبيل، وأقفلت الحدود، فلا داخل، ولا خارج، ومات عشرات المرضى على الحواجز، واستصرخت العجائز، وباتت المدينة تغرق في ظلام المستبد المستعمر، وخرج أطفال غزة بشموعهم الصغيرة، يرفضون القسوة والظلام، ويرسمون بعقولهم الحالمة، صورة المستقبل الذي حلموا يوماً بأن يكون لهم. ولكن شبح الحصار كان أسرع بفتك أجسادهم وقتل أحلامهم.

ولم أستطع العودة إلى محرابي الجامعي، وكان الغياب القسري، وكانت الآمال المعرضة للضياع، وكانت النفس القلقة المترقبة، التي تنتظر خبراً عن طريق قد نسلكه للعودة إلى الشارقة، حتى جاء اليوم الذي كَسرت فيه الإرادة الحرة، والنفس الأبية حواجز الصمت المنيعة، فحملنا ذواتنا، وما وجب حمله، وعبرنا الحدود لننتظر في مدينة أخرى، فكانت النتيجة واحدة، والمسمى واحد "عالقي غزة".

ولكن القدر كان صديقنا هذه المرة، فسُمح لنا بالعبور، وطرتُ كنسر محلق، مع صديقاتي الست، اللواتي شاركنني أيام الانتظار والترقب طيلة اثني عشر يوماً في مدينة العريش. وبحمد الله وصلتُ إلى مطار مدينة دبي، وحطت أقدامي على هذه الأرض الطيبة، لأعاود الكرة من جديد، وألتحق بالركب، وأستدرك ما فاتني من موادي الدراسية، ولأتخرج بالشهادة التي حلمت بها.

أما غزة:

ففيها يولد النور من عمق الظلام، والأمل من رحم الفجيعة، وفي قلبي تتوالد الأغنيات الصادحة شوقاً وألماً، والكثير من الحكايات التي رافقتني طيلة الوقت هناك، صدقوني فقد تقاسمتني غزة، وشربت معي عصير البرتقال الغزيّ، وزرعت معي بستاناً من الزيتون الأخضر، وأطلت من شرفة بيتها الريفي، لتودعني يوم أن خرجت، ولم أشعر أنني أعشقها أكثر من روحي، إلا حينما كانت السيارة تشق طريقها عبر الحدود.

JPEG - 22 كيلوبايت
مدينة غزة - فلسطين
D 1 آذار (مارس) 2008     A هبة محمد الأغا     C 0 تعليقات