أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 2: 13-24 » العدد 23: 2008/04 » رسالة كتبت قبل عقود

أميمة أحمد - الجزائر

رسالة كتبت قبل عقود

من دفاتر المنفى


أميمة أحمدكان تاريخها 8/11/1980. لم يمض على اغتراب باية سوى أقل من أربعة أشهر. ضاقت ذرعا بالغربة في بلد لا تعرف فيه أحد سوى من كانت تؤمن بهم "رفاقا". بلد غريب في عاداته ومختلف جدا عن بلدها. كانت تخاف كثيرا من الليل، فتغلق كل نافذة توصلها بالعالم الخارجي، وبيتها كان مكون من غرفة واحدة ولواحقها، ليس فيه شرفة، لا تتجاوز مساحته اثنين وعشرين مترا مربعا، مرتب ترتيبا أنيقا، كان يسكنه قبلها أستاذ جامعة اختار توفير النقود على العيش في بيت واسع طالما اغترب ليؤسس مستقبله.

باية وجدت البيت رائعا لما تحمله من قناعة نضالية، وهي المدللة. قبلت العيش في غرفة واحدة، فأجور البيت قليلة، وهذا يقلل النفقات ويوفر مالا لرفاقها السجناء وعائلاتهم. لم ولن تنسى عهدها لنفسها منذ مغادرة البلد على قبول صعوبات الطريق الذي اختارته.

صدمتها الحياة ليس في صعوبتها فقط بل في تفاهة رفاق الدرب. شعرت بهذا قبل وصولها المنفى الذي أصبح "وطنا" لها وقد أمضت فيه نحو ثلاثة عقود، بل تجاوز منفاها سنوات العمر في الوطن الأم. تتساءل لماذا لم أعد؟ ولماذا خضت هذه التجربة المرة؟ تداعبها التساؤلات يوميا عما ترتجيه أو تأمله بعد هذه السنين في المنفى؟

قبل أيام كانت تقلب دفاتر المنفى، فوقعت يدها على رسالة كتبتها بقلم الرصاص، يبدو كانت مسودة رسالة. فاجأها التاريخ. كانت أول رسالة ترسلها لتفرج كربة الغربة والمنفى وخيبتها بالرفاق، وقد أضحكتها تلك الحكاية التي تتلطى خلفها للحديث عما لمسته في أرض المنفى، فالمنفى مهما كان جميلا ومتحضرا يبقى "سجنا كبيرا" كما وصفه الرئيس الإيراني الأسبق الحسن بني صدر من منفاه في باريس. أجل المنفى سجن طالما المرء فيه تحت رقابة البلد المضيف، ورقابة البلد الأم عبر عملائها وعبر الهاتف والرسائل. وفوق هذا كله ليس بمقدوره السفر إلى بلده ليرى أهله والأم التي تنتظر كل مساء.

كانت الغربة في مهدها، فنضحت قسوة الوحدة والحنين، فكتبت باية رسالة تصورت أنها ستكون منقذا لها مما تعانيه، لتكتشف بعد تلك العقود أن من أرسلت له الرسالة لم يكن بمقدوره فعل شيء. وتستغرب الآن كيف كان في ذاك الموقع القيادي لعمل خطير يتنطع لتغيير بلد برمته، وهو الشاب الغض الذي لا يقوى على تغيير قميصه دون نصيحة أمه. تضحك باية بألم وحالها يقول "شر البلية ما يضحك". أيعقل أن أقتنع بعبد القادر "قائدا" وهو خلفي في الدراسة بدرجات؟ كنا سويا في الثانوي، وأعرف إمكاناته المتواضعة في كل شيء، حتى في الحديث كان يصعب عليه أن يعبر عن نفسه، فكيف يعبر عن آمال مجتمع؟

تغوص باية بين سطور الرسالة وتقرأ:

إلى الصديق العزيز عبد القادر المحترم

تحية طيبة وبعد

ما أسعدني أيها الصديق العزيز عندما تعرفت على شخصكم الكريم ونبل أخلاقكم في بلدك سورية الثورة. يشرفني أن أزف إليك تحياتي وآمل أن تصلك وأنت في تمام الصحة والعافية.

أخي العزيز ما هي أخباركم؟ هل لا زلت في نية الدراسة في دولة أجنبية لتكمل الدكتوراه؟ آمل ذلك وأتمنى لك التوفيق.

أما أخباري فهي كالتالي: أعتقد أنك سمعت بأنني أحببت فتاة من بلدكم، خطفتها إلى بلدي، وضحيت من أجلها بالغالي والنفيس، وكلي أمل أن تكون عند حسن الظن في هذه التضحية، ولكن لا أدري ماذا تحدث الناس والأهل عن هذه المشكلة. لا يهم طالما هي معي، ولن أدع نفسي أسمع كلمة بشأنها أو بشأني. كل ما يهمني أنني اقتنعت بها تمام القناعة وهي كذلك، ونأمل أن يكون مستقبلنا سعيدا، وهذا ما أراه من خلال معيشتي معها، فعي مثقفة، واعية، موضوعية تعيش الواقع كما هو، ولا أدري بماذا أصفها طالما أحبها كثيرا.

أما العمل فلا زلت أبحث عنه هنا، وأعيش عالة على أهلي وهذا ما يخجلني، وأعزي نفسي بقولي إنهم أهلي ومتى وجدت عملا سأرد لهم الصاع صاعين.

ما أفكر به هو أنني لو أنني بقيت في بلدكم وعملت هناك وعشنا وابنة الحلال بعيدين عن هذا الفراغ الذي أعيشه متسكعا في شوارع الجزائر لكان أفضل كثيرا، علما بأن أهلي حالتهم المادية جيدة، فقد أعطوني بيتا جميلا، وأساعدهم ببعض الأعمال التجارية ويعطوني معيشتي. هذا مقبول عندما كنت طالبا. أما الآن فلا، يجب أن أعمل وأساعدهم في أوقات فراغي وأمدهم ببعض الأموال، علما بأنهم ليسوا بحاجة ولا يشعروني بهذا مطلقا، ولكنه شعور ذاتي يعذبني. ماذا أقول لك؟ لو بقيت ربما قتلني أهلها وقد يذبحونها. وعلى الرغم من ذلك أقول: كان يجب عليّ البقاء في بلدكم مهما كانت الظروف، والآن سبق السيف العذل. ربما تسألني كيف أتيت؟ سأجيبك بالتفصيل لأن الوقت ملكي ولست مستعجلا على عمل وأرجو ألا تمل.

لقد اتفقنا على كل شيء وهيأت نفسها للهروب معي، وتعقدت الأمور من أجل الحجز، ونحن في عجلة من أمرنا. وأخبرا انقشع الضباب وتيسرت الأمور وحجزنا بالطائرة. سأحدثك عن مشوار رحلتي. كان بجانبنا شخص ينادونه ماهر. وأنت كما تعرف أحاديث الطريق لا تنتهي، ومن خلال الأحاديث الخاصة والعامة الكثيرة التي دارت بيننا، عرف قصتي، فكان رأيه أنه ضد هذا التصرف جملة وتفصيلا. فشرحت له الموقف الصعب، فقال: لو عاد الرأي لي، لو وافق الآخرون على خروجك لعارضت أنا، لأن هذا يسبب تسرب فتياتنا للخارج ونحن بحاجة إليهن. فقلت الموضوع إذن "سربت" بنت من عندكم.

تابعنا أحاديثنا بمختلف الأمور، خاصة عن تحرر المرأة في أوروبا الذي يختلف عما هو عندنا نحن العرب. ومن جملة الأحاديث ذكر أنه ذاهب لحضور مناقشة دكتوراه وقد تعب فيها سنوات طويلة، وذكر لي الصعوبات التي عاناها لتحضيرها، فقلت له مازحا طالما ننزل سويا في المدينة التي فيها أخوك، ما رأيك لو حضرت ضيف شرف بين الجمهور الحاضر في مناقشة أطروحة الدكتوراه؟ ربما أدلي بآراء تفيد رسالته أو أستفيد. لكن زميلا له بجواره قال بجفاء: "الدعوة محدودة". سألت محدثي: "من هذا الرجل؟" فقال "مازن، وقد أتينا معا لهذا الغرض."

كررت عليه طلبي بالحضور وفق ما يقوله اتحاد الطلبة بحق الحضور للطلبة كضيوف شرف في مناقشة رسالة الدكتوراه أو الماجستير، فقال مازن: "لا أدري." وسكت ماهر، فعرفت أني ضيف غير مرغوب فيه. وقلت لهما أنا لا أشك بمقدرة الهيئة العلمية في مناقشة الدكتوراه بشكل جيد، ولكني أرغب في الحضور، وهذا حق أليس كذلك؟ فقال ماهر وهو ينتقد عادات وتقاليد بلدي: "على ما يبدو أن علاقاتكم "مفلوشة" ولا ضابط لها". وراح يسرد بعض الأشياء عن عادات بلدنا، ودافعت بما فيها الكفاية، ولم أنزعج مطلقا من ترهاته، فيما قال مازن "بالحقيقة يوجد تخمة من أمثالكم". ولم أفهم قصده من التخمة، كل ما يمكنني قوله إنني عرفت بهذا المشوار نموذجين غريبين لأناس كنت أعتقد أنهما انقرضا، بلا مؤاخذة.

أخي العزيز لقد سردت عليك أحاديث لا ناقة لك فيها ولا جمل، ولكن الفراغ يخلق كل شيء، أملي ألا تمل من رسالتي.

أما حبيبتي الغالية التي ضحيت من أجلها كل ما أستطيع التضحية به ملت الحياة هنا، لأن عادات أهلي عادات برجوازية متعالية تتنافى مع حياة البساطة التي ألفتها معي في بلدكم، وقد سئمت أنا تلك العادات. تصور المآدب تكفي إطعام أهل الحارة جميعا، يأكلون القليل من مآدبهم الكثيرة ويرمى الباقي في القمامة. والله هذا كفر. الناس تتضور جوعا وهؤلاء يتفاخرون بالإنفاق. هذا سفه بالإنفاق.

وأخيرا وليس آخرا تفضل بقبول تحياتي مع فائق الاحترام، وتحياتي للسيدة التي كنت أسكن عندها وأعتقد أنك لم تزرني في بيتي، ولكن حاول اسأل وطمئنها عني، ولا تقل لها أية كلمة مما حدثتك به، فقط بلغها سلامي، فهي جعلتني كابنها وتتألم كثيرا علي، وهي كأمي تماما، وأضعها أمانة في عنقك.

أخوك محمد فتوحي

آه ثم آه يا محمد فتوحي، أنت الذي اختبأت خلفك باية لتكتب رسالتها، أنت من زمن الأوهام الذي مضى. كانت الآذان تطرب لتلك الوعود القادمة، والفجر المأمول أن ينبلج ذات يوم، ولم ينبلج بعد، بل اشتد الليل سوادا باحتلال بغداد وتداعياته. جرت مياه كثيرة تحت الجسور ولا زالت باية كالقابض على الجمر.

تذكرت باية تلك الليلة التي كتبت فيها الرسالة. طفرت دموعها كما لو كانت الآن تكتب تلك الرسالة التي مضى عليها نحو ثلاثة عقود، وهي تناشد صديقها أن يحفظ الأمانة (الأم) التي لا زالت تنتظر عودة ابنتها الغائبة كل هذه السنين.

لم تكن باية تتصور أن تعيش يوما بعيدا عن الأهل والوطن، تجد نفسها الآن أمضت عقودا، وتعود بها الذاكرة إلى حديث "الرحلة اللعينة" فتعرف أن أمراضا كانت تنخر الأهداف النبيلة التي آمنت بها، فلا يمكن الحديث عن وطن متحاب أهله والطائفية تتغلغل بين أبنائه، ولا يمكن الحديث عن الأمانة والسرقة على قدم وساق بين من تنطعوا للتغيير. هذا اللقاء لمناقشة الدكتوراه كما أسمتها باية، وهي مناقشة خطة عمل التغيير كان تقاسم "للكعكة" سواء بالمناصب والمهام والفلوس، واستبعد منها كل من يشكون به قادر على مساءلتهم. أجل كانوا شأن العصابة، والمضحك أن توضع الثقة بعصابة لتحقيق الأهداف، لذا آلت الأمور إلى ما وصلت إليه، تشتت شملهم وكل منهم أخذ ما طالت يده من الغنائم.

تقلب باية صفحات الغربة. تبحث بينها عما تحقق من أهداف، فلا تجد غير الندم. ليست نادمة على أهداف حملتها وهاجرت بها عندما ضاقت سماء الوطن بأفكارها، بل نادمة لأنها عملت مع أناس ليسوا أهلا للثقة. أجل ليسوا أهلا للثقة، فلم ولن تقتنع أن يزعم أحدهم ما يزعم ويستولي على أقوات أطفال غاب آباؤهم في غياهب السجون ليعيش هو عيش الملوك.

يا رب أعني لأتعلق بسقف الوطن ريثما تمر العاصفة، عاصفة هائجة تجتاح الوطن.

D 1 نيسان (أبريل) 2008     A أميمة أحمد     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  لم يكن بقدر ما تستحقين-2

2.  كلمة العدد الفصلي 12: التقدم التقني والبطالة والعولمة الكاذبة

3.  الحلم يأبى العتمة

4.  جليلة الخليع: كتاب

5.  طيف تجلله رائحة البحر