غادة المعايطة - الأردن

قطار الأنفاق


توقف قطار الأنفاق في محطة فكتوريا المزدحمة وسط لندن. خلال ثوان ابتلع الركاب من الرصيف وغادره آخرون في أمسية سبت شتوية. حظيت بمقعد فارغ في إحدى العربات، وطالعت الوجوه: بيضاء، سمراء، حنطيه. حقا هي مدينه كونية تستحق وبجداره لقب (قلب الأرض).

انتقلت ببصرها إلى تلك الجموع الملونة الحالمة بهامش من رغد العيش على ضفاف نهر التايمز. ترى ماذا تهمس تلك السيدة السمراء المتأبطة ذراع ذاك الرجل الستــيني الأبيض؟ وتلك الصبية الجالسة أمامها مباشرة، ترى بأي لغة تتحدث وذاك الشاب الذي ينصت لها باهتمام على غير عادة الذكور في بلادنا حيث الأنثـــى تتحدث وما من مستمع؟ وماذا عن هذا الشاب المراهق على المقعد في الزواية المقابلة؟ لا ينفك يداعب ثروته الذهبية من خواتم وأساور وقلادة ذهبية بسلسلة، حلم العروس العربية بـمهر من العريس الموعود. أهي ذهب حقيقي ام (فالسو)؟

يتوقف القطار، وينتهي الصعود والهبوط في ثوان وتحتل العربة مجموعة من الإنجليزيات. وتبدأ الثرثرة حول المدير المسؤول، وتتعالى الضـحكات عندما تقلد إحداهن رئيس العمل الذي من الواضح أنه لا يحظى باحترام أي منهن. عادة أنثوية تستهوي الجنس اللطيف شرق الأرض وغربها مع القطبين وخط الاستواء. بخطوات متعثرة يتقدم رجل بمنتصف العمر ويتكئ على أحد القضبان في العربة ويبدأ بالغناء. يهمس رفيقها: "إنه مخمور." ترجو من الله أن ينزل في المحطة المقبلة فالمخمور قنبلة موقوتة. أماسي السبت الإنجليزية تعج بأمثاله في الشوارع والطرقات. يخترق ذاك الرجل ركاب القاطرة فور توقفها ويقفز إلى الرصــيف ويبدأ بأغنية جديدة، بينما تغادر مجموعة (النميمة) القاطرة بضحكات مجلجلة.

يغادر معظم الركاب وتصعد سيدة مسنة بقبعة شاحبة من الفرو وعكاز بزخارف إفريقية. (آثار التمييز العنصري في جنوب إفريقيا: تفكر). تتكور على أحد المقاعد، تفتح حقيبتها، تتناول علبة فاصولياء وعلبة بسكويت. (أذا عشاؤها من المؤكد. كان من الأولى أن تكون بين أولادها وأحفادها في هذه الساعة المتأخرة، والسن المتأخرة: تتساءل). كم أشتاق لك يا أمي!

يحتل المقعد المقابل رجل في مقتبل العمر، يفتح كتابا ويقرأ. تطالع العنوان (شيفرة دافنشي). نعم، لقد قرأت تلك الرواية قبل شهر من مجـــــــيئها إلى لندن. ترى، هل من ضجة أثيرت حول هذه الرواية كما في الشرق العربي؟ يقولون أإ الشعب الانجليزي شعب قارئ. هل مطالعة القصص والروايات فقط تـــــــغطي تلك الكلمة التي تنقصنا: ثقافة؟

عبر النافذة تقرأ (بمليكو-Pimlico). تلك محطتها. تهبط من القطار وقد تقلص عدد الركاب. انتهى يوم آخر في مدينة الضباب، ولف السكون والظلمة المحطة بانتـــظار يوم جديد، وبعث جديد.

تصعد عبر السلم الكهربائي الطويل وتغادر المحطة بينما تحمي يديها من صقيع شباط في جيوب المعطف السميك.

في بقية الدرب المتبقي، يقص عليها رفيقها ذكريات الدراسة أيام زمان في بريطانيا، بينما تستغرق في استعراض محــــــــطاتها عبر أربعة عقود ونيف، هي حقا صعود وهبوط. نور وظلمة. وجوه تطل، ووجوه تغيب. أماس قمرية عليلة، وليال تشرينية قارصة.

تتفاءل عندما ينتهي الدرب ببيت العبادة بعمارته القوطية وقد غادره المصلون بخشوع واضح، وتردد على مسمعها: بارك الله بك (God bless you).

D 1 حزيران (يونيو) 2008     A غادة المعايطة     C 0 تعليقات