عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 
أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 60-120 » السنة 6: 60-71 » العدد 66 » على اللهِ العوض

إبراهيم يوسف - لبنان

على اللهِ العوض


أبي مِنْ أسْرَةِ المِحْراث
لا مِنْ سادةٍ نُجُبِ
وجدّي كانَ فلاحاً
بلا حَسَبٍ ولا نَسَبِ!
(محمود درويش)

لعلّه يأتي يومٌ مجيدٌ للسلام، يثوبُ فيهِ الإنسانُ إلى رُشْدِه وربِّه وعقلِه. يقدِّسُ الطبيعةَ "ويعبُدُ الأرضَ". ينبذُ العنفَ ويُحَطمُ بيديه ما اخترَعَهُ من آلات القتلِ والخراب.

وإنْ خانَتْنا أو خَذَلتْنا فرصَة ُ العمر، للخلاصِ من القمعِ والقهرِ والفساد، ومن أسبابِ القسوةِ على البشرِ والشجرِ والحجر، سندركُها في دارِ اللهِ الواسعة، الخاليةِ من الخيبةِ والمرارةِ والأحزان، ومن التعسُّفِ والتّلوثِ والمظالم، فيَسودُ العدلُ وينتصِبُ الميزان، ويعودُ الحقُّ إلى أهله؛ ويلتقي كلُّ حبيبٍ بحبيبه. ويلتقي الكلُّ بصاحبِ العزَّةِ والقسطاس.

عنبكانتْ كرومُ "المَعْصَرَة" مسرحَ طفولتي، ومُسْتودعَ سلامي وأحلامي وآمالي، أُرافقُ أبي إليها في صباحاتٍ مشرقةٍ ندِيَّة؛ خلالَ الصيف وأَواخرَ الخريف، في موسميّ القطافِ والتقليم. أُشاركُ في جمع الأعشابِ اليابسةِ الضَّارة، والأَغصانِ المقطوعة وقوداً للطبخِ "والتنور". كما أشاركُ في قطافِ العنب، ونقلِهِ إلى المعصرة على ظهورِ دوابٍ؛ قضَتْ عليها حضارةُ العجلات والأبواب الموصدة.

عصفوركنتُ الأبرع بين أصحابي في إعدادِ الأَفْخَاخ ونصبِها للعصافير. "أُمُّ سْكَعْكَعْ وأبو زْرَيْق؛" عصفوران في منتهى الغباء؛ سرعانَ ما يقعان في الشّرَكِ المكشوف! أمَّا أبو الحن فلا تنْطلي عليه الأحابيل، أدهى من الإنس والجن، يهوى الشجيراتِ الصغيرة وسياجَ الكروم، لا يخدعُهُ الحَبُّ المنثور ولا يقتربُ من الفخِ ولو مموَّهاً ببراعةٍ ليس لها مثيل.

كان العنبُ سليماً خالياً من الآفات، ومن آثارِ المبيداتِ الزراعيَّة، وصناعتُهُ تقتصرُ على الدّبس، وزبيبِ العنبِ والخَل، وكانتْ صناعةُ الخمورِ محظورةً ومن الكبائر، فكيفَ الحالُ بمن يتعاطاها؟ عندما نُمِيَ إلى أَبي أنَّ حفيداً له تعاطى الخمرة، دقَّ كفاً بكف وقالَ لأبيهِ بخيبةٍ ومرارةٍ وحزنٍ عميق: "ضاعَ الصَّبي. على الله العوض".

رَمادٌ فاتحُ اللون؛ يَنْتُجُ عن احتراقِ الفحم، هو "الصَّفْوَة". أفْضَلُهُ ما كانَ من حَطَبِ السّنديان. يَحتفظُ به "الكرَّامون" ليضافَ إلى زيتِ الزيتون فيشكِّلَ مُسْتَحْضَراً لزجاً، تُدهَنُ به عناقيدُ العنب من كلِّ صنفٍ ولون. "يتفنَّنُ" الأطفالُ فيَشُكُّونَ حبوبَ العنبِ؛ الأبيضِ والأحمرِ والأسود، تُزيِّنُها "أكوازُ" التين، والفواكهِ الموسميِّةِ الأُخرى، يوزعونها بعنايةٍ للتجفيف؛ في أعوادِ أشواكٍ كالشجيرات؛ فتبدو جميلةً كالعرائس.

العنبُ المعالجُ "بالصفوة"؛ يُنْشَرُ في أرضِ الكروم؛ تحتَ أشعةِ الشمسِ لأسبوع أو ما يزيد، فيتحوَّلُ إلى زبيبٍ يعمِّرُ مع اللوزِ جيوبَ الأطفالِ إلى المدارس، كما التينُ المجففُ والجوز، أو يُسْتخدمُ مع "القلوبات" الأخرى والفواكهِ المجفّفَة، في أطباقِ القمحِ المسلوق؛ عندَ "طُلوعِ" أسنانِ الأطفال، و"المَغْلي" عندَ الولادات.

يُنقلُ بالسلال؛ على ظهورِ الدواب العنبُ المخصَّصُ للدبس، إلى المعصرةِ القريبةِ القائمةِ على ربوةٍ صخريَّة، وسَطَ الكروم، وتتألَّفُ من بناءٍ مسقوفٍ متواضعٍ كالكوخ، يعلو درجاتٍ قليلة عن الأَرض، حيث يقومُ "المرجل"؛ وعاءٌ مستديرٌ شديدُ الاتساع، من نحاسٍ أحمرَ مبيَّضٍ "بالقصدير"، يكادُ لا يقوى على رفعِهِ فارغاً العديدُ من الرجال.

من خزانٍ رئيسٍ محفورٍ في الصخور، يَقومُ في أعلى الموقع، يَجْري العصيرُ مُنْساباً وفقَ مبدأ فيزياء الجاذبيَّة، عَبْرَ قنواتٍ صخريَّة تنحدرُ إلى الأسفل، وتتصلُ بخزانٍ آخر أقلُّ سعة وارتفاعاً من الأول، وقد تحوَّلَ العنبُ في الخزانِ الأعلى، إلى خليطٍ من العصيرِ والبذرِ والقشور؛ بعد دوسِهِ جيِّداً بأقدام نساءٍ "حسان"؛ أو رجالٍ ذوو بأسٍ وتصميم، لكي يُعالجَ العصيرُ المستحلبُ؛ في الخزانِ الثاني بأَتربةٍ كلسيَّة نظيفة؛ تلعبُ دورَ المصفاة، ثمَّ يُنقلُ العصيرُ المُصَفَّى بالأوعِيَة من الخزانِ إلى المرجل، حيث يتمُّ غليُهُ باستعمالِ الوقودِ من أغصانِ الكرومِ اليابسة، والحطبِ المتاح؛ حتى يتكَّثفَ العصيرُ بتحريكِهِ المتواصل؛ وهو يغلي على النار.

تحلو سهرةُ المعصرة على ضوءِ "الفانوس"، ونار الموقد؛ وجيمٍ مُعَطّشَة في حكايا الماضي المتنَاقلَة، يتميَّزُ بها لسانُ هذا الإقليم. ويَطِيْبُ إقبالُ "الكرَّامين" على طعامٍ مشتركٍ، من عناصرهِ الرئيسة "البرغل" وسائر الحبوبِ الأُخرى، ولم تكنْ يومئذٍ الأمراضُ المُسْتعْصِيَة معروفة. لعلَّها لم تكن موجودة في الأصل.

يشتركُ في التحكيمِ على كثافةِ الدبسِ رجالٌ مُحْتَرِفون، برفعِهِ بالمِغْرَفةِ إلى أعلى والإمعانِ في مراقبتِهِ وهو ينحدِرُ منساباً إلى المرجل؛ ليغدوَ دبساً كثيفاً شديدَ الحلاوة، محفِّزاً للسعراتِ الحراريةِ في فصلِ الشتاء، أو يتحوَّلَ إلى "جُلاَّبٍ" لا غشَّ فيه؛ شراباً مُنعشاً مُعطَّراً بالبخورِ، نافعاً ولذيذاً في رمضان.

تستغرقُ عمليةُ الغلي والتكثيف وقتاً طويلاً، ليلةً بكاملِها للمرجلِ الواحد، يتناوبُ الكرَّامون فيها على السهر. يُنقلُ الدبسُ بعدها بارداً إلى "الخوابي".

والخوابي متاعٌ لهُ اعتبارُه، أهميتُهُ كبيرة في الأرياف، يأتي بالآنية تجَّارٌ من أمكنة بعيدة، تتعرضُ في نقلِها إلى خطرِ التكسير، تحمِلها دوابٌ "شهيرةٌ بالحَرَد"؛ فحمارُ "الفاخوري" مَضْرَبٌ للمثل؛ موصوفٌ بالعناد والنكد. لهذا فالخوابي غاليةُ الثمن وعزيزةٌ على أصحابِها.

تتَّسعُ الواحدةُ منها لعشراتِ "الليتراتِ" بمكاييلِ اليوم، وتُستعملُ لحفظِ الدبسِ ومؤنٍ أُخرى، كالزّيتِ والزيتون. وأحجامُ الخوابي تتفاوتُ ولها تسمياتٌ أُخرى، "كالنَّعَارَة والمِحْلب"؛ واستعمالٌ مُخْتلِف كحفظِ الإدام "القاوَرْما"، أو لحفظِ المخلَّلاتِ؛ والباذنجانِ "المكدوس" بالزيت، وغيرها من حلوياتٍ يعشقُها الأطفالُ، كالسفرجل والتين والتفاح. يقتصدُ الأهلُ بها ويقتِّرونها على الأولاد؛ للحفاوةِ بالضيوف. كانوا يحتفظون للغريبِ بالصحنِ الأطيب، والفراشِ "الأوثر"، والبشاشةِ الأصدق، وكل ما من شأنه أن يحملَ إليهِ الراحةَ والأمان.

إذا كُسرتْ إحدى هذه الأَواني؟ استدعتِ النَّكَدَ في البيوت؛ وحلَّتْ بأَصحابها خسارةٌ لا تُعوَّض، خسارةُ الآنية نفسها؛ وجزءٌ من مؤونةِ السنة ومخصَّصاتِ الضيوف، والأطفالُ من أوائلِ المتضرِّرين.

ما حدثَ ذاتَ مرَّة؛ أنَّ أُمي وجدتْ إحدى الخوابي الفارغة مكسورة؛ عندما كانت تعِدُّها للاستعمال، فتأَسَّفتْ عليها وتساءلتْ عمَّن كسَرَها. وجاءَها مباشرةً جوابُ زينب، زوجةُ أخي، قاطعاً لا ريبَ فيه، بأنَّها ضبطتني متلبِّساً بالجرمِ المشهود، وأنا ألهو بقذفِ الحصى من "مرماةٍ" مطّاطيَّة في يدي؛ حينَ كسرتُها.

لستُ أدري ما الذي حملَها على الكذب. لعلّها ألقتْ بالتهمةِ على طفلٍ عاجزٍ في الدفاعٍ عن نفسه لتنأى بنفسها عن الشبهةِ والشك. وأُمِّي صدَّقتْها لأنها مطيعة تستشيرُها في كل أمر، وتثقُ بكفاءتِها في إدارةِ البيوت، فهي كما تقول: "بنت بيت" ، و"للسيف والضيف وغدراتِ الزمان".

في الواقع كنتُ بريئاً. لم ألهُ بالحصى ولستُ من كَسَرَ الآنية. أحسستُ بفيضٍ من الألم والهزيمة والخزي؛ وبكيتُ غيظاً من ظلم تلبَّسني؛ وعزَّزَ تهمتي، فأُمي تحبُّ زوجةَ أخي وتثقُ بها ثقةً عمياء. ضمرتُ لها الحقدَ في نفسي، لأنَّها ألبستني التهمةَ زوراً وظلمتني، وتحمَّلتُ بسببها الإهانةَ والتوبيخ؛ مغلوباً على أمري، وكرهتُ زينب الكنَّة الكاذبة؛ وعتبتُ على اُمي تكذِّبُني؛ وتصدِّقُها بلا دليل.

كم كانتِ المفاجأةُ كبيرةً وسارَّة! المفاجأةُ التي ضَحَدَتِ التهمة عني وأظهَرَتْ براءتي، وأفحَمَتْ زوجةَ أخي؛ شاهدة الزور الكاذبة، وأَسْقَطَتْها بالضربةِ القاضية، عندما وجدتْ أمي الخابية سليمةً، وأنَّها خُدِعَتْ بردَّة فعلِ الصوت، عندما دقَّتْ عليها بكفِها لتتأكَّدَ من سلامتِها.

أشهدُ صادقاً بالحق أن زوجةَ أخي تلك حملتْ همومَنا لاحقاً، وشاركتْنا أيامَنا الحلوةَ والمرَّة، وتحوَّلتْ حقاً إلى أمٍّ لنا جميعاً، فاحترمناها وأحببناها طيلةَ عمرِها، وحينَ رحلتْ بكيناها بصدق، وقبَّلتُ يَدَيْها في نعشِها، وأنا مؤمنٌ بالله واليومِ الآخر، وموقنٌ بأنَّها تستحقُ ثواباً ورضواناً؛ ومنزلةً عزيزةً في الجنَّة.

وبعد؛ فعلى اللهِ العَوَض مرَّاتٍ ومَرَّات. تَغَيَّرَ الزمانُ إلى ما لا نشتهي أو نرغب. فشِلْنا في كلِّ السياسات. اندثرَ إرثنا من الماضي؛ فاختفى دبسُ العنب، وصرنا نستوردُ الزبيب؛ وسائر الفواكِهِ والخضار؛ ومختَلَف الحاجيات. ألم يَنْهَنا "جبران" حينما قال: "وَيْلُ لأُمَّةٍ تأكلُ مما لا تزرع؛ وتلبسُ مما لا تنسج"؟

ضاعَ الرزق وقلَّ الأمنُ والأمان؛ وبلغنا حافةَ "المهوار"، بل بدأنا بالانزلاق إلى القاع. نَهَشَتِ الكسَّاراتُ الربوةَ الصَّخريَّة، حيث كانت تقومُ المعصرة فَحَوَّلتْها إلى كُوَمٍ من حصى، ونقودٍ مصرفيَّة من ذهب، دخلتْ في حسابِ النافذين، من أولي الشأنِ في الوطنيَّةِ والتخطيط. أما كرومُ المعصرة فقد جدَّدْتُ أجَفانَ أغْراسِها وبَقِيَتْ ميراثاً لأولادي، تَشْهَدُ على وفائي وحُبِّي لأرضي.

الحواشي:

"التنور": تجويفة أسطوانيَّة الشكل من فخَّار، يُخْبَزُ فيها. سريانيَّة.

" أكواز": مفرَدُها كوز، (فارسيَّة") وتعني الإبريق، وتستعملُ مجازاً عند العامة؛ للدلالة على ثمرة التين.

"القصدير": معدن أبيض فضيّ طري؛ تُطلى به بعضُ المعادن "كالنحاس" لحفظها من الصدأ، ويدخل في خلائط كثيرٍ من المعادن. (يونانيَّة).
"الفانوس": المَشْعَل. يونانيَّة.

الجيم المعطّشة: هناكَ الجيم القاهريَّة؛ وتُنْطق كما الحرف g في كلمة go الإنكليزيَّة. وهناك الجيم الشاميَّة؛ المستخدمة في معظم بلاد الشام وتُنْطق كما الحرف j . أمَّا الجيم المعطّشة فتُلفَظ بتدافع النَّفس؛ وما تُحْدِثُهُ من ارتدادٍ وارتجاجٍ واسع في سقف الحلق.

"البرغل": جريش خشن مِنَ الحنطة المسلوقة. تُركيَّة.

"الجُلاَّب": العَسَل أو الدبس وخلافهما؛ عُقِدَ بماءِ الورد، أو البخور. فارسيَّة.

"الخوابي": مفردُها الخابئَة والخابية، وهي الجرَّة الضخمة. وبنتُ الخابية هيَ الخمرة.

"الفاخوري": (عاميَّة) صانع وبائع الخزف؛ أو الفخَّار، واسمُ الفاعل "فخَّاري" وليس فاخوري.
"القَوَرْما أو القاوَرْما" :نوعٌ من لحم الضأن المعالج بالملح والطهي الكافي على النار.

"أجْفان" مفردُها جَفْنَة: أصلُ الكَرْم وقضبانه.

D 25 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011     A إبراهيم يوسف     C 12 تعليقات

11 مشاركة منتدى

  • كل شيء تغير أيها الصديق، ولم تبق لنا إلا الذكريات نجترها بين حين وآخر كلما طرأ ما يذكرنا أو يرجعنا إلى الماضي الجميل البسيط.
    لكل منا ماضيه الجميل وذكرياته التي يستعيدها كشريط، ومهما بدا الحاضر مريحاً ورغداً فإن حنينا إلى الماضي لا يقاوم، وشوقنا إليه يزداد، ونتمنى أن تعود هاتيك الأيام، أيام البركة والألفة والتكافل والجيرة الرائعة.
    هل الماضي أفضل وأجمل؟ أم تراها لازمة لا تنفك عنا أن نرى أن الماضي أجمل؟ القضية كما أرى نسبية، وحنينا إلى الماضي لا يعني أنه أفضل، ولكن أظن أن لذلك رابط بطفولتنا وأن ذلك الماضي كبر معنا وألفنا وألفناه، أما الحاضر فهو يتسارع بشكل لا طاقة لنا على مجاراته، ومن هنا نشعر بالغربة وربما الخوف أحياناً.
    أشكرك أخي وصديقي إبراهيم على هذه الصفحة الجميلة التي انطوت ولن تعود، وسيأتي على أولادنا يوم يتذكرون هذه الأيام الصاخبة على أنها أجمل أيام العمر، وهكذا دوليك، فلكل جيل أيامه التي لن تعود!


  • ليستِ العودةُ إلى الماضي هروباً من حاضرٍ؛ ولو أليم.. ربما كان الماضي كذلك..؟ وربما كان الحاضرُ مشرقاً لا يقارنُ بالماضي اللعين. ألحسرةُ يا صديقي على شبابٍ ولّى، وطفولةٍ لن تعود، وشيخوخةٍ بدأتْ، فانطوى الزمن وباشرنا نتحضَّرُ للرحيل. علينا يا صديقي أن نسرعَ لنستلحق..؟ فلم يبقَ من العمرِ ما يكفي لنكملَ ما لم ينتهِ بعد.


  • مهما كان الماضي قاسيًا، فأنا يا أستاذي أجدك محظوظاً..!

    لأنك تنشقت أنفاس الكروم في تلك الصباحات
    و أمضيق وقتا وجهدا في نصب تلك الأفخاخ
    لأنك حشوت جيوبك بذلك الزبيب، وتذوقت ذلك التين الذي صنعت منه العرائس
    ولعقت ذلك الدبس، الذي لا يعرف طعمه الكثيرون، أخبرني أهو كما قيل عنه: إنه ألذ من العنب؟ كيف هي حلاوته؟ كدبس الرمان؟ أم كدبس التمر؟

    لكنني محظوظة أيضا، أن أشارك في سهرة ( عود الند) على ضوء (شاشة الحاسوب)، ولغة الضاد الجميلة، حين يطيب إقبال ( الكتاب و القرَّاء) على مائدة عامرة بالتراث والأصالة و موروث الآباء وحكايا الماضي المتناقلة..

    شكرا لإصطحابنا في رحلة إلى زمن جميل لم نره إلا من خلال هذه السلسلة الرائعة من النصوص. 


  • أشواق مليباري - السعودية

    بل أنا المحظوظ في التعرّف إليكِ، وإلى سائر الأخوة المشاركين في عود الند، ودبسُ العنب يا صديقتي لا يزيدُ أبداً عن حلاوةِ حديثك..!!

    أعدتُ تجديدَ أغراسِ الكرمةِ وابتدأ خيرُها يفيضُ علينا، وهي ترحِّبُ بكِ وتدعوكِ إلى زيارتِها في الصيفِ الذي ترغبين.

    أنا أغبطكِ يا صديقتي على طلّتكِ الحلوة في عودِ الند، وحضورِك الأحلى، وأحلامِك الأحلى وأحلى، واسمحي لي أن أبديَ رأياً متواضعاً في جانبٍ من جوانب النص.. في مغنية الأوبرا مثلاً.. لِمَ لا تستبدلينَها بفيروز ونجاة ووردة وطلال المداح؟ فتاريخُ الأوبرا والسمفونيات وبافاروتي في بَوَادِينا، نختصرُها يا صديقتي ببيتٍ من العتابا، يُشَنِّفُ الآذان؛ وتترددُ أصداؤه على جوانبِ الصحراء، ولو أننا تخلَّينا عن إرثِنا في العباءة والكوفية والعقال، ولجأنا إلى الثيابِ الإفرنجيةِ المبتكرة، و صرنا نحسُنُ الحديثَ بأكثرَ من لغةٍ ولسان.


    • أمازح ضيفي حين إنزال رحله    ....    ويخصب عندي و المكان جديبُ
      وما الخصب للأضياف بكثرة القِرى ....  ولكن وجه الكريم خصيبُ

      أشكرك على دعوتك الصادقة الكريمة. 

      صدقت يا استاذي، فموروثنا الثقافي و الفني يغنينا عن ( الأوبرا، وبافاروتي)، أردت أن أعبر عن إرتفاع الصوت، وتردده العالي، ليس إلاّ، ربما خانني التعبير كما يفعل دائما..
      أشكرك على مجهودك معي، وأتمنى أن تصل نصوصي إلى المستوى المطلوب مستقبلاً. 

  • كل شيء تغير أيها الصديق، ولم تبق لنا إلا الذكريات نجترها بين حين وآخر كلما طرأ ما يذكرنا أو يرجعنا إلى الماضي الجميل البسيط.
    لكل منا ماضيه الجميل وذكرياته التي يستعيدها كشريط، ومهما بدا الحاضر مريحاً ورغداً فإن حنينا إلى الماضي لا يقاوم، وشوقنا إليه يزداد، ونتمنى أن تعود هاتيك الأيام، أيام البركة والألفة والتكافل والجيرة الرائعة.
    هل الماضي أفضل وأجمل؟ أم تراها لازمة لا تنفك عنا أن نرى أن الماضي أجمل؟ القضية كما أرى نسبية، وحنينا إلى الماضي لا يعني أنه أفضل، ولكن أظن أن لذلك رابط بطفولتنا وأن ذلك الماضي كبر معنا وألفنا وألفناه، أما الحاضر فهو يتسارع بشكل لا طاقة لنا على مجاراته، ومن هنا نشعر بالغربة وربما الخوف أحياناً.
    أشكرك أخي وصديقي إبراهيم على هذه الصفحة الجميلة التي انطوت ولن تعود، وسيأتي على أولادنا يوم يتذكرون هذه الأيام الصاخبة على أنها أجمل أيام العمر، وهكذا دواليك، فلكل جيل أيامه التي لن تعود!


  • (ويعود الحق إلى أهله .ويلتقي كل حبيب بحبيبه.ويلتقي الكل بصاحب العزه والقسطاس) ما من حق لأحد أن يتسلل إلى أسرار الآخرين! ليسأل ماذا حدث؟ لكني أتمنى ألا تتكرر الحوادث المؤلمه إن كانت وقعت كما تراءى إلي .


  • ألسيدة هدى قمحية- نابلس
    ما من أحدٍ يمكنه أن يزن كل كلمة يقولها بالدقة التي تتصورين..! والنّص لا يخلو من صورِ مشرقة يا سيدتي.. لك مني أصدق التحيات، وسلاماً بحرارة مشاعرك.. كيفما دارت الأحوال، فعلى الله العوض وإليه ترجع كل الأمور.


  • وعلى الله العوض والاتكال.. لاسترجاع الأيام المبكرة من عمرنا حلاوة، كما لها طلاوة ثباتها في الذاكرة، لا يعكر صفوها عنت الأيام ولا قساوة الأحداث، ولا حتى ألم المتغيرات التي تهبط من السماء كالمناطيد المنفوخة جميلة التكوين ولكنها جوفاء منفوخة بتشربها الغاز الخفيف، المشاهد البعيدة تبدو جميلة التكوين لأنها ترسم صورة الأحداث التي شكلت مداميك تاريخنا الشخصي، حتى الرائحة التي امتازت بها تلك الأيام ما تزال عالقة بنا، عامرة في أنوفنا وكأنما ما مر عليها ذلك الزمن الطويل.... على الله تعود على الله تلك الأيام ولو كان ذلك لفترة محدودة، لتتملى منها العيون، وتتنشق عبيرها الأنوف، لو تعود البراءة والنقاء والبساطة والقناعة، لو تعود الطيبة وعادات التوادد والتكافل في الأسرة الواحدة، كنا نعجب من الجدات والجدود مدى حبهم لاسترجاع ذكرياتهم التي هربيت منهم للبعيد، ها نحن نركض وراء ذكرياتنا وذاكرتنا المحفورة المنتظرة على الرف القريب، نتناولها بكثير من الانتشاء وأكثر من الفخر والكبرياء.... لكل زمن جمالياته، ليس الحضارة هي ما تشوه ذلك الماضي، ولكن تقصيرنا في حفظ هذا الثرات وتسجيله وتأريخه هو ما يجعلنا نتوه عن أصالة عاداتنا وممارساتنا والبيئة النظيفة والصحية التي كنا نعيشها، فمن من أولادنا اليوم من يعرف ما هي الخابية فشكراً لك أستاذنا الفاضل ابراهيم يوسف أن أعدت للأذهان تلك الصور واستعدت في ذهنية الجيل الجديد المصطلحات التي كانت متداولة في جيل الآباء والجدود قبل أن تندثر


  • ألأستاذة هيام ضمرة- ألأردن

    حينما نبحثُ في الماضي والحاضر والمستقبل يا صديقتي..؟ لكأننا نفتِّشُ عن الطفولةِ والكهولةِ والشباب.. وعندما نتوهُ ونتعبُ بفعلِ البحثِ والتنقيب، يبقى الخلاصُ بالله والعوضُ عليه وحده.
    يعنيني بحق ويشرفني كثيراً أن تبدي رأيك في ما أقول. غيابُك موحشٌ وطلتُك بهية، لكأنما انحسرَ الخسوف، أو كأنما جادتْ بالماءِ السماء.

    قليلُ الوصلِ "يُقْنْعُنا" فإنْ لم ... "يُصِبْنا" وابلٌ منهُ فَطَلُّ


  • ربما استحي ان القي برأسي على صدر امي كوني كبرت و اصبحت اماً ولكني لااستحي وانا احتضن شجرة او افترش ارضا و لو كانت تُضّم لضممتها . احب رائحة التراب جافا و مبلالا و كيفما كان . وكلي يقين انها تسمعني حين اهمس لوريقات الشجر بما في نفسي . الاتُسَبِح لله؟ فكيف لاتسمع . حين تأخرت الكرمة في حديقتنا الخلفية عن طرح العنب جاءت والدتي بعنقود عنب من السوق و علقته على العريشة و كانت فرحة ابي حين راه موازية لخيبة امله حين اكتشف العلاقة الحديدية في نهاية العنقود و هو يسمع ضحكاتنا لمداعبة امي هذه .
    وكانت أولى خيباتي حين زرع ابي حديقة الارض المجاورة لان مالكيه لم يبنوه بعد و حين تلاءلاء سواد الباذنجان ( للحظة لم اذق مثله ) و خضار الفلفل و رائحة النعناع ثم يد تقطف كل هذا بلا هوادة وحين سالتها و كانت كنة الجار الاخر قالت ان ما يزرع في ارض الله ملك للجميع . احبطت و غضبت لاننا لم نأكل من تعبنا سوى مرة واحدة فلم نعاود الكرة بزرعها حتى لاياخذ تعبنا الاخر . ثم احاها الاسمنت الى رصيف للسيارات و للان رائحة تلك الارض في نفسي و فكري .حين نبني عليها نكون كمن يَعّق امه اليس كذلك .


  • ألسيدة هدى الدهان- ألعراق

    بارَكَ اللهُ لكِ يا سيِّدتي هذه النزعةُ النبيلة في محبةِ الأرض والناس، وبارَكَ أرضَ الرافدينِ أرضُ الصبرِ والإيمانِ والألم. أرضُ التاريخ وانتصارُ الدِّماءِ على السيف. نعم يا سيِّدَتي.. "ألأرضُ روحٌ طاهرة في جسدٍ طاهر.. فلامسوها بأرواحِكم وأجسادِكم إن كنتم من الطاهرين".

    منذُ كان الأزل.. كانتْ علاقةُ الإنسانِ بالأرض علاقةُ عشقٍ وولاء، علاقةُ الروحِ بالبدن.. هي القضية والمحور، في البدايةِ والنهاية.

    واجبُ الوفاءِ للأرض يقتضي أن ينشرَ البشرُ فضائلها، ويوظفونَها في العلاقة المنطقيَّة والعاطفيَّة بينها وبينهم..؟ فلولاها لا قيمة للبشر..

    ألأرضُ يا سيدتي هي الأمُّ والرَّحَم، أمُّ الخلقِ جميعاً؛ منها خرجنا ومنها غذاؤنا ونبضاتُ قلوبنا.. وإليها نعود، ثم نموتُ عليها ونحيا من جديد، في علاقةٍ مستمرة لا تنقطع، ما لم يَفْنَ الوجود.. لا ينتسبُ إليها أو يستحقُّ خَيْرَها إلاّ من احتضنتْ في حشاياها رفاتَ أمواتِه، ودفعَ من أجلِها ضريبةَ الروحِ والدَّم.

    ألأرضُ كريمة كخالقَها..؟ تُعطي بلا مقابل؛ تعطي ولا تأخذُ أوتُدَقِّقُ في الحساب. يقولُ العاشقُ من أرضِ فلسطين، ما يقولُه العاشقُ في بغدادَ وكربلاء:من أجلها تسقُطُ كلُّ الحسابات. "أرضي أعزُّ عليَّ من روحي، فيها ضوءُ القلبِ والعينِ، ومنها مِلحُ الخُبْزِ واللحْنِ، وَطَعْمَ الأرضِ.. والوطنِ"