أنت في : الغلاف » العدد الفصلي 14: خريف 2019 » الكأس السابعة

نوزاد جعدان - سورية

الكأس السابعة


نوزاد جعدانلم تعد تثق بشيء في هذه اللاجدوى التي تعيشها، لا تثق إلا بغرفتكَ وهي أيضا ليست ملكك إنما إيجار شهري من جيوبك الخاوية دائما، تحاول النوم، تتقلب، تعد أصدقاءك الذين ماتوا بدلا من عدّ الخراف؛ تلك الطريقة التي علمونا إياها في المسلسلات الكرتونية، تصادفك كوابيس مرعبة تحاول شنقها على حِبال البامياء التي كانت تعلقها جدتك أمام عتبة بيتكم في القرية، تلك التي تزوج فيها والدك في السابع من تموز عام 1977.

تعود لتحتسي من زجاجة الخمر بمنظرها الكئيب، تتجرع كأسك السابعة على الشرفة المطلة على مدينة عارية من كل شيء من الشجر والبشر. لا شيء من حولك سوى صحراء وبناء وحيد يضحك منه جيرانك على منظرك السكير، وأنت تزاوج بين كل الفنون المسرحية من بكاء وضحك وميلودراما ورقص وغناء، وأحيانا نوم على البلاط لتستيقظ صباحا برأس ثقيلة ومعدة مريضة وأنت لا تدري ما حصل البارحة ولا مع من تشاجرت على برامج الفيس بوك والواتس آب أو تعليقات جريئة لا تتجرأ عليها إلا وأنت ثمل.

نعم أنت الآن مع كأسك السابعة، وجارتك الجميلة في الطابق السابع بشعرها الأسود الطويل كقطيع ماعز فخم يتدلى على نهديها الجبليين، تلوح لك بيديها كي تتوقف بعد هذه الكأس، هي بمثابة مؤشر لك كي تتوقف عن الشرب. هذا الحال يتكرر بشكل يومي. لا إشارات بيننا سوى إنها تعدّ الكؤوس التي احتسيها وتراقب كل حياتي من شرفتها وأنا على شرفتي أو حجرة المطبخ المطلة على بيتها.

تغضب من نفسك في الصباح، وتلعن كؤوس الطلا وتتخذ وعدا مع نفسك أن تتوقف عن هذا الانتحار البطيء، وخاصة عندما تعتريك نوبات الإدمان والرجفان أمام زملائك في العمل. تهرب إلى دورات المياه، تجلس نصف ساعة، تتحدث مع نفسك وتلعن كل كأس، تعود إلى المنزل وتستحضر صور الحرب التي دمرت بلادك والانقسامات التي حصلت في صفوف الشعب، وتزور وطنك على برنامج " غوغل إيرث". تقول لنفسك كم كنت جميلا أيها القصير حين كنتَ هناك تناضل من أجل حرية بلدك، أما هنا في منفاك لا طعم لشيء.

كان رصيف حارتكَ ناعما وكنتَ تسقط على وجهك كثيراُ مع ذلك لم تكن تتألم، الآن في أبسط وقعة تتكسر الكثير من الأمور والأشياء، تذكر أصدقاءك الذين دفنتهم وإلى الآن تخطئ بقراءة الفاتحة على قبورهم، تتحدث مع أبيك وعائلتك. تغضب على الهاتف، فقد تحولت إلى مصرف بالنسبة إليهم، لا يتذكرونك إلا بطلب المزيد من النقود. تضحك مع نفسك: لقد سبّعتَ الكارات يا "سبع". هكذا كانت أمك تناديك.

تطهو الطعام بقرف كي تملأ معدتك وتكون مستعدة لكؤوس المساء، تحاول الاتصال بما تبقى من أصدقائك، ثم تعزف عن الفكرة وتتخذ الوحدة مرة أخرى أنيسة لك. تستبدل الأغاني. لا يروق لك شيء. تضع الكأس الأولى، تصبح كل النساء جميلات بنظرك وتشعر برغبة إلى أن تتقدم إلى أي واحدة حتى بنت عمك القبيحة لا يهم.

كل الأغاني تروق لك. لا استثناءات، ولا ضير مع تلك التي تخالف ذوقك القديم. كل الطعام لذيذ المذاق حتى تلك الوجبات التي كانت تحضّرها تلك الفتاة التي كانت تحبك وأنت هجرتها لأنك لا تتحمل نفسك، وكنت دائما تردد لها: "لك أنا تعبااااااااااان، أنا لو نظرت إلى نفسي في الصباح أقول لخيالي في المرآة اللعنة عليك".

أي حزن كان يعتريه من صنع الخمرة وأي سلطة تعذيب كان يكابدها. تردد طويلا أبيات الجواهري: "يا نديمي وصب لي قدحا واعرني حديثك المرحا". تصل إلى الكأس السابعة. تلوح لك جارتك. تدرك حينها أنك وصلت لحدك. تتوقف، وترجع إلى فراشك لتغط في نوم عميق.

* * *

في الصباح، وحين استيقظتُ كعادتي، عندما رنّ المنبه تمام الساعة السابعة وسبع دقائق، أحسستُ ببرودة ولزوجة تحت أرنبة أنفي. تحســسته. كان رعافا شديدا، مسحتُ الدماء الغائرة، واتجهت إلى عملي وأنا أفكر مليا بالتخلص من هذه العادة التي تقودني إلى الموت، فكرتُ بالتغيير، وضعت جملة خطط كي أبدأ حياة جديدة، منها شراء ثياب جديدة وعطور والاتصال بحارس المبنى كي يجلب لي خادمة تنظف البيت القذر بالكامل، وأن أتغاضى عن التفكير بالأمور المؤرقة عبر إشغال نفسي بألعاب الفيديو والأفلام وقراءة الكتب.

خرجتُ من الدوام باكرا واشتريت كل أغراضي، كان الحارس بانتظاري ومعه الخادمة لتنظف البيت، تركتها تنظف المطبخ أولا، وأنا حاولت إلهاء نفسي بالألعاب والأفلام ولم أفلح، وأول ما تذكرته كأس الخمرة، سحبت الزجاجة من نمليّة المطبخ إلى غرفتي تمام الساعة السابعة مساء، وبدأت أتجرع الكؤوس الواحدة تلو الأخرى بدون حساب، وكذلك بدون مؤشري: جارتي التي كانت توقفني عند الكأس السابعة.

بدت لي الحياة حفلا شهيا وحقلا يحتوي أطيب أنواع الخضار. لا أعلم متى نمت أو كيف نمت، استيقظت في الصباح في الساعة السابعة وسبع دقائق ومعدتي تؤلمني جدا. تقيأت عدة مرات ثم زحفت إلى حوض السباحة وغسلت وجهي. كانت سحنتي صفراء جدا وكأن كل حقول الليمون جفّت على وجهي، فتحتُ باب المطبخ كي أرى ما نظفته الخادمة. رأيتها ملقاة على الأرض ومسجاة بدمائها، أفزعني المشهد جدا. لم أعد أعرف ماذا أفعل، اتصلت بحارس البناء كي يحضر، لكنه بدوره جلب الشرطة بمعيته لتكتب محضر الجريمة.

بعدئذ تم اعتقالي، فأنا المشتبه الوحيد، وزج بي في السجن وأنا أحلف لهم أن جارتي في الطابق السابع ترى كل شيء، فشرفتها تطل على المطبخ وهي أيضا تعد كؤوسي، كما أن هناك كاميرات مراقبة في البناء تستطيعون مراقبة من دخل إلى الشقة وأنا نائم.

لم يصدقني أحد، ثم صفعني الشرطي وهو يصرخ بأعلى صوته: "أيها المجرم، إن الشقة رقم سبعة في الطابق السابع من المبنى رقم سبعة مهجورة منذ سبعة أعوام".

أما أنا فما زلت أردد في العنبر رقم سبعة أن لي جارة تحصي كل شيء في حياتي وتردعني عند الكأس السابعة.

D 27 آب (أغسطس) 2019     A نوزاد جعدان     C 2 تعليقات

2 مشاركة منتدى

كتابة تعليق عام

في العدد نفسه

كلمة العدد الفصلي 14: حتى لا تتكرر خيبة الأمل

لم يعد ثـمّة عطر إلا في القوارير

غياب

صباح

الــغائــب