ربا الناصر - الأردن

انحناء النخل


جلست على المقعد الأمامي لحافلة قديمة، مستعدة لطريق العودة إلى العاصمة، كنت في خلالها أنظر إلى العلامات المدهونة على الطريق من خلال زجاج النافذة، فقد كانت العلامات تتقاطع مع بعضها تارة وتتوازى تارة أخرى، كان الأمر في الحقيقة مسليا لبضع دقائق اندثرت بمجرد شعوري بالملل، فقلبت صفحات التقرير الذي أعددته بعد زيارة إلى دار العجزة والتي كلفني مديري بها، فأنا موظفة في مؤسسة تعنى بالأعمال الاجتماعية.

قلبت صفحات التقرير بهدوء مسترجعة وإياه تلك اللحظات السريعة التواتر، العميقة الأثر، ففي تمام الساعة العاشرة صباحا، فتح الباب أمامي، وطلبت مني موظفة الاستقبال الدخول إلى غرفة الانتظار ريثما تأتي المشرفة على الدار. كان الممر المؤدي إلى الغرفة ضيقا، ومما ظهر لي أن سجاده قد تعرض لإهمال في نظافته. كانت أعين الموظفين تترقبني بفضول، والتي تلاشت عند أول مدخل قادني نحو هذه الغرفة. جلست فيها قرابة ربع ساعة حتى أتت المشرفة يمنى التي تعمل في الدار منذ تأسيسها. كانت السيدة يمنى ترتدي ثيابا بسيطة لكن عينيها كانتا تحملان دفئا أزال حاجز اللقاء الجامد بيننا لحظة دخولها.

حاولت أخذ بعض المعلومات السريعة عن طبيعة المقيمين في الدار حتى يتسنى لي طرح الأسئلة المناسبة، ففهمت من السيدة يمنى أن الدار مكونة من أربعين غرفة تضم العجزة وبعض الحالات الخاصة من مرضى نفسيين، والدار تعنى بتقديم الرعاية الصحية لهم قدر ميزانيتها المتاحة. في تمام العاشرة والنصف ابتدأت جولتي في الدار وكانت أول حالة هي حالة السيدة ليلى والتي فتحت لنا باب غرفتها المشتركة مع مقيمة أخرى رفضت الحديث معي. ظهرت السيدة ليلى وهي ترتدي معطفا أصفر اللون كان فرط ارتدائه كفيلا في إظهار خيوط نسيجه التي بدت واضحة من النظرة الأولى.

رحبت السيدة بي بحرارة وكأنها معتادة على مثل هذا اللقاء الذي سأجريه معها، بل جلست على سريرها بهدوء صامت، منتظرة مني البدء في الحديث، وبالفعل فقد أوضحت لي أنها تعيش هنا منذ خمس سنين، كانت قبلها مدرسة للرياضيات في إحدى المدارس الحكومية، لها قدرها واحترامها بين زميلاتها. كان كل همها في الحياة أن تعيش حياة هانئة بين أولادها اليتامى الذين غدوا شبابا زاهرا من المفترض أن يقودوا أمهم إلى طرق أبواب السعادة، لكن كتاب الأيام نقش على صفحاته سطورا توجب على السيدة ليلى المشي على حروفها الحزينة، فهي لم تكن تتصور في يوم ما أن تطرق باب الدار في ساعة متأخرة من الليل، وهي ترتجف من الخوف.

"لن أنسى ذلك اليوم، وتلك المشاجرة التي طردت بسببها من البيت، فأنا لغاية الآن لم أنس سخونة الإسفلت الملتصق بوجنتي إثر سقوطي من الصدمة، ولم أنس الخدر الذي ألم بقدمي من فرط المشي بحثا عن مأوى، صدقيني عزيزتي كانت دار العجزة هي المطاف الأخير بالنسبة لي، فأنا على الأقل أنعم بسرير - وإن لم يكن بالمستوى المطلوب- يضم جسدي المتعب وأحصل على وجبات غذائية كافية، حتى المقيمين في الدار صاروا اليوم ونسي الوحيد وإن كانت بعض طالباتي تسألن علي من حين إلى آخر."

أنهت السيدة ليلى حديثها معي ، بعد أن أتت إحدى الموظفات طالبة منها الرد على مكالمة هاتفية من إحدى طالباتها، منهية بذلك أول لقاء بحالة من الحالات الخاصة التي ضمتها الدار تحت رعايتها، أما ثاني حالة خاصة فكانت مع الآنسة سمر التي التقيتها صدفة وأنا أمشي بين الغرف محاولة جذب من فيها للحديث معي، حتى تقدمت نحوي سمر والبسمة لصيقة شفتيها المتشققتين. بادرتني بالسؤال

"هل لديك بعض السكاكر؟"

نظرت نحوها والدهشة تلبسني جراء سؤالها غير المعتاد، فقمت بمناولتها بعض السكاكر وأنا أسألها:

"هل من الممكن أن أعرف سبب وجودك هنا؟"

نظرت سمر إلي واكتفت بهز رأسها رافضة الخوض في أي أحاديث، فما كان مني إلا أن أسأل السيدة يمنى عنها وقد غلبني الفضول أن أعرف سبب وجودها هنا. ومما فهمت من السيدة يمنى أن سمر في مقتبل الثلاثينات من العمر، كانت تعيش مع أمها حياة مدللة، تظل ابنتها الوحيدة بالعطف والرعاية مما خلق بينهما ارتباطا وثيقا استطاع القدر أن يفكه ببساطة، تاركا سمر تتخبط في قسوة الأيام من بعدها، فسمر تعاني من مرض الفصام منذ زمن وقد تدهورت حالتها خاصة بعد رحيل والدتها، فكانت فريسة سهلة أمام مطامع أقاربها الذين استولوا على جميع أملاكها وحتى لا يثيروا المشاكل وضعوها في دار العجزة بدلا من مشفى الأمراض النفسية.

بعد سماعي قصة سمر فضلت الجلوس في الحديقة، محاولة الاسترخاء قليلا بعد سماعي عشرات القصص المضافة لقصتي ليلى وسمر، ترددت في الخروج من الدار للحظات جالت في خاطري، فنفسيتي لم تتقبل هذا الظلم، أن تنفى الإنسانية في مكان ينهي كل الذكريات المتباينة في حلوها ومرها، ويقيد كل من يعيش فيه أن يعتاد على حياة رتيبة، ينتظر في كل دقيقة إشفاق محسن عابر، أو صحوة ضمير لشخص غادر.

نظرت حولي وقد كان الخضار يعم المكان وزهور الياسمين تنفث بعبيرها أرجاء الحديقة، حتى الهواء كان عليلا وقد داعب خصلات شعري السوداء، شعرت بعدها بقليل من الهدوء الذي تبدد مع ظهور السيدة محاسن وهي عجوز طاعنة في السن لكنها تملك من القصص وأعاجيب الكلام ما تتفوق به على قصص شهرزاد.

في الحقيقة كان ظهور السيدة محاسن مناسبا بعد أن رصدت عيني مآسي لن أنساها ما حييت. كانت تتبادل معي أطراف الحديث في مواضيع جمة، عكست الثقافة والدين في شخصيتها، أما عن وجودها في الدار فكان أمرا آخر، فالسيدة محاسن لم تتزوج بل "تعطل عندها قطار الزواج" كما يحلو لها أن تقول، وعاشت معظم حياتها في السعودية مع أخيها، الذي رجع فيما بعد إلى هنا مستقرا مع أخته في بيت صغير حتى وافته المنية، ففضلت السيدة محاسن العيش هنا رغبة في الونس وهي سعيدة بوجودها مع صديقاتها في الدار.

بعد مضي أكثر من ساعة من الحديث مع السيدة محاسن، كان وقت الزيارة المخصص قد أوشك على الانتهاء، وساعة الوداع قد اقتربت، وبينما أخطو نحو الباب كنت أنظر صوب الجدران وقد بدت لي أنها حفظت جميع من عاشوا هنا، حتى النخل الذي بدا منحنيا في الحديقة قد اكتفى بسماع أصوات البكاء المجهشة في كل ليلة. كانت أحوال العجزة في الدار كزهرة فل مختنقة. لكني كنت أحمل لهم كل الشفقة ربما تعاطفا معهم أو ربما خوفا من التواجد معهم يوما ما.

D 1 تموز (يوليو) 2008     A ربا الناصر     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  هدية لعود الند

2.  شخصيّة معلّم الحكمة في روايتي "مرداد" و"اليوم الأخير" لميخائيل نعيمة

3.  هدية لعود الند

4.  عن لوحة الغلاف

5.  طيف لينا


القائمة البريدية