أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 3: 25-36 » العدد 27: 2008/08 » نصان: حلم + المدينة الفاضلة

عصام عقرباوي - رومانيا

نصان: حلم + المدينة الفاضلة


حلم

وتضعضعت الأحلام. تاهت في الذكرى. اللحظات المترنحة في الظلام انسلخت من خلف جلد الحاضر الغريب، وأصبحت لحظات مسحوقه، تغتال تفكيري العميق متى تشاء.

وبوجه الماضي الرهيب التصقت أحزان الأيام وشظايا هيكل ميت تهشم في طلاسم الأحلام. ومع الرياح الآتية انتحرت بسمتي الجريئة من بين أفواه الأنام، وذهبت نفسي الجريئة إلى عالم الذكرى والآلام، وفقدت أدوات التنسيق. وساقي المترنحة تغلغلت في دائرة التيه. وصرت أبحث عن الضوء، وعن المشاعل بين أزقة الشوارع المعتمة وفي بروج اليمام.

وفي دوامة التساؤلات، وجدت طلاسم حلم، اغتصبت ذهني الشارد. أين مفتاح الإجابات اللعينة؟ أين العالم المسدود طريقه؟ وأين دندنات الواقع التي تغلغلت في طبلة أذني؟

كيف تصير الموجات المسكينة وموجات الضجر جزءا من حياتي؟ وتلك الصرخات الخائفة الحائرة، كيف تصبح أصداء يرددها حاجز المستقبل اللعين؟ كيف؟ وهل ما زالت روحي تصطاد وحوش الظلمات إشباعا لرغبتي الجامحة؟ وهل أفتش عن الأرواح الشاحبة، وعن روح أخرى ملامحها العناد، ولكن في أفق لم يلتئم جرحه بعد؟

وجدت الصمت الناعس يتثاءب ويقول: "كانت أياما،" وماتت أنفاسي خلف الأضواء. خلف الأضواء المختبئة بين طبقات الضباب الشاحب، وأصبح حلمي في بهاء ذاك الليل أحزانا وحطاما. حينها فتشت عن حلم جديد يداعب ذهني. مشيت على سلالم الحاضر. كبحت جماح نفسي من قول المستحيل. وفي بؤره الأحزان وجدت نفسي في واقع أليم، تربص لي ولآخر أيام العالم المجهول. قلت: "طلاسم حلم."

::

المدينة الفاضلة

منذ وجد الإنسان ووضع أول القوانين في مجتمعاته البدائية، كان يريد القضاء على الخطأ، وإقامة العدالة بالمفاهيم البسيطة السائدة آنذاك. ولعل عبارة "العالم المليء بالأخطاء" هي أكثر العبارات تكرارا عندما وضع الأدباء والمفكرون نظرياتهم أو رؤيتهم للعالم.

ومنذ عرف الإنسان السياسة والدبلوماسية وهجر الهمجية وحياه الغابة، وجد في ذلك صورة جميلة يقدمها لمن يريد أن يتبعه. وحين كان الفشل للإنسان، لم تستطع كل الجهود البشرية أن تفعل شيئا إزاء العالم وأخطائه.

لربما المدينة الفاضلة أصبحت عبارة يستخدمها الواقعيون للسخرية وإطلاق النكات. أما جمهوريه أفلاطون فلم تعد سوى عبارات رومانسية متكررة عفا عليها الزمن وتجاوزها. بقيت الأخطاء وتضاءل القتال ضدها، ولم تعد تلك المهمة النبيلة إلا ذكريات من عصر الفروسية وأحلام حوريات البحر.

إن الحلم بالكمال لا يعني بلوغه، ولكنه قد يكون طريقا لبلوغ أقرب الدرجات إليه. طالما كنا بشرا، فنحن ولا شك معرضون للخطأ. فلماذا نسخر من المدن الفاضلة التي بنتها أحلامنا الإنسانية وظلت مطلبا لا نستطيع الإفصاح عنه؟ لماذا أيضا نسخر من أحلام بسيطة حاولنا في يوم ما تحقيقها فعجزنا لسبب أو لآخر؟

وهنا تبرز ظاهره خطيرة: إن عجزنا عن تحقيق ما نصبو إليه يقودنا في النهاية إلى السخرية من الهدف غير المحقق. الأولى بنا أن نسخر من عجزنا. وإذا كنا لا نستطيع رسم أحلامنا على الأرض فإن الاستمرار في هذا السعي خير من الاستكانة إلى العجز.

ألم أقل لكم سابقا وما زلت أقول: إن عدم استطاعتي تحقيق حلم ما لا يبرر لي قتله. ولا يبرر لكم أن تقوموا باغتياله نيابة عني، فأنا إن افعل ذلك لن أكلف به أحدا. ليبقى من الهدف صورته والحلم الذي يرتبط به. كل الأحلام جميلة. كل الأحلام تحلق بالإنسان إلى مدن أفضل، وإن لم يجد مدينته الفاضلة في هذا العالم.

D 1 آب (أغسطس) 2008     A عصام عقرباوي     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  معلومات عن العدد الحالي

2.  ملف غزة: ذكريات تنكأ الجراح

3.  نصان: تواصل وكم أغبط الشمس!

4.  جولة في حضرموت

5.  فنجانا قهوة


القائمة البريدية