أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 3: 25-36 » العدد 27: 2008/08 » دموع الأرض السمراء

الهادي عجب الدور - السودان

دموع الأرض السمراء


(1)

شلالات الأرق الطويل تحملني مجندلا بالأشجان حافي القلب. أتدثر بلهاث جرحي المستحيل، أواري ومض رحلتي المجهولة الشواطئ، وألسنة الشجن الخرافي تثقب غشاء كلماتي القزحية المنحوتة تمثالا على صدر الرياح الإهليجية وشلالات الأمل المعبق بالأحلام وقصائد قوس قزح.

وتحت زخات مطر الأحلام المسافرة أفواج، تموء صورة الوطن القديم، في شكل جنائزي حزين، تلتقط أنفاس الشتات بشحوب وغموض من السواحل البعيدة ودموع القرى الساكنة تحت ضوء القمر، الملونة برحيق الحياة السيمفوني الرخيم والضباب المالح.

وهنالك عند أسداف الأرصفة الممتدة داخل البحر المترع بتراجيديا الأشجان ترقد خفقات الشموع، وفي القاع قوس قزح بحجم الدموع يرسمني بحسرة وانكسار كشبق الخريف بعيدا عن أجواء السافانا.

آه، عنوان وطني العنيد قصيدة منسوجة في سفر الحكايات العنيدة بحجم الرياح، والجرح الكبير يتمرجح بفقاقيع الأحلام الجدلية كالسراب يناديني بخفوت، والجزر الرملية الفاتنة المتربعة على رحم البحار العاتية تنازعني هويتي الدافئة وأبجديات قصائدي البدوية وترنيمة بكائي السري الحزين، والصحراء الواسعة أطلس في أضابير بلدي الخرافي.

آه، الأغنيات القديمة في أعماقي تتلوى والذكريات الرائعة المنقوشة برحيق السافانا في دمائي، تنتظر الفارين من هنالك، من وهج الأحزان وقتامة المكان ولعاب السجان، بحثا عن رائحة الوطن السرمدي لينتهي بهم المصير المضرج بالفتور والنواح كبؤرة الخسوف المر، كمقصلة التلاشي المنتقاة من مفتاح الخارطة التائه في زحمة المستحيلات.

(2)

رحلة الأسماء الموعودة بدفء الأبنوس لم تعد تشفي داء التشرد، والملجأ لم يعد سوى منتدى حزين لداء الكوليرا والتيفوئيد. هذه القصة المشرئبة بالنواح. هذه الحكاية المفقودة في كتاب العباقرة الصفوة، أصحاب السياط الجهنمية.

وعلى ذاك الشارع الطويل المعفر الذي حفرته الدبابات والمجنزرات ترقد أشلاء الحيارى ببؤس، يستنزفهم النبلاء الجدد ليوقدوا الحزن والرعب والأسى في خلايا الجرح المترع بالمرارة والألم، المفطوم على محراب الصبابة وقوافي العشق العذري.

آه، ما زالت الكلاب الكبيرة ذات القلائد ترقد فوق أسوار الحديقة تنتظر أطفال الروضة الوديعين فتختار من يصلح للافتراس، تختار من يكون عبرة للمارة الحفاة البؤساء على أطراف الشارع، عبرة لأبناء الشمس والأبنوس عشاق البحر والقمر.

(3)

القادمون من حنايا الرياح ومن رائحة التفاح، يحملون قلوبا بحجم كل القبلات الجميلة وابتسامات حبيباتنا المدهشات. يحملون أقلاما لا تشبه الخناجر المسمومة، لا يقتلون عصافير الحديقة وبنات القصيدة، يعشقون النسمة مثل أناشيد الصفاء، مثل سيمفونية الأرض السمراء.

آه، الخنجر موضة الكبار هذا المساء، فإذا لم تحمل خنجرا في هذه المدينة فإنك منبوذ كالشيطان تطاردك اللعنة ويدرج اسمك في القائمة: إنه جبان. كل شيء مربوط بخنجر القديس البطل، والقصة الجديدة الآن في مدينتنا، الشمس والقمر من بنات الجن، هذا كل شيء أدركته القبيلة الخرساء. كل شيء عرفته الأرض السمراء منذ عرس الخليفة الجديد والولائم الكبيرة، حينها الموت سلعة ودموع بالمجان وبشرف حضرة السلطان.

D 1 آب (أغسطس) 2008     A الهادي عجب الدور     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  وثيقة: قرار الأمم المتحدة 194

2.  كلمة العدد الفصلي 12: التقدم التقني والبطالة والعولمة الكاذبة

3.  خبر ومقالة عن توقف المجد عن الصدور

4.  من التعليق إلى الكتابة

5.  عدد جديد من مجلة البوتقة