أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 3: 25-36 » العدد 29: 2008/10 » من دفاتر المنفى: أخ ولدته الغربة

أميمة أحمد - الجزائر

من دفاتر المنفى: أخ ولدته الغربة


أميمة أحمدعادت بايا من شرودها عندما أعلن صوت المضيفة عن هبوط الطائرة في مطار هيثرو، وراحت تتحدث عن حالة الطقس. كان باردا جدا. لن تنسى ذلك البرد في ذاك اليوم الأحد، 12 تشرين الثاني/نوفمبر. وراحت تحدث نفسها: بعد قليل ألتقي الصديق سمير. ترى كيف أعرفه بين الناس؟ رسمت له صورة. هل ستطابق صورته التي سأكتشفها بعد لحظات؟ أسئلة تستولد بعضها بانتظار وصول الحقائب.

سحبت بايا حقيبتها ووضعتها على إحدى عربات المطار، وتفقدت هندامها كي يتعرف عليها، فهي أخبرته أنها سترتدي لباسا أسود، وستلف منديلا أحمر على الرقبة كعلامة ليتعرف عليها.

خرجت بايا من باب وصول المسافرين، وجدت عشرات الناس مصطفة خلف حواجز حديدية، يتكئون عليها بانتظار أقرباء أو أصدقاء. شعرت بالغربة تلفها بوشاح أسود. هنا في بلد الفرنجة الغربة أقسى. أين أنت يا سمير؟

جالت بايا عينيها بهذه الوجوه الشاخصة بعيونها نحو الباب فلمحت شابا له ملامح عربية وابتسامة شعت بوجهه عندما نظرت إليه. أدركت أنه سمير خاصة وأنه لوح بيده، ربما ليزيد في طمأنتها، فاتجهت نحوه واثقة الخطى، وهي تقول لنفسها: "أخيرا التقيت هذا الصديق بعد سبع سنوات عرفته خلالها صوتيا، والآن ها هو ذا."

وصلت إليه سلمت عليه، ومن خلال جلبة داخلها سمعته يقول: "الحمد لله على السلامة، الطائرة لم تتأخر."

لاحظ سمير الدهشة على وجه بايا وهي تنظر حولها كأنها في عالم آخر. "سترين بعض ضواحي لندن في طريقنا للبيت، ربما تخف دهشتك من المكان."

وقفت السيارة أمام منزل في حي هادئ. قال لها "الحمد الله على السلامة. وصلنا البيت. تفضلي." وأسرع وفتح باب الدار. دلفت بايا الدار، فاستقبلتها سيدة حسناء، رائعة بلطفها وكياستها. نطقت بعض الكلمات بالعربية، فقام سمير بالتعريف بينهما: "زوجتي ليلى. بايا."

الهدوء اللافت على وجه ليلى جعل بايا تشعر بالطمأنينة. زال القلق الذي ساورها أمس. وبدفء غامر دعت السيدة ليلى بايا لتناول الغذاء. لقد أعدت أصنافا كثيرة شهية، تفوح روائحها الزكية في المطبخ، فشعرت بايا بالحرج، لكن الزوجين سمير وليلى أخبراها والبسمة تعلو وجهيهما:

"هذه حالة استثنائية. لقدومك أعدت ليلى طعاما خاصا، وحظك جيد لأن اليوم عطلة نهاية الأسبوع. لكن غدا تعتمدين على نفسك لأننا بالعمل، وهذا مفتاح البيت خذيه وتصرفي كأنك في بيتك تماما."

وقعت الكلمات عليها كنسمة ربيع منعشة. شعرت بدفء بيت الأهل، خاصة عندما قادت ليلى ضيفتها إلى غرفة خاصة لها. يا إلهي هذه الباكستانية تحمل حنانا كمصباح يشع في داخلها، ويمنح الدفء لمن حولها. رغم صغر سنها إلا أنها تملك حنانا كبيرا ليس له شبيها سوى حنان الجدات، الحنان الدافئ.

كان موعد بايا مع الطبيب في اليوم الثاني. استيقظت بايا على زقزقة عصافير تنطنط على أغصان أشجار عارية. هنا الشتاء له معنى حقيقي غير الجزائر ذات المناخ المتوسطي، يبقى الجو دافئا، والخضرة في كل الفصول.

تأملت العصافير الملونة بلون الحناء، والسماء رمادية، والمطر لا يتوقف. اختنقت بايا بغصة: "ترى ماذا يقول الطبيب؟ أول زيارة لهذا البلد للعلاج؟ الحمد لله أنني أستطيع العلاج في بلد كهذا."

اعتادت في رحلاتها اصطحاب دفتر يوميات، فأخرجته ودشنت أول صفحة فيه بخاطرة كلما قرأتها تغرورق عيناها بالدمع رغم مرور نحو تسع سنوات على تلك المحنة.

في اليوم الثاني رافقها سمير إلى المستشفى، وهو يشير إلى كل نقطة علاّم في الطريق لتتذكرها بايا في المرة الثانية، ويذكرها أن إشارات المرور عكس إشارات في أغلبية دول العالم، لذا التفتي نحو اليمين بدلا من اليسار عندما تقطعين الشارع من مكان عبور المشاة.

ومما تتذكره بايا مبنى الخطوط الجوية الماليزية الواقع على منعطف نحو المستشفى. وقف سمير عنده وقال لها:

"لا تنس، على يمين هذا المبنى تبدأ الطريق للمستشفى. وبعد قليل ستجدينه وتعرفينه في المرات القادمة."

وصلا للمستشفى. سأل عن الطبيب الذي لا تعرفه بايا بعد. أرشدته موظفة الاستعلامات إلى غرفة الطبيب أيوب. كانت عيادته في طابق القبو، حيث عدة مرضى ينتظرون الطبيب.

أراد سمير الانتظار مع بايا لتتعرف على الطبيب، لكن بايا رفضت أن يعذب نفسه ويتعطل عن عمله، فسألها "هل عرفت الطريق؟" وأكدت له أنها حفظت الطريق عن ظهر قلب.

منذ السنوات الأولى لغربة بايا اكتشفت أن الغربة أنثى، لذا ليس غريبا أن تنجب الغربة أخوة وأخوات لبايا عرفتهم في رحم المعاناة، وراحت تتذكر: رياض، نادية، سمية، شريفة، دليلة، كريمة، عامر، نبيلة، وكثيرون، تتذكرهم بايا بحب وامتنان وعرفان. لكن الأخ البكر بين إخوان الغربة كان سمير.

اليوم تذكرت معروفه الذي لن تنساه ما عاشت. تذكرت صنيعه النبيل وهي تحتفل بالذكرى التاسعة لتجاوز محنة السرطان. كان سمير عونا لها في مقاومة وحش كاسر غافلها ذات يوم من أيلول (سبتمبر).

مثل هؤلاء النبلاء لا ينتظرون شكرا، ولكن علينا دوما الشكر والعرفان، إلا أن اللغة تبدو عاجزة عن الإحاطة بالامتنان لأخ ولدته الغربة.

D 1 تشرين الأول (أكتوبر) 2008     A أميمة أحمد     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  وضع الديمقراطية في الأردن 1990-2010

2.  نتائج مسابقة فلسطين الثقافية

3.  البلاغة بين النقد والأدب واللغة

4.  نتائج مسابقة حنظلة للكاريكاتير

5.  عنتُ الكتابة